إقتصادتحقيقات

كيف تسيطر الميليشيات على المنافذ الحدودية؟

ملف عراقي بارز بات يشغل معظم وسائل الإعلام المحلية والعربية وفي كثير من الأحيان الدولية، إنه ملف المنافذ الحدودية العراقية وسيطرة بعض الميليشيات عليها واستخدامها في تهريب الأسلحة والمخدرات وإدخال البضائع بطرق غير قانونية من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يغوص في ملف المنافذ الحدودية العراقية ليكشف عن الجهات التي تسيطر عليها بالأسماء وكيفية عملها والاستفادة منها في مختلف المجالات وحجم الخسائر التي تكبدتها البلاد طيلة السنوات السابقة.

 

المنافذ الحدودية في جميع البلدان تعد منافذ سيادية تتحكم فيها الدولة بالكامل، ولا مجال لتدخل أي شركات استثمارية أو أحزاب في السيطرة عليها، إلا أن العراق ومنذ عام 2003 شهد انقلابا في الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن تكون عليه المنافذ الحدودية بأنواعها من مسؤولية الحكومة حصرا.

 

ما أنواع المنافذ العراقية وكم عددها؟

يمتلك العراق ثلاثة أنواع من المنافذ الحدودية، وهي البرية والبحرية والجوية، إذ يؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي “هيثم محمد” في حديثه لوكالة “يقين” على أن للعراق 24 منفذا حدوديا بريا وبحريا مع الدول الست المجاورة له، وهي كل من السعودية والكويت والأردن وسوريا وتركيا وإيران، مشيرا إلى أن معظم هذه المنافذ مسيطر عليها من قبل الميليشيات المسلحة والمتنفذين من قادة الأحزاب السياسية في واحد من أخطر ملفات الفساد في البلاد، بحسبه.

ويعدد محمد المنافذ الحدودية العراقية، وهي كل من منفذ مطار بغداد الدولي ومطار النجف ومطار الناصرية والبصرة ومنفذ الشالجية والشيب وسفوان والزبير والخور، إضافة إلى منفذ ميناء المعقل وأم قصر الشمالي وأم قصر الجنوبي والشلامجة وزرباطية والمنذرية ومندلي وميناء أم فلوس وطريبيل وربيعة والقائم والوليد ومنفذ المنطقة الحرة (عويريج).

ويشير محمد إلى أن هذه المنافذ هي تلك التي تخضع لسلطة الحكومة الاتحادية يضاف لها منفذ مطار الموصل الدولي المتوقف عن العمل فضلا عن منافذ كردستان العراق.

وتخضع جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية قانونا لهيئة المنافذ الحدودية وتتولى مسؤولية استحصال الجمارك فيها كل من هيئتي الضرائب والجمارك التابعتين للحكومة.

يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد “وائل عبد الحسين” في حديثه لوكالة “يقين” إن المنافذ الحدودية في جميع بلدان العالم تعد منافذ سيادية تتحكم فيها الدولة بالكامل، ولا مجال لتدخل أي شركات استثمارية أو أحزاب في السيطرة عليها، إلا أن العراق ومنذ عام 2003 شهد انقلابا في الوضع الطبيعي الذي ينبغي أن تكون عليه المنافذ الحدودية بأنواعها من مسؤولية الحكومة حصرا.

ويكشف عبد الحسين لوكالتنا عن أن العراق يخسر سنويا ما يقرب من 8 مليارات دولار جراء الانفلات في السيطرة على المنافذ الحدودية، لافتا إلى أنه ومن خلال دراسة أعدها عبد الحسين مع مجموعة من طلابه، فإنها كشفت أنه وفي حال سيطرة العراق على منافذه الحدودية وإغلاق المنافذ غير الرسمية فيه، فإن واردات هذه المنافذ يمكن أن ترفد العراق بنحو 15 مليار دولار سنويا – كحد أدنى –، باستثناء ورادات منافذ شمال البلاد -كردستان-، خاصة أن العراق يعتمد على الاستيراد في جميع مفاصله الاقتصادية.

ويختتم عبد الحسين حديثه بالتأكيد على أن عملية السيطرة على المنافذ تحتاج لإرادة حكومية قوية وقوات أمنية غير ملوثة بالفساد، وبغير ذلك فإن الوضع القائم سيستمر.

 

من الذي يسيطر على المنافذ؟

“لا يكاد يوجد منفذ حدودي في العراق إلا وهناك توغل لميليشيات مسلحة أو حزب سياسي فيه”، بهذه الكلمات يصف مصدر أمني رفيع المستوى في وزارة الداخلية الوضع في المنافذ الحدودية العراقية.

ويكشف المصدر لـ “وكالة يقين” أن المنافذ الحدودية التي تنشط فيها الميليشيات والأحزاب تقع غالبيتها في الجانب الشرقي من العراق كحدود مع الجمهورية الإيرانية، إضافة إلى المنافذ البحرية بأكملها ومنفذ حدودي آخر بمحافظة الأنبار.

ويؤكد المصدر على أن الأحزاب تسيطر على المنافذ منذ أكثر من 14 عاما، إلا أن السيطرة الفعلية على المنافذ من قبل الميليشيات بدأت بالتسارع منذ عام 2014 في نهاية حكومة “نوري المالكي” الثانية ثم توسعت سيطرتها في حكومتي “حيدر العبادي” و”عادل عبد المهدي”، مشيرا إلى أن الحكومة الحالية التي يتزعمها “مصطفى الكاظمي” تبذل جهدا كبيرا من أجل إعادة السيطرة على المنافذ البرية والجوية والبحرية، كاشفا عن أن هناك ضغوطا سياسية وأمنية كبيرة تواجهها حكومة الكاظمي في هذا الصدد.

من جانبه، يكشف رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية “محمد رضا” في حديثه لوكالة “يقين” إن ملف المنافذ الحدودية العراقية يعد من أكبر أبواب الفساد في البلاد وأوسعها، وأن هناك سيطرة واضحة للمسلحين على المنافذ الحدودية من شمال العراق إلى جنوبه.

وعن الآلية التي تستخدمها تلك الميليشيات في سيطرتها على المنافذ وكيفية استخدامها، يكشف رضا عن أن هناك منافذ تدخل البضائع من دون تأشيرة جمركية ومن دون فحص لسيارات النقل فضلا عن عدم معرفة مسؤولي المنافذ بنوع المواد أو البضائع الداخلة للبلاد والتي تتخللها كميات كبيرة من المخدرات في كثير من الأحيان.

من جانبه، يكشف مصدر أمني رفيع المستوى في الحكومة الحالية – اشترط عدم الكشف عن هويته –، أن الميليشيات الرئيسة التي تسيطر على المنافذ الحدودية هي كتائب حزب الله وثأر الله والنجباء والعصائب وفيلق بدر ومجموعات مسلحة تتبع لـ “عمار الحكيم”، فضلا عن سرايا السلام، وهذه كلها تسيطر على المنافذ البحرية والبرية الممتدة من خانقين في ديالى وحتى جنوب الحدود الإدارية لمحافظة البصرة جنوبا.

وعن المنافذ الحدودية الغربية للبلاد، كشف المصدر في حديثه لوكالتنا عن أن كتائب حزب الله باتت تسيطر بشكل كبير على منفذ القائم الحدودي، ولديها منفذان آخران غير رسميان مع سوريا يتمثلان بما بات يعرف عراقيا بمنفذ (السكك البري) مع سوريا، إضافة إلى منفذ (السنجك) الذي يمتد عبر المهر ويصل إلى منطقة الباغوز السورية.

طرق ملتوية وشركات وهمية وأخرى مسجلة تستخدمها الفصائل المسلحة والأحزاب من أجل تيسير سيطرتها على الموانئ العراقية جنوب البلاد، إذ يقول أحد المخلصين الجمركيين في محافظة البصرة جنوبا وعرّف عن نفسه باسم (منتظر البدري) إن فصائل بدر والعصائب وسرايا السلام، إضافة إلى أحزاب الدعوة (جناح نوري المالكي) والفضيلة والمجلس الأعلى والتيار الصدري يسيطرون على المنافذ البحرية وأرصفتها.

ويضيف البدري في حديثه لوكالة “يقين” أن هذه السيطرة تتم من خلال تأسيسهم لشركات تجارية وأخرى مختصة بالاستيراد والتصدير كواجهة لها، إذ تحكم كل ميليشيا أو حزب سيطرتها على مجموعة من الأرصفة، كما أن لكل فصيل أو حزب تخصص معين في التهريب وإدخال الممنوعات أو البضائع غير المرخصة كالمنتجات الزراعية والسيارات وقطع غيارها فضلا عن التهرب الجمركي من خلال التلاعب بكميات البضائع المستوردة وأنواعها.

ويختتم البدري حديثه لوكالتنا بأن هيئتا الجمارك والضرائب وجهاز السيطرة والتقييس النوعي يشوبها الكثير من الفساد، إذ أن هذه الميليشيات والأحزاب أخضعت غالبية العاملين في هذه المؤسسات لسلطتها من خلال إغرائهم بالمال أو تهديدهم بالتصفية في حال لم يمتثلوا لطلباتها، بحسب قوله.

 

ما يدخل لخزينة الدولة من واردات المنافذ الحدودية لا يتعدى الـ 20% في الوقت الذي تنتفع به الأحزاب والفصائل المسلحة المتنفذة في المعابر من تلك الأموال.

 

كيف فشلت الحكومة في السيطرة على المنافذ؟

مع مجيء حكومة “مصطفى الكاظمي” وإثر الأزمة المالية الكبيرة التي تشهدها البلاد بسبب تهاوي أسعار النفط وجائحة كورونا، كان قد وعد الكاظمي في برنامجه الحكومي بالسيطرة على المنافذ الحدودية بالقوة من أجل تعزيز موارد الدولة المالية ومنع عمليات تهريب السلاح والنفط والمخدرات.

إذ وفي الأيام الأولى من شهر تموز/ يوليو الجاري، أمر الكاظمي الجيش وقيادة القوات البحرية بالسيطرة التامة على منفذ الشلامجة مع إيران ومنفذ سفوان مع الكويت، فضلا عن تكليف قيادة القوة البحرية بالسيطرة الكاملة على المنافذ البحرية في ميناء أم قصر.

يضاف لذلك تحرك قوة من قيادة العمليات المشتركة للسيطرة على منفذ زرباطية الحدودي في محافظة واسط، إلا أن الخبير في الشأن الأمني والاستراتيجي “حسن العبيدي” يرى من جانبه أن تحركات الكاظمي وللوهلة الأولى تشي بأنه مصر على السيطرة على المنافذ، غير أن الملف أعقد بكثير من مجرد استبدال القوات المرابطة في المنافذ بأخرى، إذ أنه وفي حال استمرار هذه القوات بالمرابطة في هذه المنافذ، فإنه من السهولة على الميليشيات والأحزاب أن تستميل آمري تلك القوات لصالحها.

ويكشف العبيدي أن ما حدث خلال الأيام الماضية من اعتداء بعض أفراد الميليشيات على موظفي منفذ زرباطية يشي بأن هذه الفصائل المسلحة لن تتوانى عن فعل أي شيء في سبيل الحفاظ على مصالحها في تلك المنافذ.

كما أشار العبيدي إلى مشكلة أخرى تتعلق بالمنافذ الحدودية وتعد أكثر خطورة من السيطرة على المنافذ الرسمية، إذ يكشف العبيدي في حديثه لوكالة “يقين” عن أن هناك ما يقرب من 10 منافذ حدودية غير رسمية على طول الحدود العراقية الإيرانية، وأن 4 منها تقع في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة كردستان، مشيرا إلى أن الخط الحيوي البري للفصائل المسلحة يمتد من محافظة ديالى وحتى محافظة ميسان جنوبا، فضلا عن منفذين غير رسميين خاضعين لسيطرة ميليشيا حزب الله على الحدود العراقية السورية غرب البلاد، بحسبه.

ويرى العبيدي أن لا سبيل للسيطرة على المنافذ الحدودية العراقية إلا بتحجيم الفصائل المسلحة والحد من قدراتها في الداخل قبل الحدود، إذ ليس من المعقول أن تستمر هذه الفصائل في سيطرتها وفتحها لمنافذ حدودية جديدة في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لإحكام سيطرتها على الحدود.

ويكشف العبيدي أن مصادر أمنية رفيعة المستوى بالعاصمة العراقية بغداد كشفت عن أن الخروقات الأمنية التي حدثت الأيام الماضية في العاصمة بغداد من عمليات تفجير بعبوات ناسفة واغتيالات كانت مدبرة من قبل بعض الفصائل المسلحة التي تضررت مصالحها نتيجة التحركات الحكومية الأخيرة، بحسب قوله.

من جانبها، أكدت قيادة العمليات المشتركة في بيان تلقت وسائل الإعلام نسخة منه، على أن العمليات المشتركة وبأمر من القائد العام للقوات المسلحة “مصطفى الكاظمي” يعتزم استبدال القوات المرابطة في المنافذ الحدودية كل 15 يوما، في مسعى لمنع احتمالية التفاف هذه القوات على التعليمات الحكومية القاضية بالسيطرة الحكومية الكاملة على المنافذ.

 

خسائر بالمليارات

تشير الأرقام التي تصدر عن المسؤولين وبعض النواب إلى أن الفساد في المنافذ الحدودية يكلف العراق مليارات الدولارات سنويا، ويكشف الخبير الاقتصادي والأستاذ في الجامعة العراقية “عبد الرحمن المشهداني” في حديثه لوكالة “يقين” أن للعراق أكثر من 22 منفذا حدوديا بريا وبحريا وجويا، إلا أن هذه المنافذ لا ترفد الدولة بإيرادات مالية كبيرة يمكن لها أن تغطي جزء لا بأس به من موازنة البلاد.

وبحسب المشهداني الذي تحدث لوكالة “يقين” فإنه وطيلة السنوات السابقة لم تتجاوز قيمة الإيرادات المالية من المنافذ الحدودية ربع الواردات المفترضة، كاشفا عن أنه وبعملية حسابية بسيطة، فإن الأموال المسروقة والمهدورة جراء انفلات أوضاع المنافذ الحدودية تقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار منذ عام 2003.

أما النائب عن اللجنة المالية البرلمانية “أحمد الصفار” فأشار صراحة في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن ما يدخل لخزينة الدولة من واردات المنافذ الحدودية لا يتعدى الـ 20% في الوقت الذي تنتفع به الأحزاب والفصائل المسلحة المتنفذة في المعابر من تلك الأموال.

كما أكد الصفار على أن المنافذ الحدودية تعد واحدة من أهم روافد الموازنة في حال سيطرة الدولة عليها، وأن أولى خطوات الإصلاح المالي في البلاد تكمن في السيطرة على هذه المنافذ وإغلاق غير الرسمية منها، بحسبه.

وفيما يتعلق بالقوات التي يجب على الحكومة تفعيلها لأجل ضبط المنافذ الحدودية، يقول المحلل الأمني “رياض العلي” في حديثه لوكالة “يقين” إن جميع تشكيلات القوات الأمنية في البلاد فيها اختراقات كبيرة من جانب الأحزاب والفصائل المسلحة باستثناء جهاز مكافحة الإرهاب الذي يعد العدو اللدود للفصائل المسلحة، بحسب تعبيره.

وعن إمكانية الكاظمي في استخدام جهاز مكافحة الارهاب في السيطرة على هذه المنافذ، يؤكد العلي على أن الخطوة الأولى للكاظمي هي استخدام هذا الجهاز في السيطرة على هذه المنافذ لفترة محدودة، إذ أن قيادة عمليات المحافظات والشرطة الاتحادية متهمة كذلك بتسهيل سيطرة الأحزاب والفصائل المسلحة على المنافذ، وبالتالي فلا بد على حكومة الكاظمي من أن تشرع في عملية إصلاح شاملة للأجهزة الأمنية المختصة وخاصة قوات حرس الحدود التي تعرف جيدا طبيعة الحدود العراقية، بحسبه.

كما يؤشر العلي إلى نقطة أخرى تتمثل بأن على حكومة الكاظمي أن تستبدل القوات المرابطة في المنافذ الحدودية بشكل دوري، وبمدة لا تزيد عن شهرين في كل منفذ حدودي، وهذه الاستراتيجية ستضمن للحكومة منع أي تعاون أو تهاون من هذه القوات مع المتنفذين في المنافذ الحدودية.

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق