الإثنين 19 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

الدكات العشائرية في العراق.. كيف تتحدى القانون؟

الدكات العشائرية في العراق.. كيف تتحدى القانون؟

تعرف الدكة العشائرية في المجتمع العراقي على أنها ظاهرة إقدام مسلحين ينتمون لعشيرة على تهديد عائلة من عشيرة أخرى، من خلال عملية إطلاق نار أو إلقاء قنبلة يدوية على منزل الخصم، كتحذير شديد اللهجة لدفع عشيرة الخصم على الجلوس والتفاوض لتسوية الخلاف، وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف على شروط العشيرة الأخرى، تتطور الأمور لتؤدي إلى نزاع مسلح غالبًا ما يذهب ضحيته مدنيون أبرياء بين قتيل وجريح.

في السطور التالية، تحقيق موسع لوكالة “يقين” يكشف ظاهرة الدكات العشائرية وكيف بدأت في العراق ومتى؟ وكيف استفحل انتشار الظاهرة في السنوات الماضية؟

“ظاهرة الدكات العشائرية باتت مرضًا تعاني منه الدولة العراقية”

“عمار اللامي” أحد المتضررين من الدكات العشائرية، إذ تسببت إحدى الدكات العشائرية في منطقة الطالبية في بغداد بإصابة أحد أبنائه في الرأس، وأن ابنه “وليد” ما زال يعاني من صعوبة في الحركة والنطق بسبب إصابته برصاصة طائشة في  رأسه.

إذ كشف اللامي في حديثه لوكالة “يقين” عن أن ابنه أصيب برصاصة طائشة أثناء قيام مجموعة من مسلحي العشائر في منطقة الطالبية في بغداد في شهر آذار/ مارس الماضي بدكة عشائرية ضد أحد خصومهم.

ونتيجة لكثافة الإطلاقات النارية ومجاورته لبيت الشخص الذي نفذت ضده الدكة العشائرية، فإن ابنه أصيب بإطلاقة اخترقت إحدى نوافذ بيته وأصابت ابنه “وليد”، وإنه أجرى أكثر من 3 عمليات جراحية لابنه، إلا أنه لا يزال يعاني من صعوبة في الحركة والنطق، بحسبه.

مفهوم الدكة العشائرية

يقول أحد شيوخ عشيرة الحمدانيين “ياسر الحمداني” إن مفهوم الدكة العشائرية قديم جدًا، وأنه بدأ منذ مئات السنين ولو أنه كان بمسميات أخرى.

وكشف الحمداني في حديثه لوكالة “يقين” عن أن الظاهرة هي نزعة قبلية قديمة من أيام الجاهلية، تظهر وتختفي من حين لآخر حسب الظروف الأمنية والسياسية التي يمر بها العراق.

وعن مفهوم الدكة العشائرية في العراق في العصر الحديث، أوضح عن أن هذه الظاهرة بشكلها الحالي بدأت حديثًا في العراق مع بداية الاحتلال الإنجليزي للعراق، وتحول البلاد من سلطة الدولة العثمانية إلى سلطة الانتداب البريطاني.

مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة ما لبثت أن تراجعت وتيرتها مع ازدياد قوة الدولة في أواسط العهد الملكي وأحكام الدولة سيطرتها على مختلف مناطق البلاد.

“ظاهرة الدكات العشائرية باتت مستفحلة في المحافظات العراقية وخاصة الوسطى والجنوبية”

وعن عودة هذه الظاهرة مجددًا بين عشائر العراق، أكد الحمداني على أن هذه الظاهرة برزت إلى واجهة الأحداث منذ عشر سنوات تقريبًا مع تراجع قوة الدولة واضمحلالها إلى الحد الذي باتت الأجهزة الأمنية فيها لا تستطيع فرض القانون، بسبب انتشار السلاح بأنواعه كافة بين شرائح المجتمع وجمعه من قبل العشائر لحماية أنفسها.

هذه الظاهرة باتت تتكرر في مناطق ومحافظات مختلفة من البلاد، إذ يضيف الحمداني عن تحول مفهوم الدكة العشائرية إلى إنذار بالذخيرة الحية لمواطن لديه نزاع مع مواطن آخر سرعان ما يتحول إلى قضية بين عشيرتين، ومن أجل إنذار الشخص المعني “الخصم” أن عليه تهيئة نفسه وزعماء عشيرته لـ “فصل عشائري” يبلغ ملايين الدنانير، فإن مجموعة من الشباب يأتون ليلًا أو نهارًا إلى منزل الخصم ويمطرونه بوابل من الرصاص في أماكن مختلفة من سياج منزله ومحيطه.

“ظاهرة الدكات العشائرية باتت من أكثر الظواهر التي تزعزع أمن البصرة”

ولفت الحمداني إلى أن المفهوم المعمول به في الدكة العشائرية في الوقت الحالي، يتمثل في أن الإطلاقات النارية ينبغي ألا تصيب أي شخص في البيت المستهدف، إذ إن إصابة المستهدف أو أحد أفراد عائلته بجروح، يعني فصلًا عشائريًا جديدًا ودكة عشائرية أخرى، بحسبه.

وختم الحمداني حديثه لوكالتنا بالقول إن الدكات العشائرية تختلف من منطقة إلى أخرى، وإنه على الرغم من أن مفهومها واحد، إلا أن طرقها تختلف من عشيرة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى، لافتًا إلى أن استخدام السلاح في الدكات العشائرية حولها إلى أفعال إجرامية لا تتسق مع الحداثة التي شهدها المجتمع العراقي خلال القرن الماضي.

دولة ضعيفة

أستاذ علم الاجتماع “مؤيد المولى” أوضح أن ظاهرة الدكات العشائرية باتت مرضًا تعاني منه الدولة العراقية، وإن أحد أهم أسباب استفحالها هو ضعف الدولة، واحتماء المواطنين بالعشيرة بدل الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية.

وأضاف المولى في حديثه لوكالة “يقين” عن أن قوة القبيلة وقوة الدولة، تتسم ببعد أو تناسب عكسي، فمتى ما كانت الدولة قوية ولها هيبتها بين أفراد المجتمع، فإن دور العشائر يتراجع ويذوب، والعكس صحيح، فمتى ما كانت الدولة ضعيفة ولا تستطيع فرض القانون، فإن المجتمع يشهد عودة دور القبيلة أو العشيرة وما يصاحبها من مشاكل.

“عام 2018 شهد ما لا يقل عن 100 دكة عشائرية في مختلف مناطق المحافظة”

وكشف المولى عن أن ظاهرة الدكات العشائرية في السابق كانت محصورة في القرى والبلدات النائية البعيدة عن مراكز المدن والمحافظات، إلا أن نزوح أبناء الريف إلى المدن منذ 3 عقود، أدى إلى ظهور الدكات العشائرية داخل المدن الكبيرة، مشيرًا إلى أن الظاهرة لن تتراجع ما لم تفرض الدولة هيبتها على الجميع.

أما الشيخ “ناصر الخزرجي” من محافظة البصرة، فأكد في حديثه لوكالة “يقين” على أن ظاهرة الدكات العشائرية هي ظاهرة مفاخرة بين العشائر، وإنها تطورت عبر الزمن من مفهوم تدريب أبناء العشائر والقبائل على الفروسية والرماية والسباحة والشجاعة، إلى مفهوم استخدام السلاح ضد الخصوم.

لكن الخزرجي رفض من جانبه مقارنة الدكات العشائرية بالأعمال “الإرهابية”، إذ إنه وبحسب الخزرجي فإن الدكات العشائرية في العراق، لا تستوجب محاربتها بالطريقة التي أقرته الحكومة مؤخرًا واعتبارها إرهابًا، إذ كان يمكن للحكومة أن تحاسب المشاركين في إطلاق النار في الدكات العشائرية فقط دون بقية المشاركين الذين لا يستخدمون السلاح ومحاسبة العشيرة بأكملها، الذي يتسبب بتلويث سمعة العشائر.

استخدام مختلف الأسلحة

المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء “سعد معن” كشف عن أن ظاهرة الدكات العشائرية باتت مستفحلة في المحافظات العراقية وخاصة الوسطى والجنوبية، وأن السبيل الوحيد لمنعها أو الحد منها هو اتخاذ قرارات قضائية وتنفيذها بحق المشاركين بها.

وأضاف معن في حديثه لوكالة “يقين” أن استخدام العشائر للسلاح في حل نزاعاتها بات أمرًا غير مسموح به مطلقًا، مع تشريع قانون يعتبرها إرهابًا، بعد أن أقدمت بعض العشائر على زعزعة الأمن العام في البلاد واستخدام مختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة في حل النزاعات.

“غالبية العشائر تملك أسلحة ثقيلة ومتوسطة وعربات دفع رباعي”

من جانبه يقول الضابط في مديرية شرطة محافظة البصرة “حيدر المياحي” في حديثه لوكالة “يقين” إن عام 2018 شهد ما لا يقل عن 100 دكة عشائرية في مختلف مناطق المحافظة.

وكشف المياحي أن ظاهرة الدكات العشائرية باتت من أكثر الظواهر التي تزعزع أمن البصرة، لافتًا إلى أن معارك طاحنة تنشب بين العشائر داخل مركز المدينة وفي أطرافها بمعدل لا يقل عن دكة عشائرية واحدة كل أسبوع.

المياحي أضاف في حديثه أن لمسلحي العشائر في البصرة قوة تسليحية كبيرة، وأن غالبية العشائر تملك أسلحة ثقيلة ومتوسطة وعربات دفع رباعي، مجهزة بتسليح كامل، مضيفًا أن بعض مقاتلي العشائر باتوا يستخدمون الدروع الواقية للرصاص وأجهزة الاتصال اللاسلكي “هوكي توكي” في عملياتهم.

وعن دور مديرية شرطة البصرة في الحد من هذه الظاهرة والقبض على المشاركين فيها، أكد المياحي على أنه لا قوة وسلطة لمديرية شرطة المدينة على مواجهة هذه الظاهرة، إذ إن قيادة عمليات البصرة التي تضم فرقًا عسكرية مجهزة بالدبابات والعربات المجنزرة لم تستطع السيطرة أو الحد من هذه الظاهرة، بحسبه.

“عدد الدكات العشائرية التي شهدتها العاصمة بغداد بلغ 741 دكة عشائرية في الأعوام 2016 و2017 و2018″

ولفت الضابط في شرطة البصرة إلى أن علاج هذه الظاهرة يكمن في المنطقة الخضراء، من خلال اتخاذ قرار سياسي رادع يترجم إلى قرار أمني تتبرأ فيه جميع الكتل والشخصيات السياسية المحسوبة على العشائر من الأشخاص الذي يشاركون في هذه الدكات العشائرية.

وتابع في حديثه لوكالة “يقين” أن منتسبي شرطة البصرة يخشون من الاشتباك مع مقاتلي العشائر، خوفًا من تحول الاشتباك إلى دكة عشائرية بين عشيرة الشرطي وعشيرة الطرف الآخر، كاشفًا عن أن 13 دكة عشائرية سقط فيها 9 منتسبين من شرطة البصرة ما بين قتيل وجريح عام 2018.

أرقام صادمة

أرقام قياسية تلك التي سجلتها العاصمة بغداد في عدد الدكات العشائرية خلال السنوات الثلاثة الماضية، إذ كشف مصدر في وزارة الداخلية اشترط عدم الكشف عن هويته مقابل الحديث لوكالة “يقين” عن أن عدد الدكات العشارية التي شهدتها العاصمة بغداد في مختلف أحيائها وأقضيتها والبلدات التابعة لها بلغ 741 دكة عشائرية في الأعوام 2016 و2017 و2018.

وأضاف المصدر الذي أوضح أنه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام، أن مجمل تلك الدكات العشائرية أدت إلى مقتل 12 شخصًا وجرح 76 آخرين، لافتًا إلى أن الأسلحة التي استخدمت فيها هي رشاشات كلاشنكوف وبي كي سي وجي سي وقاذفات RBG وقنابل يدوية ومسدسات.

شيوخ العشائر هم من يأمرون أبناءهم بالخروج للمشاركة في هذه الظاهرة”

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية باتت تضيق ذرعًا بهذه الدكات العشائرية، وإن اعتبارها إرهابًا في الوقت الحاضر لا يكفي، ما لم تتم مقاضاة المشاركين بها بأقصى العقوبات، كاشفًا عن أن السلطة التشريعية في البلاد والحكومة المركزية عليها أن تشرع قوانين رادعة لا محاباة فيها لأي شخص.

تختلف الأوضاع في المحافظات الشمالية عن محافظات الوسط والجنوب، إذ إنه على الرغم من تسجيل المحافظات الوسطى والجنوبية الغالبية العظمى في عدد الدكات العشائرية، إلا أن محافظة نينوى لم تشهد أي دكة عشائرية خلال عام 2018، بحسب الضابط في مديرية مكافحة إجرام نينوى “معن العبادي”.

وفي حديثه لوكالة “يقين” أكد العبادي على أن عشائر محافظة نينوى لا تعتمد مفهوم العنف في الفصل العشائري، وأرجع سبب ذلك إلى أن المحافظة شهدت حربًا ضروسًا على مدى أربع سنوات، أدت إلى مقتل وجرح الآلاف، وبالتالي باتت مسألة استخدام السلاح في حل النزاعات العشائرية، من الممنوعات بين عشائر نينوى.

ويؤكد كلام العبادي، ما تحدث به أحد مشايخ عشيرة الحديديين في الموصل “إبراهيم الحديدي” الذي أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أن سكان محافظة نينوى وعشائرها قد أشبعوا من المعارك والحروب على مدى السنوات الماضية، وأن شيوخ العشائر في المحافظة يتميزون بالعقلانية في فض نزاعاتهم دون اللجوء إلى السلاح.

ويشير إلى أن الوضع الأمني في محافظة نينوى وخروجها من حرب مدمرة، يجعل من أي عشيرة تحاول استخدام السلاح في فض نزاعاتها تفكر مائة مرة، قبل الإقدام على فعل كهذا، بحسب الحديدي.

العشائر تتحدى القوانين!

بعد مئات الدكات العشائرية التي ذهب ضحيتها عشرات الأبرياء بين قتيل وجريح، وجه مجلس القضاء الأعلى بالتعامل مع الدكات العشائرية في العراق وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب.

إذ أعلن المتحدث باسم مجلس القضاء الأعلى “عبد الستار بيرقدار” في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي في بيان صحفي اطلعت عليه وكالة “يقين” أن مجلس القضاء الأعلى وجه بالتعامل مع ظاهرة الدكات العشائرية وفق أحكام المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب النافذ.

ويعتقد الخبير الأمني “رياض الزبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” أن القرار الذي اتخذه مجلس القضاء الأعلى في اعتبار الدكات العشائرية إرهابًا، خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه ما زال بحاجة إلى تهذيب وتطبيق على أرض الواقع.

أحزاب السلطة التي سيطرت على الحكم منذ عام 2003 تعمل على تقوية نفوذها وسطوتها من خلال إطلاق عشائرها وتقويتها”

وأشار الزبيدي إلى أنه ما لم تتخذ السلطات التنفيذية إجراءات رادعة بحق المشاركين في الدكات العشائرية، فإن الظاهرة ستستفحل مجددًا بعد مدة قد لا تطول.

وبين أن القرار كان ينبغي أن يحاسب شيوخ العشائر التي يخرج أبناؤها ويشاركون في الدكات العشائرية، إذ إن القرار جاء لمحاسبة المشاركين فقط دون شيوخ العشائر.

وكشف الزبيدي عن أن شيوخ العشائر هم من يأمرون أبناءهم بالخروج للمشاركة في هذه الظاهرة، وبالتالي فإن محاسبة رأس العشيرة يضمن عدم عودته في أمر رجال عشيرته وشبابها على المشاركة في هذه الظاهرة.

وفي ختام حديثه أشار الخبير الأمني إلى أن القانون لن يردع هذه الظاهرة، مؤكدًا على أنه حتى لو تراجعت وتيرتها مؤقتًا، فإنها ستستفحل من جديد، عازيًا ذلك إلى أن أحزاب السلطة التي سيطرت على الحكم منذ عام 2003 تعمل على تقوية نفوذها وسطوتها من خلال إطلاق عشائرها وتقويتها، في مجتمع باتت العشيرة فيه هي السلطة الحامية والمدافعة عن أبنائها، في ظل ضعف الحكومة وأجهزتها الأمنية والسياسية، بحسب الزبيدي.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات