الأربعاء 19 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أرامل وأيتام العراق »

كرماء النسب: صعوبة الاندماج في المجتمع العراقي

كرماء النسب: صعوبة الاندماج في المجتمع العراقي

أطفال ولدوا وترعرعوا وباتوا أفرادا في المجتمع، يطلق عليهم “كرماء النسب” نسبة إلى عدم معرفتهم لعوائلهم وأسرهم وعشائرهم، أناس ولدوا ولم يكن لهم ذنب في أنهم يجهلون هويتهم، لكنهم في الوقت ذاته، يعاني بعضهم من نظرة دونية من المجتمع المحيط بهم، في هذا التحقيق الاستقصائي نتعرف على ما هية “كرماء النسب” ونشأتهم وحياتهم.

كرماء النسب في العراق

يحدث في العراق، أن يترك أطفال رضع في العراء أو عند أبواب المساجد والمستشفيات، أطفال تخلى عنهم ذووهم لأسباب عدة، ما بين علاقة خارج إطار الزواج، أو اضطرار الأهل لتركهم نتيجة الفقر والعوز.

“عدد الأطفال الرضع الذين عثرت الأجهزة الأمريكية عليهم في الأماكن العامة في الولايات المتحدة، وصل إلى 34 ألف طفل”

الأكاديمي المختص في علم الاجتماع الدكتور “نور الدين نبهان” يقول في حديثه لوكالة “يقين” إن ظاهرة الأطفال الذين لا تعرف عائلاتهم والذين يطلق عليهم في مجتمعاتنا بـ”كرماء النسب” هي حالة معروفة في جميع دول العالم، وتكثر هذه الظاهرة بشكل كبير في البلدان التي لا تدين بالدين الاسلامي وخاصة في المجتمعات الغربية.

ويضيف نبهان أن آخر إحصائية أمريكية عن عدد الأطفال الرضع الذين عثرت الأجهزة الأمريكية عليهم في الأماكن العامة في الولايات المتحدة، وصل إلى 34 ألف طفل رضيع في عام 2017، موضحا أن هذه الظاهرة بدأت تصل إلى مجتمعاتنا العربية ومنها العراق خلال العقدين الأخيرين، إذ أنه وبسبب ما تشهده البلدان العربية من تردي الحالة الاقتصادية والانفتاح الاخلاقي على العالم الغربي، باتت الدول العربية ومنها العراق تسجل أرقاما للأطفال الرضع الذين يتم العثور عليهم في الطرقات والحدائق العامة.

وعن أسباب انتشار هذه الظاهرة في العراق في السنوات الأخيرة، أوضح المختص في علم الاجتماع أن هناك سببين اثنين، أولهما يتمثل بضعف الدور الأسري وتراجع الاخلاق العامة في البلاد، بعد أن باتت وسائل الاتصال الحديثة مرتعا لتشكيل الصداقات والعلاقات بين الجنسين والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى علاقة خارج إطار الزواج، الأمر الذي ينتج عنه أطفال، لا تستطيع أسرهم تحمل العبء المجتمعي لبقائهم معها، فيتجهون إلى رميهم في الحدائق العامة للتخلص من العار، بحسبه.

ويوضح نبهان أن ثاني الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة هي الحروب التي مرت بالبلاد وخاصة بعد الغزو الامريكي في عام 2003، وتردي الحالة الاقتصادية للبلاد، إضافة إلى الحروب التي شهدها العراق منذ عام 2014 والتي أدت إلى فقدان كثير من الأطفال لذويهم في الحرب، ما أدى إلى ضياعهم وعدم القدرة على التعرف على ذويهم.

لا توجد احصائية رسمية!

وعن إحصائية كرماء النسب في العراق؛ فلا توجد إحصائية رسمية توثق أعداد كرماء النسب في العراق، حيث يشير المستشار في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية “مهند اللامي” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن العراق لا يملك احصائية رسمية دقيقة عن عدد كرماء النسب في العراق.

وكشف اللامي أن دور الأيتام في العراق وقبل تحويل مسؤولياتها وإداراتها إلى المحافظات في عام 2015، كانت تضم قرابة 4500 طفل ما بين يتيم وكريم نسب في مختلف محافظات البلاد باستثناء محافظات اقليم كردستان، موضحا أن الوزارة لا تسجل هؤلاء على أنهم كريمو نسب، بل أطفال أيتام، تسعى الوزارة ومن خلال وزارة الداخلية إلى إصدار أوراق ثبوتية لهم، بأسماء تختار لهم بعناية، بحسبه.

“مشاكل يواجهها هؤلاء الأطفال عند وصولهم لمرحلة البلوغ أو المراهقة”

وأضاف المستشار في وزارة العمل أن الأرقام الخاصة بعدد كرماء النسب لا تتوافر لدى الوزارة بسبب عدم اعتماد الوزارة على هذا التصنيف، وأن بعض الأطفال الذين يتم العثور عليهم لا يسجلون لدى الوزارة وخاصة خارج العاصمة بغداد، لافتا إلى أن هؤلاء الاطفال من المقيمين في دور الأيتام، يحضون برعاية من وزارة العمل ومختلف وزارات البلاد لتسهيل أمورهم ودراستهم.

وأشار إلى أن مشاكل يواجهها هؤلاء الأطفال عند وصولهم لمرحلة البلوغ أو المراهقة، إذ يشير إلى أنه في المرحلة العمرية التي تقارب العشر سنوات، تبدأ أسئلة هؤلاء الأطفال عن عدم وجود أولياء أمورهم وبيوت تحتضنهم، ما يفاقم من حالتهم النفسية خاصة عند ذهابهم إلى المدارس.

وعن كرماء النسب من الإناث، أوضح اللامي أن الدولة تحتضن البنات والنساء من كريمي النسب ولا تتخلى عنهم، ويحولون من دار رعاية الايتام، إلى دور الإيواء، ولا يغادرن إلا للعمل أو إلى بيوت أزواجهن، في حال تم الزواج، الذي تتم جميع إجراءاته بإشراف مباشر من الوزارة، بحسبه.

أما عن تبني هؤلاء الأطفال، يشير إلى أن القانون العراقي يسمح للمواطنين بتبني أطفال من دور الأيتام، بعد تقديم كافة المستمسكات، ويسجل هؤلاء الأطفال بأسماء العوائل التي تتبناهم، في الوقت الذي تستمر فيه الوزارة من خلال الفرق الميدانية التابعة لها بمتابعة شؤونهم وكيفية معاملتهم لسنوات، حتى يثبت لديها أنهم في أمان، بحسب المستشار في وزارة العمل “مهند اللامي”.

تزايد حالات رمي الأطفال

شهدت السنوات الأخيرة ازديادا كبيرا في عدد الأطفال الذين يتم العثور عليهم أمام أبواب المساجد والمستشفيات، حيث يقول المقدم “فراس عبيد” الذي يعمل في مديرية النجدة في محافظة بغداد، إن مديريتهم أبلغت عن أكثر من 54 حالة لأطفال حديثي الولادة، تم الإبلاغ عنهم من قبل الأهالي في مختلف مناطق العاصمة في عام 2017.

من جانبه يقول الدكتور “مصطفى الشيخ” الذي يعمل طبيبا في مستشفى اليرموك في بغداد، أنهم عثروا أمام بوابة المستشفى على 5 أطفال حديثي الولادة خلال الأشهر العشرة الماضية، موضحا أنه تم إبلاغ الشرطة عن هذه الحالات، حيث تم تقديم الرعاية الأولية لهم، ثم نقلهم إلى دور الأيتام.

“دار رعاية الايتام في الموصل استقبل أكثر من 21 طفلا حديث الولادة خلال العام الجاري”

وكشف الشيخ عن اثنين من الأطفال حديثي الولادة الذين تم العثور عليهم، كانوا في حالة صحية سيئة جدا وأحدهم أجري له عملية جراحية بعد أن كشف الفحص الطبي عن انسداد في الأمعاء.

الظاهرة تتسع

ومن بغداد إلى الموصل، إذ أفاد مصدر في دار رعاية الأيتام في الموصل رفض الكشف عن هويته في حديثه لوكالة “يقين” إن الدار استقبل أكثر من 21 طفلا حديث الولادة خلال العام الجاري، تم العثور عليهم في الموصل أمام المساجد والمستشفيات وفي اكوام القمامة، كاشفا عن أن هذا الرقم يعد الأعلى على الاطلاق لعدد الأطفال حديثي الولادة “كرماء النسب” الذين دخلوا الدار.

لا تختص محافظة بعينها بهذه الظاهرة، إذ تشهد محافظات أخرى كديالى والبصرة وبابل حالات مشابهة، إذ يقول الشرطي “فائق محمد” الذي يعمل في مديرية شرطة محافظة ديالى، أنه وفي إحدى دورياته الروتينية في مدينة بعقوبة، أبلغ عن ضرورة التوجه إلى إحدى أحياء المدينة، بعد أن تسلمت الشرطة بلاغا بالعثور على طفل لم يتجاوز أيامه الأولى.

ويضيف محمد أن الطفل الذي عثر عليه فارق الحياة في المستشفى بعد ساعتين من العثور عليه؛ بسبب سوء حالته الصحية إثر تعرضه للجفاف بسبب وضعه على قارعة الطريق تحت أشعة الشمس مغطى بقطعة قماشية.

صعوبة الاندماج في المجتمع

“كريم علي”، رجل يبلغ من العمر 34 عاما، إلا أنه يبدو عند مشاهدته أنه في الخمسين من العمر، علي الذي يعمل حمّالا في سوق الشورجة في العاصمة بغداد رغم أنه حاصل على شهادة دبلوم في الميكانيك، يشكو من رفض المجتمع له.

يقول “علي” لوكالة “يقين” وهو يحاول حبس دموعه في مقلتيه، أنه يقيم في مخزن أحد التجار في الشورجة ويعمل في الليل حارسا للمخزن، ورغم أن عمله يؤهله لاستئجار غرفة أو شقة صغيرة في منطقة شعبية، لكنه كان قد استأجر شقة قبل سبع سنوات أملًا منه في أن يتزوج، لكنه وبعد أن أصابه اليأس من الزواج؛ بسبب رفض الجميع تزويجه، عاد للسكن في المخزن توفيرا لمشقة الذهاب والاياب.

“أكثر المشاكل التي يعانيها الأطفال والمراهقون في دور الأيتام، هو الشعور بأنهم “معزولون” عن المجتمع”

ويضيف أنه حاول قبل ثلاث سنوات التقدم للزواج من إحدى الفتيات من دور الرعاية والإيواء في بغداد، إلا أن من تقدم لخطبتها رفضته، مضيفا أن جوابها، كان ما نصه: “لا أريد أن أخرج من بؤس إلى آخر، تكيفت مع حالتي ولا قدرة لي على مزيد من البؤس”، ويقول إن المجتمع المحيط به دائما ما ينظر إليه نظرة دونية على الرغم من أنه ليس له ذنب في حالته، مشيرا في الوقت ذاته إلى عطف بعض الناس عليه وتعاطفهم مع حالته.

وعن كيفية معرفته بأن لا أهل له، يضيف علي لوكالة “يقين” أنه وعندما كان في العاشرة من عمره، استفسر من دار الايتام الذي يقيم فيه عن ذويه، إلا أنه وبعد أشهر أدرك ومن خلال حديث زملائه أنه “كريم نسب”، عثر عليه في ثمانينات القرن الماضي في منطقة الكاظمية، ورغم محاولاته المتكررة للعثور على خيط يوصله إلى أهله الحقيقيين، إلا أنه لم يفلح في ذلك.

شعور بالعزلة

قصص مؤلمة لـ”كرماء النسب” على الرغم من أنهم أبرياء من أي ذنب، إذ يقول طبيب نفسي يعمل في إحدى دور الأيتام في العاصمة بغداد في حديثه لوكالة “يقين” إن أكثر المشاكل التي يعانيها الأطفال والمراهقون في دور الأيتام، هو الشعور بأنهم “معزولون” عن المجتمع، إذ لا أقارب لهم يزورونهم، ولا يتمتعون بالأمان الأسري، مشيرا إلى أن ثقافة المجتمع ما زالت قاصرة تجاه كرماء النسب، إذ أنه وبسبب العادات والتقاليد التي يعيشها المجتمع العراقي، فإن نظرة المجتمع إلى كرماء النسب تكون دونية، حتى وإن لم يظهروا ذلك.

إلى ذلك فإن أستاذ الشريعة “سالم الحارث” يوضح في حديثه لوكالة “يقين” إن المجتمع العراقي وعلى الرغم من أنه مجتمع مسلم، إلا أنه وفي قضية كرماء النسب، لا زال يعتمد الأعراف والعادات، من دون الدين، رغم أن التشريع الاسلامي لا ينظر إلى الشخص وتقييمه إلا من خلال إيمانه، بغض النظر عن نسبه وحسبه.

“المجتمع العراقي وعلى الرغم من أنه مجتمع مسلم، إلا أنه وفي قضية كرماء النسب، لا زال يعتمد الأعراف والعادات

ويؤكد الحارث أن على وزارة الثقافة والدوائر المعنية والمساجد أن تثقف للتعامل الحسن مع كرماء النسب على اعتبار أنهم أناس عاديون، والذنب يقع على ذويهم لا عليهم، في الوقت الذي أوضح فيه أن ضبط المجتمع أخلاقيا، وتوفير فرص العمل ورفع المستوى المعاشي في البلاد، كفيل بأن يحد من هذه الظاهرة التي باتت معضلة في عراق اليوم.

قصة نجاح!

رغم القصص الأليمة التي قصها بعض كرماء النسب في معاناتهم مع المجتمع، إلا أنه تبرز قصص نجاح لبعض منهم، “م. س” من كرماء النسب، إذ نشأ وترعرع في بغداد في أحد دور الأيتام وتمكن قبل 12 عاما من إكمال دراسته في مجال التحليلات المرضية، بعدها حصل على وظيفة، حيث يقول في حديثه لوكالة “يقين” إنه ومن خلال عمله تعرف إلى إحدى الفتيات في العمل، وتقدم لخطبتها، وبعد شد وجذب مع أهلها، وافق أهل الفتاة على تزويج ابنتهم له، شريطة أن لا يقيموا في العاصمة بغداد.

ويضيف “م. س” أنه وبعد أن تم زواجهم، انتقل للعيش في مدينة السليمانية شمال شرق العراق، وحصل على عمل في مجال تخصصه، لافتا إلى أن زواجه وحصوله على أسرة، أنساه بعض المعاناة التي كابدها في عدم احتضانه من أسرته التي تخلت عنه.

معالجات مقترحة

وما بين قصص نجاح لكرماء نسب، وقصص مؤلمة لآخرين ما زالت معاناتهم مستمرة، يقترح بعض الأخصائيين في علم النفس الاجتماعي، أن تخصص الدولة أهمية أكبر لهذه الشريحة، ويقول اخصائي علم النفس الاكاديمي “حسان الطائي” في حديثه لوكالة “يقين” إن على الدولة أن تسلط مزيدا من الضوء على هذه الظاهرة، مع معالجة أسبابها المتمثلة بالفقر والعوز والعلاقات خارج إطار الزواج.

ويضيف الطائي أنه على وزارة الصحة والتربية بتنظيم ورشات تثقيفية مكثفة في المدارس والجامعات للتحذير من ظاهرة العلاقة غير الشرعية التي تكون خارج إطار الزواج، لتجنيب البلاد تزايد أعداد كرماء النسب، في الوقت الذي يجب فيه على وزارة الداخلية والقضاء، أن يشرع مزيدا من القوانين التي تحد من ظاهرة العلاقات خارج إطار الزواج، وتشديد الرقابة على دور القابلات في المنازل التي دائما ما يلجأ إليها أولئك الذين يتخلون عن اطفالهم بعيدا عن أعين السلطات.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات