الأحد 20 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » العراق بين احتلالين »

تزوير العقارات بالعراق.. أملاك تباع وتشترى من دون علم أصحابها

تزوير العقارات بالعراق.. أملاك تباع وتشترى من دون علم أصحابها

باتت عمليات التزوير في العراق منتشرة إلى الحد الذي باتت فيه الأجهزة القضائية عاجزة عن إيقافها، بعد أن باتت شبكات التزوير تستخدم الطرق القانونية للتزوير وسرقة المال العام والخاص.

وأخطر عمليات التزوير التي كثر عنها الحديث في العراق مؤخرًا هي عمليات بيع الأملاك الخاصة للعراقيين دون علمهم وبأثمان باهظة، السطور التالية تغوص في عمق عمليات التزوير وتكشف خيوط المزورين وطرقهم وكيف تتم عملياتهم وآلياتهم ومدى احترافيتهم.

بيع الأملاك دون علم أصحابها

“تزوير محترف بكل تفاصيله”، بهذه الكلمات يصف المحقق في محكمة الرصافة “سهام عادل” عمليات التزوير التي تجري في البلاد والتي تتم من خلالها سرقة الممتلكات الخاصة للعراقيين، إذ يصف عادل في حديثه لوكالة “يقين” الظاهرة بأنها خطيرة جدًا وأن المزورين باتوا محترفين إلى الدرجة التي لا يمكن فيها توجيه الاتهام لأحد، بسبب احترافية المزورين واستخدامهم وثائق رسمية غير مزيفة بالتعاون مع المحاكم والسفارات والقنصليات العراقية المنتشرة في العالم.

عادل أوضح أن محاكم بغداد سجلت خلال الشهور التسعة الماضية ما لا يقل عن 21 قضية رفعت إلى محاكم بغداد بشأن ممتلكات خاصة تم بيعها دون علم أصحابها، موضحًا أن جميع هذه الممتلكات هي لعراقيين مقيمين في الخارج تركوا البلاد منذ سنوات، إلا أنه وعند مراجعتهم لممتلكاتهم أو محاولة استصدار سندات حديثة لها يفاجؤون بأن الأرض أو الدار أو العقار التجاري قد تم بيعه باسمهم ودون علمهم، بحسب عادل.

أما الموظف في دائرة التسجيل العقاري التابعة لوزارة العدل في بغداد “سهيل عبد المنعم” أكد أن شكاوى عدة قدمت من مواطنين عراقيين مغتربين تفيد بأن ممتلكاتهم قد بيعت باسمهم، وأنهم قد أوكلوا محامين لبيعها قبل سنوات.

“باتت عمليات التزوير في العراق منتشرة إلى الحد الذي باتت فيه الأجهزة القضائية عاجزة عن إيقافها”

عبد المنعم أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أن عمليات التزوير والنصب وبيع الممتلكات غالبًا ما تكون لعقارات أصحابها قد هاجروا البلاد منذ سنوات، ولم يراجعوا دوائر التسجيل العقاري ولم يستحصلوا سندات قيد حديثة لممتلكاتهم، مشيرًا إلى أن دائرة التسجيل تفعل ما في وسعها لأجل إحباط أي عملية تزوير، ومنها أن دوائر التسجيل العقاري باتت تعتمد الوكالات الحديثة فقط والتي لم يمض عليها إلا عام واحد، مع شرط جلب سند ملكية حديث للعقار لا يتجاوز عمره العام الواحد أيضًا، مع طلب صحة صدور لكل وثيقة وشهود، إلا أنه يضيف أن عمليات التزوير مستمرة وبطرق قانونية، رافضًا الكشف عن مزيد من التفاصيل.

تزوير محترف

المغترب العراقي المسيحي في استراليا “ريفان نعوم” والذي تعرض وعائلته لعملية تزوير أفقدتهم دارهم في حي زيونة في بغداد، يقول في حديثه لوكالة “يقين” إنه وعائلته كانوا قد هاجروا العراق في عام 1998 متجهين إلى استراليا، مشيرًا إلى أنهم استأجروا بيتهم لعائلة من الحي حتى 6 سنوات مضت.

ويضيف أن الوضع الأمني الذي يعيشه العراق منذ عام 2003 والتهديدات والاغتيالات  التي طالت المسيحيين في العاصمة منعتهم من العودة، مشيرًا إلى أن جميع أقاربهم غادروا العاصمة منذ سنوات.

وعن عملية التزوير التي فقدوا جراءها منزلهم، أوضح نعوم أن والده قرر قبل شهور أن يبيع دارهم في حي زيونة بعد أن قرروا أنه لا مجال لعودتهم إلى العراق بسبب استمرار تدهور الوضع الأمني في البلاد، وأنه وعند مراجعة “ريفان” لدائرة التسجيل العقاري في بغداد لاستصدار سند حديث للدار المسجل باسم والده لأجل بيعه، تفاجأ بأن الدار ليس ملكًا لهم، وأن ملكيته قد انتقلت منذ أكثر من أربع سنوات لصالح شخص آخر، وأن عملية البيع والتنازل قد تمت وفق إجراءات رسمية بوكالة صادرة عن السفارة العراقية في استراليا مع جميع مستمسكات والده الحديثة والأصلية.

“محاكم بغداد سجلت خلال الشهور التسعة الماضية ما لا يقل عن 21 قضية”

ويضيف في ختام حديثه لوكالة “يقين” أن والده لم يجدد وثائقه الأصلية من السفارة حتى اللحظة، وأن جميع مراجعاتهم بين السفارة في استراليا ودائرة التسجيل العقاري لم تصل إلى شيء مثمر، إذ إن شبكة مجهولة استصدرت مستمسكات حديثة لوالدهم مع وكالة عامة مطلقة بيع من خلالها الدار دون علم والده، وأن القضاء عجز حتى اللحظة عن استرجاع حقهم، مشيرًا إلى تورط السفارة العراقية في استراليا في الأمر.

وفي صعيد ذي صلة، وفي الشأن ذاته، يقول الضابط في مديرية شرطة الرصافة “حمود الطائي” في حديثه لوكالة “يقين” إن مديريات الشرطة باتت تستقبل عشرات الشكاوى لحالات نصب واحتيال وتزوير لمستمسكات رسمية جرى من خلالها عمليات بيع ممتلكات وأراضي داخل العاصمة بغداد وفي أطرافها.

الطائي أوضح أن إحدى الشكاوى التي تم التحقيق فيها عن بيع دار في منطقة زيونة لرجل مسيجي مغترب عن العراق منذ 20 عامًا، لم تستطع فيه الأجهزة الحكومية إلقاء اللوم على الجناة، إذ إن عملية البيع والشراء تمت وفق وكالة رسمية صحيحة صادرة عن السفارة العراقية في استراليا، ومصحوبة بجميع المستمسكات الثبوتية الحديثة لصاحب العقار الأصلي.

“شكاوى عدة قدمت من مواطنين عراقيين مغتربين تفيد بأن ممتلكاتهم قد بيعت باسمهم”

وأضاف أن عمليات التحقيق والاستفسار من السفارة العراقية في استراليا أكدت صحة الوكالة، وأن عملية البيع صحيحة ولا غبار عليها، وبالتالي لم تستطع الأجهزة الحكومية فعل شيء حيال الأمر، خاصة أن عملية البيع مضى عليها قرابة الأربع سنوات، وأن الدار المباع في زيونة قد بيع بعد ذلك أكثر من مرة، وجرى هدم الدار وتحويله إلى عمارة تجارية، مشيرًا إلى أن القانون لم يستطع إثبات ملكية العقار لصاحبه الأصلي.

الفساد الدبلوماسي يسهل التزوير

وعن عمليات التزوير التي تتم من خلالها بيع أملاك المغتربين في العراق دون علمهم، يقول المحامي “عماد الدليمي” في حديثه لوكالة “يقين” إن عمليات التزوير وبيع الممتلكات في العراق تتم من خلال طريقتين اثنتين، وضحاياها نوعان من العراقيين.

إذ تتمثل الطريقة الأولى بحسب الدليمي، من خلال تزوير وكالات وسندات ملكية لعقارات في بغداد ومحافظات أخرى ضحاياها عراقيون كانوا مسؤولين في العراق قبل الاحتلال، وهجروا العاصمة أو البلاد بفعل تهديد الميليشيات، وأن عمليات البيع لممتلكاتهم غير صحيحة، إلا أن أصحابها لا يستطيعون المطالبة بحقهم، لأن من سرق ممتلكاتهم ميليشيات مرتبطة بأحزاب إسلامية حاكمة في العراق.

موضحا في حديثه أن استرجاع حقهم ليس بالأمر الصعب، في حال توفرت سلطة قضائية حقيقية بعيدة عن سطوة الأحزاب والميليشيات.

“عمليات التزوير في بيع الأملاك الخاصة بالمسيحيين باتت كثيرة”

ويشير الدليمي إلى النوع الثاني من عمليات التزوير التي تتم من خلالها علميات بيع الدور والأراضي والممتلكات لعراقيين غالبيتهم من المسيحيين والصابئة كانوا قد غادورا البلاد منذ الاحتلال الأمريكي، إذ يشير الدليمي إلى أن هؤلاء ضاع حقهم تمامًا، بسبب احترافية المزورين وتعاون السفارات العراقية مع المزورين.

وعن الطريقة التي تتم بها عمليات التزوير تلك، كشف الدليمي أنها تتم من خلال التثبت من صاحب العقار الأصلي والحصول على اسمه الكامل، ثم تعمد تلك الشبكات إلى استحصال وثائق ثبوتية له من خلال شخص آخر يدعي أنه هو ذات الشخص المسجل العقار باسمه، ثم تتم علمية استصدار وثائق رسمية وهويات وجواز سفر للشخص المزور، بعدها يوكل أحد المحامين أو الأشخاص بوكالة عامة مطلقة لبيع العقار.

ويلفت الدليمي إلى أن دوائر التسجيل العقاري في هذه الحالة تكون بعيدة إلى حد ما عن عملية التزوير، إذ إنها تطلب صحة صدور الوكالة من السفارة العراقية في الدولة التي صدرت عنها، ويأتي الرد إيجابًا، لتتم عملية البيع بصورة طبيعية.

“ما حدث في العاصمة بغداد من بيع ممتلكات عراقيين مغتربين تم بتواطؤ من السفارات العراقية”

وفي ختام حديثه لوكالة “يقين” أشار الدليمي إلى أن عملية البيع من خلال الطريقة الثانية لا غبار عليها قانونيًا، ولا يستطيع صاحب العقار الأصلي إثبات حقه بأي حال من الأحوال، خاصة إذا كان صاحب الدار قد توفي بعد عملية البيع، بحسبه.

إقرار حكومي بالتزوير

من جانبه أوضح أحد المستشارين في وزارة العدل والذي اشترط عدم الإفصاح عن هويته مقابل الحديث لوكالة “يقين” أن عمليات التزوير في بيع الأملاك الخاصة بالمسيحيين باتت كثيرة إلى الحد الذي بدأت فيه وزارة العدل تطبيق خطة جديدة للحد من التزوير في أملاك المسيحيين، وتتمثل في اشتراط حضور صاحب العلاقة حصرًا للتنازل عن داره للمشتري، ولا تقبل أي وكالة عنه مهما كان تاريخ إصدارها أو جهة الإصدار.

وأشار المستشار إلى أن هذه الخطة بدأ تطبيقها في محافظتي نينوى وصلاح الدين أولًا، وقد تعمم على جميع المحافظات العراقية لاحقًا، لافتًا إلى صعوبة تطبيق القرار على جميع العراقيين خاصة من المغتربين الذي لا يستطيعون الحضور إلى العراق للتنازل.

“استرجاع العقارات المباعة من خلال التزوير يمكن أن تسترجع قانونيًا، لكن ذلك يتطلب حكومة قوية وقضاء نزيهًا”

ولفت أيضًا إلى أن ما حدث في العاصمة بغداد من بيع ممتلكات عراقيين مغتربين تم بتواطؤ من السفارات العراقية وتقصير من وزارة الخارجية ذاتها، التي لم تتخذ أي إجراء رادع رغم  كثرة الشكاوى.

وزارة الخارجية اكتفت بالرد على هذه الاتهامات بالنفي الخجول، إذ يقول “مصطفى ياسين” الموظف في وزارة الخارجية والذي يعمل بدرجة ملحق دبلوماسي، إن الوزارة بكل سفاراتها وقنصلياتها تعمل بكل شفافية ولا يوجد لديها ما تخفيه، ولو كانت تلك الاتهامات الموجهة للدبلوماسية العراقية والمتعلقة بتسهيل عمليات تزوير وبيع ممتلكات لعراقيين مغتربين صحيحة، لاكتشف القضاء ذلك.

ياسين وفي حديثه لوكالة “يقين” أوضح أنه قد توجد بعض عمليات التلاعب والوكالات التي تمت عن طريق السفارات وتبين أنها غير دقيقة، إلا أنه وبحسب ياسين فإن السفارات تتعامل مع الأشخاص على أساس وثائقهم الثبوتية بعد تدقيقها، ولا علاقة للسفارة فيما إذا كانت تلك الوثائق قد تم الحصول عليها من خلال شرائها عن طريق جهات أخرى، على حد تعبيره.

إمكانية استرجاع العقارات

في ظل عمليات التزوير التي خسر العراقيون جراءها عشرات العقارات والتي تتجاوز قيمة بعضها المليون دولار، تبدو الإجابة عن إمكانية استرجاع تلك العقارات متفاوتة. الخبير القانوني في القانون الجنائي العراقي “فيصل الفهد” يقول خلال حديثه لوكالة “يقين” إن استرجاع تلك العقارات المباعة من خلال التزوير يمكن أن تسترجع قانونيًا، لكن ذلك يتطلب حكومة قوية وقضاء نزيهًا بعيدًا عن التأثيرات السلطوية والحزبية.

الفهد من جانبه أوضح أن استرجاع تلك العقارات يمكن أن يتم من خلال إجراء بسيط، يتم بموجبه استقبال شكاوى الذين بيعت عقاراتهم دون علمهم، وأن يتم التثبت من ملكية تلك العقارات اعتبارًا من تاريخ 9 أنيسان/ إبريل عام 2003 وهو تاريخ الغزو الأمريكي للبلاد، وأن يستدعى بعدها أصحاب العقارات الأصليين أو الوارثين في حال وفاتهم، ثم تجري عملية تدقيق لجميع المستمسكات التي تم من خلالها عملية البيع، بدءًا من تاريخ البيع ومقارنتها مع أماكن تواجد أصحاب العقارات الأصلية ومحلات إقاماتهم وختومات جوازاتهم العراقية أو الأجنبية المكتسبة.

وأشار إلى أن ذلك الإجراء كفيل باسترجاع الحقوق وملكيات العقارات، إلا أن الفهد وفي ختام حديثه أكد أن ذلك لن يتم في المدى المنظور، نظرًا للوضع السياسي المعقد الذي يعيشه العراق، وتسلط الميليشيات المرتبطة بالأحزاب الحاكمة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات