الجمعة 24 مايو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمات الاقتصاد العراقي »

كيف يتم تهريب النفط العراقي إلى إيران؟

كيف يتم تهريب النفط العراقي إلى إيران؟

تعج وسائل الإعلام العراقية والدولية بأخبار تتناقلها عن تهريب النفط العراقي إلى الخارج، وخاصة إلى إيران، إذ تشير التقارير إلى تهريب الميليشيات كميات كبيرة من النفط إلى ايران منذ بدء سريان العقوبات الأمريكية على طهران قبل أشهر.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يكشف عن حيثيات عمليات تهريب ممنهجة للنفط العراقي والطرق التي يتبعها المهربون في تهريب النفط وبيعه وتسويقه.

العراق والنفط المنهوب

تستمر عمليات تهريب النفط العراقي إلى دول الجوار بكميات كبيرة وتزداد اطرادًا شهريًا، بحسب مسؤول رفيع في وزارة النفط العراقية متحدثًا لوكالة “يقين”.

إذ يكشف المصدر عن أن الشهور الستة الماضية شهدت تهريب كميات هائلة من النفط من محافظتي صلاح الدين ونينوى إلى إيران، بما يصل إلى نحو 23 ألف برميل يوميًا.

المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أوضح أن النفط المهرب يستخرج من حقول عجيل وعلاس وطوزخورماتو في محافظة صلاح الدين ومن حقول القيارة في محافظة نينوى.

وعلى الرغم من التعتيم الحكومي ونفي المتحدث باسم وزارة النفط في أكثر من مناسبة الأخبار المتداولة عن تهريب النفط، إلا أن المصدر يؤكد على أن وزارة النفط لديها اطلاع كامل على عمليات التهريب والأساليب المتبعة، كاشفًا عن أن الوزارة لا تستطيع البوح علانية بالأمر لخطورة الأوضاع الأمنية على المسؤولين في الوزارة.

ويشير المصدر في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن العراق خسر جراء عمليات التهريب ما يقرب من 2 مليار دولار خلال الـ 18 شهرًا الماضية، لافتًا إلى أن عمليات التهريب تتم من خلال بعض الميليشيات التابعة للحشد الشعبي في صلاح الدين ونينوى، وأن هذه الميليشيات بدأت أولى محاولاتها في تهريب النفط منذ استعادة القوات الأمنية السيطرة على المحافظتين من مقاتلي تنظيم الدولة (داعش).

من وراء التهريب؟

“تستمر عمليات تهريب النفط العراقي إلى دول الجوار بكميات كبيرة وتزداد اطرادًا شهريًا”

ميليشيات عديدة تقف وراء عمليات التهريب بحسب الموظف في وزارة النفط “محمد ميثم” الذي كشف عن أن ميليشيات كتائب الإمام علي والنجباء تسيطر على الحقول النفطية في ناحية القيارة (50 كيلومترًا جنوب الموصل) فيما تسيطر ميليشيات العصائب وبدر وحزب الله والخراساني على حقول عجيل وعلاس وطوزخومرماتو في محافظة صلاح الدين شمالي بغداد.

ميثم وفي حديثه لوكالة “يقين” كشف عن أنه حصل معلومات من عدة مصادر في الحقول النفطية، تؤكد على أن النفط المهرب من نينوى وصلاح الدين يذهب إلى إيران عبر محافظة ديالى المتاخمة للحدود العراقية الإيرانية شرقي البلاد.

وأكد الموظف في وزارة النفط على أن عمليات التهريب تتم عبر ناقلات نفطية تعمل لصالح الميليشيات وتتخذ من الطرق النيسمية والليل غطاء لعمليات التهريب.

طرق التهريب إلى إيران

أخبار يؤكد بعضها بعضًا عن أن النفط العراقي من محافظة نينوى يهرب بطرق عدة إلى دول الجوار وخاصة إيران، إذ كشف النائب عن محافظة نينوى “حسن العلو الجبوري” في بيان صحفي اطلعت عليه وكالة “يقين” عن أن حوالي 100 صهريج من النفط الخام يهرب يومياً من المحافظة من آبار نفط القيارة جنوب الموصل.

“الحكومة العراقية والوزارات الأمنية في بغداد لديها ملف كامل عن تهريب النفط من نينوى”

الجبوري أكد في بيانه على أن الأموال التي تجنيها الجهات المهربة للنفط كفيلة بإعادة إعمار محافظة نينوى ومدنها التي باتت مدمرة، وكان يمكن لتلك الأموال أن تسهم في إعادة إعمار المحافظة وتوفير فرص عمل لآلاف الشباب العاطلين.

وكشف الجبوري في بيانه عن أن قيادة عمليات نينوى التي يقودها اللواء “نجم الجبوري” حاولت إرسال قوات عسكرية إلى آبار النفط في القيارة (خاصة حقول النجمة) من أجل إيقاف عمليات التهريب، لكنها لم تحقق هدفها بسبب نفوذ الجهات المهربة وسطوتها العسكرية، مؤكدًا في الوقت ذاته على أن عمليات تهريب النفط من المحافظة مستمرة منذ استعادة السيطرة على المحافظة.

“كمية النفط المهرب سنويًا تقدر بـ 2.5 مليون برميل”

وللتثبت من الأمر، أكد المقدم في قيادة عمليات نينوى “سيف الحمداني” في حديثه لوكالة “يقين” على أن عمليات تهريب النفط من حقول القيارة في محافظة نينوى صحيحة ولا غبار عليها، وأن المهربين يسيرون أكثر من 120 صهريجًا للنفط المهرب من القيارة باتجاه قضاء مخمور، ثم إلى محافظة أربيل، ليباع هناك إلى مافيات نفط كردية تتولى جمع النفط المهرب ثم بيعه إلى إيران بأسعار أقل من السعر الرسمي للنفط بـ 60%.

وعن الجهات المتورطة في تهريب النفط، كشف الحمداني عن أن فصائل في الحشد الشعبي تتولى عمليات استخراج النفط وخاصة من حقول النجمة في القيارة ثم يُحمَّل النفط في صهاريج كبيرة تتسع الواحدة منها لـ 36 ألف لتر ثم تسير أرتال من تلك الصهاريج رفقة قوة عسكرية تتبع تلك الفصائل.

الحمداني في حديثه لوكالة “يقين” اكد أن الحكومة العراقية والوزارات الأمنية في بغداد لديها ملف كامل عن تهريب النفط من نينوى، إذ إن قيادة العمليات في المحافظة كانت قد رفعته إلى بغداد منذ أشهر، لكن أي إجراء حقيقي لم يتخذ من قبل الحكومة، كاشفًا في الوقت ذاته عن أن الطرق التي تتبعها الميليشيات وشبكات تهريب النفط من نينوى تتخذ طرقًا نيسمية وترابية غير معبدة تخضع لسيطرة قوات الحشد الشعبي.

وأكد المقدم في عمليات نينوى أن طريق تهريب النفط يبدأ من القيارة، إذ تمر صهاريج النفط ليلًا عبر جسر القيارة العائم على نهر دجلة متجهة إلى منطقة مخمور الخاضعة كليًا للحشد، ثم إلى منطقة ديبكة على حدود محافظة أربيل، إذ تتعاون مافيات النفط الكردية مع المهربين.

ماذا علق البرلمان؟

“غالبية المحافظات المنتجة للنفط تشهد عمليات تهريب ممنهجة إلى إيران”

من جانبه يؤكد عضو لجنة النفط والغاز في البرلمان “غالب محمد” في اتصال مع وكالة “يقين” أنه على الرغم من امتثال العراق للعقوبات الأمريكية على إيران وإيقاف تصدير وبيع النفط العراقي إلى إيران، إلا أن عمليات تصدير النفط إلى إيران تحولت إلى عمليات تهريب ممنهجة.

وكشف محمد في حديثه عن أن النفط العراقي من كركوك لا زال يهرب إلى إيران بعد أكثر من 4 أشهر على امتثال العراق للعقوبات الأمريكية على طهران.

وأوضح أنه ما لا يقل عن 150 صهريجًا لنقل النفط يخرج يوميًا من حقول نفط كركوك باتجاه إيران، في الوقت الذي تتعاون فيه بعض القوات من الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي مع المهربين في ظل صمت حكومي وبرلماني.

تهريب النفط من الجنوب

مصدر مطلع في شركة نفط الجنوب كشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن غالبية المحافظات المنتجة للنفط تشهد عمليات تهريب ممنهجة إلى إيران، من خلال الناقلات الحوضية التي تشرف عليها ميليشيات متنفذة وأحزاب دينية.

“النفط المهرب يوميًا من حقول العراق النفطية يقدر بـ 63 ألف برميل”

المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أكد لوكالتنا على أن طرق تهريب النفط العراقي إلى إيران من المحافظات الجنوبية تختلف عن طرق التهريب في المحافظات الشمالية، إذ إن النفط المستخرج من الحقول الجنوبية والتي تشرف عليها شركات أجنبية تسلم النفط إلى وزارة النفط التي تخزن بدورها النفط في مستودعات التخزين، وهنا يتم التلاعب بالكميات، إذ إن الكميات الصحيحة تحتسب على الحكومة، في حين أن كميات النفط الحقيقة الموجودة في خزانات النفط تختلف عن جرودات شركات النفط الأجنبية.

وفي ختام حديثه لوكالتنا أكد المصدر على أن طرق التهريب تتم من خلال الأنابيب النفطية التي نصب المهربون عليها مضخات عملاقة في مناطق صحراوية تخلو من التجمعات السكانية، إذ تحمَّل الصهاريج بالنفط ثم تهرب إلى إيران عبر الحدود البرية البعيدة عن المنافذ الحدودية والتي يقل فيها تواجد قوات حرس الحدود.

خسائر فادحة!

كميات هائلة من النفط تقدر بعشرات آلاف البراميل، تهرب يومًا من العراق إلى الخارج، إذ كشف الخبير النفطي العراقي “رضوان خليل” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن مجموع النفط المهرب يوميًا من حقول العراق النفطية يقدر بـ 63 ألف برميل نفط مهرب عن طريق النقلات الحوضية فقط، دون احتساب بقية النفط المهرب من موانئ جنوب البلاد.

“التقديرات الأمريكية لكميات النفط المهربة من نينوى وصلاح الدين خلال عامين فقط تتجاوز الـ 6 مليار دولار”

خليل أكد على أن خسارة العراق اليومية جراء تهريب النفط عن طريق الناقلات الحوضية تقدر بـ 2.5 مليون دولار، على احتساب سعر برميل النفط بـ 40 دولارًا فقط، في الوقت الذي أكد فيه خليل على أن كميات النفط المهربة تفوق بكثير الأرقام التي كشف عنها، إذ إن التهريب عبر الموانئ يتم بعيدًا عن أعين وسائل الإعلام والمراقبين.

وبحسبة بسيطة، كشف خليل عن أن كمية النفط المهرب سنويًا تقدر بـ 2.5 مليون برميل، وهي ثروة يمكن لها أن تسهم في تحسين الواقع الاقتصادي للبلاد.

آراء محللين

من جانبه أشار المحلل الاقتصادي العراقي “صهيب غانم” في حديثه لوكالة “يقين” أن الاقتصاد العراقي سيظل يراوح مكانه حتى لو وصل معدل تصدير النفط في البلاد إلى 9 مليون برميل يوميًا، إذ إن الفساد المستشري في شركة سومو النفطية وفي مافيات التهريب، تكبل الاقتصاد العراقي.

“أحزاب دينية متسلطة تقوم بتهريب النفط الخام إلى دول عدة كإيران وتركيا والإمارات”

غانم كشف من جانبه عن أن التقديرات الأمريكية لكميات النفط المهربة من نينوى وصلاح الدين خلال عامين فقط تتجاوز الـ 6 مليار دولار، وهي قيمة النفط المهرب فقط، دون احتساب كميات النفط المهربة في المحافظات التي كانت تخضع لسيطرة تنظيم الدولة (داعش).

وعن استمرار علميات تهريب النفط العراقي إلى إيران، يعتقد المحلل الاقتصادي أن الولايات المتحدة بدأت تتخذ عدة إجراءات عسكرية لإيقافها، إذ إن الأخبار المتواترة من حقول القيارة تفيد بتعرض أرتال تهريب النفط لقصف مدفعي من قبل القوات الأمريكي الرابضة في قاعدة القيارة الجوية ولأكثر من مرة.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، لفت غانم إلى أن الحكومة العراقية ستضطر إلى الحد من عمليات تهريب النفط إلى إيران خلال الأشهر القادمة، إذ إن استثناء العراق من نظام العقوبات الأمريكية لن يجدد مرة أخرى بحسب تقارير أمريكية.+

“الفساد المستشري في شركة سومو النفطية وفي مافيات التهريب، تكبل الاقتصاد العراقي

أما المحلل السياسي “محمد صديق” فيرى من جانبه أن الحكومة العراقية الحالية بزعامة “عادل عبد المهدي” لم تنحج حتى اللحظة في لجم المكاتب الاقتصادية لفصائل الحشد الشعبي، وأن الولايات المتحدة بدأت تضيق ذرعًا بتلك المكاتب ونفوذها، لافتًا إلى أن إعادة انتشار القوات الأمريكية في عدة مدن في المحافظات الشمالية، سيضيق الخناق على فصائل الحشد والميليشيات بغية الحد من نفوذها الاقتصادي، والذي بدأ فعليًا من خلال إغلاق المكتب الاقتصادي لميليشيا النجباء في حي المهندسين في الموصل.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن قيمة النفط العراقي المهرب في خمس سنوات يبلغ 50  مليار دولار، إذ كشف عضو لجنة النزاهة في البرلمان العراقي السابق “أردلان نور الدين” في حديثه لإحدى القنوات التلفزيونية المحلية عن أن الفساد مستشر في جميع الوزارات العراقية ومديرياتها، وأن الفساد في وزارة النفط فاق كل التوقعات.

نور الدين كشف عن أن أحزاباً دينية متسلطة تقوم بتهريب النفط الخام إلى دول عدة كإيران وتركيا والإمارات، وأن الحكومة تعلم ذلك جيدًا، فيما أشار إلى أن تقارير منظمة الشفافية الدولية أكدت على أن حجم النفط المهرب من العراق خلال السنوات الخمس الماضية تصل قيمته إلى 50 مليار دولار.

تعليقات