الجمعة 24 مايو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

المخدرات.. هل هي مؤامرة لتدمير المجتمع العراقي؟

المخدرات.. هل هي مؤامرة لتدمير المجتمع العراقي؟

لم يكن العراق يعرف المخدرات قبل الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، إلا أنه مع الأشهر الأولى للاحتلال، بدأت المخدرات تأخذ طريقها إلى الشباب العراقي، تحقيق لوكالة “يقين” يكشف ما خفي عن الشعب العراقي عن طرق تهريب المخدرات إلى العراق  وطرق توزيعها وانتشارها ودور الأجهزة الحكومية في ضبطها.

انتشار المخدرات

“صارت المخدرات كالمواد الغذائية في العراق، إذ إنها منتشرة بكثرة ويسهل الحصول عليها”، بهذه الكلمات يصف الأخصائي النفسي الدكتور “عبد الله اللامي” حال المخدرات في العراق.

اللامي الذي يعمل طبيبًا نفسيًا في مستشفى الناصرية التعليمي أوضح أن عدد المراجعين للمستشفى من المدمنين على المخدرات يصل إلى 30 مريضًا أسبوعيًا، وأن الأعداد في تصاعد مطرد.

ويصف اللامي وضع البلاد بعد عام 2003، بأنه أصبح وكرًا لتجار ومصنعي ومدمني المخدرات، وأن عدد المدمنين والمتعاطين للحبوب المخدرة وصل إلى أعداد هائلة، بحسبه.

من جهته أوضح الدكتور “سمير الصميدعي” الذي يعمل طبيبًا في مستشفى ابن النفيس للأمراض النفسية، أن إحصائية ميدانية تقريبية لعدد المدمنين في العراق، وكشفت عن أن من بين كل 10 عراقيين، هناك 3 أفراد مدمنين على المخدرات أو العقاقير المخدرة، مشيرًا إلى أن الإحصائية اعتمدت على عدد الحالات المرضية للإدمان التي سجلت في المستشفيات التخصصية في مختلف المحافظات العراقية باستثناء إقليم كردستان.

الصميدعي لفت في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن نسبة الإدمان على المخدرات باتت رائجة جدًا في محافظات الوسط والجنوب العراقي، وتتركز في محافظات البصرة والناصرية والمثنى وميسان، بحسبه.

طرق تهريب متعددة

“من بين كل 10 عراقيين، هناك 3 أفراد مدمنين على المخدرات أو العقاقير المخدرة”

تتنوع طرق إدخال المخدرات إلى العراق، وتنقسم إلى ثلاث طرق، بحسب الموظف في مكتب الأمم المتحدة في العراق والذي عرّف عن نفسه بـ (أ.م)، إذ يقول الموظف في حديثه لوكالة “يقين” أن هناك ثلاث ممرات لدخول المخدرات الى العراق، مبينًا أن الطريق الأول وهو الأصعب يكون عن طريق المطارات، وبات قليل الاستخدام بسبب الأجهزة الالكترونية الحديثة الكاشفة للمواد المخدرة والتي دخلت الخدمة في العراق منذ عامين.

الموظف الذي اشترط عدم الإفصاح عن اسمه، كونه يعمل في منظمة أممية وغير مخول بالحديث لوسائل الإعلام، كشف عن أن الطريقين الآخرين باتا المصدر الأساس للمخدرات في العراق.

ولفت أيضًا إلى أن أحدهما يتمثل في الحدود الشرقية للعراق مع إيران وطول الحدود وعدم ضبطها، مبينًا أن كميات كبيرة من المخدرات تدخل العراق، إما عن طريق التهريب بعيدًا عن المنافذ الرسمية، أو عن طريق شاحنات البضائع التي تخبئ المخدرات فيها.

وأشار الموظف ذاته إلى أن هذا الطريق تستخدمه مافيات المخدرات الإيرانية والأفغانية، ويشكل وفق دراسة الأمم المتحدة ما نسبته 65% من كميات المخدرات الداخلة للعراق.

“نسبة الإدمان على المخدرات باتت رائجة جدًا في محافظات الوسط والجنوب العراقي”

أما الطريق الثالث الذي تدخل المخدرات من خلاله إلى العراق، فعن طريق الموانئ العراقية في محافظة البصرة، إذ بحسب الموظف في مكتب الأمم المتحدة، فإن هذا الطريق تستخدمه عصابات ومافيات المخدرات من البلدان الآسيوية.

العراق محطة استهلاك

ويقول الخبير الأمني العراقي “حسن العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إن السنوات الأولى للاحتلال كان العراق خلالها ممر ترانزيت للمخدرات دون التركيز كثيرًا على ترويجها محليًا، إلا أن السنوات الماضية بات العراق فيها محطة استهلاك وتوزيع للمخدرات إلى دول الجوار ودول الخليج.

وعن سهولة إدخال المخدرات إلى العراق، أوضح العبيدي أنه ما كان لتجار المخدرات أن يتمكنوا من إدخال كميات كبيرة من المواد المخدرة لولا وجود تعاون كبير من بعض أفراد السلطات التنفيذية الجمركية والأمنية المنوط بها مسك المنافذ الحدودية.

ولفت إلى أنه على الرغم من أن القوات الحكومية تلقي القبض يوميًا على تجار وموزعين للمخدرات إلا أن عدد من يلقى القبض عليهم، لا يشكلون إلا جزءًا يسيرًا من منظومة متكاملة تتاجر بالمواد المخدرة، وأن مسك التجار الصغار لا يحل القضية ما لم تفعل وحدة متكاملة لمكافحة المخدرات في البلاد أسوة ببقية دول العالم، بحسب العبيدي.

الداخلية: نتابع الملف

الضابط في شعبة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية العراقية “عادل عبد الحسين” كشف من جانبه لوكالة “يقين” عن أن العراق ألقى القبض خلال العامين الماضيين على أكثر من 1780 شخصًا كانوا يروجون للمخدرات في عموم المحافظات العراقية، وأن بعضهم ضبط بحوزتهم كميات كبيرة من المخدرات تنوعت ما بين مخدرات الكرستال الأبيض والحشيشة والأفيون وكمية من مخدر الكبتاجون شديدة الفعالية، بحسبه.

عبد الحسين كشف عن أن جهود وزارة الداخلية قائمة على قدم وساق، وأن مديريات الاستخبارات تولي اهتمامًا كبيرًا لتجارة المخدرات، بعد أن سجلت البلاد أعدادًا كبيرة من المتعاطين للمواد المخدرة.

“نسبة الإقبال على العقاقير المخدرة في العراق وصل إلى مستوى قياسي”

وعن السبل التي تتبعها وزارة الداخلية في سبيل الكشف عن المخدرات، أوضح عبد الحسين أن وزارة الداخلية زودت مديريات الشرطة في غالبية المحافظات بأجهزة تقنية للكشف عن عدد من أنواع المواد المخدرة السائلة والصلبة، فضلًا عن تدريب عشرات الكلاب البوليسية المختصة بالكشف عن المخدرات.

وأوضح أن هذه الطرق أثبتت فعاليتها في المنافذ الحدودية وفي عمليات الدهم والتفتيش، وأن الوزارة ماضية في تدريب كوادر فنية متخصصة من الشرطة والاستخبارات في الكشف عن المخدرات في البلاد والقبض على التجار والمروجين، بحسب عبد الحسين.

المراهقون.. هدف تجار المخدرات

بعد أن كان العراق في سنوات الاحتلال الأولى معبرًا وممرًا للمخدرات ونقلها إلى دول أخرى، بات في السنوات القليلة الماضية، مستهلكًا وبكميات كبيرة، بحسب الدكتور الصيدلاني “نزار مضر” الذي كشف لوكالة “يقين” أن نسبة الإقبال على العقاقير المخدرة في العراق وصل إلى مستوى قياسي، موضحًا أنه على الرغم من أن تعليمات وزارة الصحة تمنع صرف الأدوية المخدرة إلا بوصفة طبية، إلا أن كثيرًا من هذه العقاقير يتسرب إلى الشباب من خلال العلاقات وأصحاب المذاخر المشبوهة والمروجين.

ويقول المشرف التربوي من مدينة الناصرية “ذياب عبد المهدي” إنه على الرغم من أن ظاهرة تعاطي المخدرات تعد مشكلة كبيرة في المجتمع العراقي، إلا أنها أكثر خطورة على المراهقين وطلاب المدارس والجامعات، الذين باتوا أهدافًا سهلة للمروجين والتجار، بحسبه.

الحكومات التي أعقبت الاحتلال ساهمت بشكل كبير في تسهيل انتشار المخدرات في العراق”

عبد المهدي أشار في حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه من خلال عمله في الإشراف التربوي، رصدت دائرته حالات كثيرة لتعاطي طلاب المدارس أنواعًا معينة من العقاقير الطبية المخدرة (الأقراص الطبية) إضافة إلى رصد عدد من الطلاب تبين أنهم مدمنون على نوع معين من المخدرات.

وعن الطريقة التي تصل فيها المخدرات إلى طلاب المدارس، أوضح المشرف التربوي أن أول حالة رصدت وعلمت بها دائرة الإشراف كانت قبل أكثر من عامين، عندما ألقت القوات الحكومية على أحد مروجي المخدرات، وقادت تحقيقات الشرطة آنذاك إلى القبض على أحد أصحاب محال المأكولات قرب إحدى المدارس الإعدادية وسط الناصرية، بعدها تبين أن عددًا من الطلاب باتوا مدمنين على المخدرات من خلال من تم قُبض عليه.

المخدرات تفتك بالفقراء

من جهته يقول ضابط شرطة مسؤول في مدينة الصدر شرق بغداد فضل عدم الكشف عن هويته مقابل الحديث إن تعاطي المخدرات في مدينة الصدر والشعلة والأحياء الفقيرة في العاصمة بغداد بات رائجًا خاصة بين الشباب وطلاب المدارس، موضحًا أن طرقًا خبيثة بات يستخدمها المروجون.

وكشف المصدر لوكالة “يقين” عن أن إحدى الطرق التي وصفها بالخبيثة تكون من خلال خلط المخدرات مع الأراجيل التي تقدم في المقاهي الشعبية بأسعار زهيدة، وبعد فترة يصبح المدخنون للأراجيل بحاجة يومية إلى القدوم إلى هذا المقهى، وهنا يكون الضحية قد وقع في فخ هؤلاء، بحسبه.

“العراق وبعد أن كان يضرب به المثل في ندرة المتعاطين للمخدرات فيه، بات الآن أحد أهم دول الترانزيت والاستهلاك للمواد المخدرة

وعن الإجراءات الأمنية المتخذة من قبل الأجهزة الحكومية، أوضح المصدر أنه يتم يوميًا القبض على كثير من هؤلاء، لكن بحسب المصدر فإنه ما لم يُقضَ على رأس الأفعى، فلن يكون هناك حل دائم لمشكلة الإدمان، مشيرًا إلى أن بعض المروجين هم أعضاء في ميليشيات وأحزاب حاكمة ولا تستطيع الأجهزة الأمنية التقرب منهم، بحسب ما أكد عليه المصدر.

خبراء: القانون ضعيف

يقول الخبير القانوني “غالب عماد” إن الحكومات التي أعقبت الاحتلال ساهمت بشكل كبير في تسهيل انتشار المخدرات في العراق، مشيرًا إلى ضعف القوانين الجزائية المختصة بمكافحة المخدرات في البلاد.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أنه في الفترة التي سبقت الغزو الأمريكي للبلاد كان من النادر أن يطرح أمام القضاء قضايا تختص بالمخدرات أو المتاجرة بها، نظرًا للقانون الجزائي المعتمد آنذاك والذي كان يوقع عقوبة الإعدام بحق كل من يتاجر أو يروج للمخدرات مهما كانت كمية المواد المخدرة صغيرة أم كبيرة.

قانون رادع استبدل بآخر هزيل، بحسب المستشار القانوني “غالب عماد” الذي أوضح أن القانون الجزائي الحالي المختص بالمخدرات، لا تتجاوز أقصى مدة محكومية فيه 15 عامًا فقط، مشيرًا إلى أن العقوبة تنخفض في بعض حالات المتاجرة بالكميات الصغيرة إلى ستة شهور فقط.

ويرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور “جلال رياض” أنه في حال أردت أن تهدم بلدًا، فعليك بنشر الكحول والمخدرات والدعارة بين أبنائه، وهذا ما يحدث في العراق الآن.

“أباطرة السياسة في عراق اليوم باتوا متورطين في تسهيل رواج المخدرات في العراق”

ولفت رياض في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن العراق وبعد أن كان يضرب به المثل في ندرة المتعاطين للمخدرات فيه، بات الآن أحد أهم دول الترانزيت والاستهلاك للمواد المخدرة.

وعن تأثير المخدرات في الشباب، وكيف يتحول الشخص في مدة قصيرة إلى مدمن، أوضح رياض أن أسبابًا عدة شخصتها دراسات نفسية تودي بالشخص إلى أن يكون متعاطيًا للكحول أو المخدرات، ومن بينها الفقر والبطالة وسوء أوضاع البلاد والحروب، وانعدام الأمل.

ولفت رياض إلى أن دولًا عديدة مرت بالحالة التي يعيشها العراق الآن فيما يخص المخدرات، ومن بينها يوغسلافيا السابقة، وتسيوكسلوفاكيا السابقة، وفنزويلا حاليًا، بحسبه.

مؤامرة خطيرة!

“جميع الكتل السياسية شريكة ومستفيدة من رواج المخدرات في البلاد”

مؤامرة يعاني منها العراق، وخاصة في مجال المخدرات، بحسب المحلل السياسي العراقي “أحمد سامي” إذ يقول في حديثه لوكالة “يقين” إن أباطرة السياسة في عراق اليوم باتوا متورطين في تسهيل رواج المخدرات في العراق، وإنه من غير المعقول ألا تتمكن الأجهزة الأمنية من مكافحة المخدرات، في الوقت الذي تلقي فيه هذه الأجهزة يوميًا على عدد من التجار والمروجين لها.

سامي أوضح أن تجارة المخدرات في جميع دول العالم لا تنتشر، ما لم يكن هناك دعم كبير لها من بعض المسؤولين في الدولة، مشيرًا إلى أن مؤامرة كبيرة تجري على العراق، وأولى علاماتها أن لا أحد من السياسيين يسعى إلى تعديل القانون الجزائي المختص بالمخدرات، بحسبه.

وأوضح سامي في ختام حديثه لوكالة “يقين” أن جميع الكتل السياسية شريكة ومستفيدة من رواج المخدرات في البلاد، وخاصة في المحافظات الوسطى والجنوبية، إذ إن هذه الكتل تستفيد من ذلك من خلال تحييد الشباب العراقي عن المطالبة بحقوقه الضائعة بين سياسيين أمعنوا في سرقة ثروات البلاد طيلة الخمسة عشر سنة الماضية، بحسب تعبيره.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات