الأحد 18 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الخدمات.. حلم يفتقده العراقيون »

التشوهات الخلقية.. هدية الاحتلال الأمريكي لأطفال العراق

التشوهات الخلقية.. هدية الاحتلال الأمريكي لأطفال العراق

آلاف حالات التشوهات الخلقية ومثلها وأكثر، إصابات بأمراض السرطان، تلك هي محصلة الاحتلال الأمريكي للبلاد منذ عام 2003 وما سبق ذلك التاريخ من تمهيد وحصار وحروب، إذ تعاني مدن الفلوجة والخالدية وتلعفر والبصرة من مخلفات الحروب التي مرت عليها وتسببت وما زالت بحدوث تشوهات خلقية للمواليد الجدد، ما جعل العراق من أكثر الدول في نسبة التشوهات الخلقية في العالم.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يكشف عما فعلته القوات الأمريكية منذ غزوها العراق عام 2003 وحتى الآن من التسبب بتراجع الصحة العامة في العراق، وخاصة فيما يخص التلوث الإشعاعي في البلاد.

250 قنبلة ذرية

“هناك 150 مولودًا بتشوهات خلقية مقابل كل ألف حالة ولادة جديدة”

250 قنبلة ذرية من التي أسقطت على هيروشيما اليابانية، تلك هي حصيلة ما تعرض له العراق منذ عام 1991 وحتى الآن، بحسب الدكتور “كاظم المقدادي”، وهو باحث طبي وبيئي عراقي مقيم في السويد ويحمل درجة الدكتوراه في العلوم الطبية، ومتخصص في طب الأطفال وطب المجتمع وفي التلوث الإشعاعي والأضرار الصحية والبيئية لاستخدام أسلحة اليورانيوم.

إذ استطاعت وكالة “يقين” التواصل مع المقدادي وكشف لها عن أن العلماء بعد دراسة مستفيضة استنتجوا أن الحربين الدوليتين بقيادة الولايات المتحدة على العراق عامي 1991 و2003، واللتين استخدمت فيهما واشنطن قذائف اليورانيوم المنضب، قد خلفتا تركة صحية كارثية على المجتمع العراقي من جهة تضاعف الإصابة بأمراض السرطان لأكثر من ألفي ضعف، إضافة إلى التشوهات الخلقية الكبيرة التي تصيب المواليد الجدد في مختلف المدن العراقية التي شهدت قصفًا بذلك النوع من الأسلحة كالبصرة وميسان والفلوجة وتلعفر وغيرها.

وعن كمية اليوارنيوم الملقاة على العراق، أوضح أن الولايات المتحدة استخدمت كميات مفرطة من ذخائر اليورانيوم تقدر بأكثر من 2200 طن متري من اليورانيوم المنضب، وهو ما يساوي 250 قنبلة ذرية، وفقاً لدراسة أعدها البروفيسور الياباني “ياغازاكي”، الذي يعمل في الهيئة العلمية في جامعة “ريوكيوس” في اليابان، بحسب المقدادي.

الفلوجة .. أكثر التشوهات الخلقية

الفلوجة المدينة التي تبعد أقل من 70 كيلومترًا غرب العاصمة بغداد، تعد المدينة الأعلى في العالم في تسجيل عدد حالات التشوهات الخلقية لحديثي الولادة، بحسب الطبيب المختص بالأطفال في مديرية صحة محافظة الأنبار الدكتور “ليث العاني”.

العاني وفي حديثه لوكالة “يقين” كشف عن أن مدينة الفلوجة ومحيطها تعد المنطقة الأعلى في العالم من حيث عدد التشوهات الخلقية للمواليد الجدد نسبة إلى عدد سكانها، إذ إن آخر دراسة أجريت بهذا الخصوص نهاية عام 2011، كشفت عن أن هناك 150 مولودًا بتشوهات خلقية مقابل كل ألف حالة ولادة جديدة.

“نسبة التلوث الإشعاعي في محافظة البصرة ارتفعت إلى مستويات قياسية”

وأكد على أن هذه النسبة تعادل 15 ضعف التشوهات الخلقية في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين اللتين تعرضتا لضربتين نوويتين نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.

ويستدرك العاني بالقول: “بسبب الظروف الأمنية العصيبة التي مرت بها محافظة الأنبار، لم تستطع مديرية صحة المحافظة من تعديل بيانات التشوهات الخلقية، إذ إن سيطرة مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) على أجزاء واسعة من المحافظة ومن ضمنها مدينتي الرمادي والفلوجة حال دون قدرة الطواقم الطبية على تعديل البيانات المسجلة عام 2011″، لافتًا إلى أن كثيرًا من تلك البيانات فقدت، ومؤكدًا في الوقت ذاته على أن عدد تسجيل التشوهات الخلقية في ازدياد مستمر بسبب الحرب الأخيرة أيضًا.

وفي ختام حديثه لوكالتنا وعن طبيعة التشوهات الخلقية التي أصابت الولادات الحديثة في محافظة الأنبار، كشف الدكتور العاني عن أن تلك التشوهات توزعت ما بين ولادات بشفاه الأرانب، ورؤوس بيضاوية وعين واحدة في منتصف الوجه، وأطراف متضخمة أو منكمشة وتشوهات قلبية وتشوهات في العمود الفقري وفي الجهاز المركزي، فضلًا عن حالات شديدة يولد فيها الأطفال دون أطراف بالكامل، مؤكدًا على أن حالة عامة من فوبيا الزواج منتشرة في مدن محافظة الأنبار التي تعرضت لليورانيوم المنضب، وخاصة في الفلوجة والخالدية.

“بلغت الإصابات السَرطانية أكثر من مليون إصابة مُسجلة رسميًا حتى نهاية عام 2017”

أما بالنسبة للأمراض السرطانية المنتشرة في الفلوجة، فقد أكد تقرير لمنظمة الصحة العالمية صادر قبل خمس سنوات واطلعت عليه وكالة “يقين” على أن الباحثين في المنظمة اكتشفوا زيادة في الإصابة بسرطان الدم بين سكان مدينة الفلوجة بنسبة تقدر بحوالي 24%، وهي نسبة لم تصل إليها نسبة الإصابة بالسرطان في مدينة هيروشيما اليابانية التي وقفت النسبة فيها عن 17.3% فقط.

ويلفت تقرير المنظمة إلى أن أكثر أنواع السرطان انتشارًا بين سكان الفلوجة هو سرطان الدم وسرطان الثدي لدى الإناث وسرطان الدماغ لدى البالغين وسرطان الغدد الليمفاوية لدى الجنسين، بحسب تقرير المنظمة.

البصرة والتلوث الإشعاعي

ليست الفلوجة وحدها من تعاني من التشوهات الخلقية والأمراض السرطانية، إذ يقول مدير قسم الوقاية الصحية في مديرية صحة البصرة الدكتور “حيدر الموسوي” في حديثه لوكالة “يقين” إن محافظة البصرة تعد من أكثر مدن العالم تعرضًا للإشعاع النووي بسبب الحروب التي مرت بها المدينة منذ عام 1991 وحتى الآن.

إذ يؤكد الموسوي على أن مخلفات الجيش العراقي السابق والتي دمرت خلال الحرب باستخدام قذائف الشطائر المشعة (اليورانيوم المنضب) ما زالت تبث إشعاعاتها في أجواء المحافظة، كاشفًا عن أن صحراء المدينة والمناطق الصحراوية المحيطة ببعض النواحي والقرى في المحافظة، سجلت فيها نسب انبعاثات إشعاعية تفوق الألفي ضعف عن المعدلات الطبيعية المسجلة في ذات المناطق قبل حرب عام 1991.

“زيادة في الإصابة بسرطان الدم بين سكان مدينة الفلوجة بنسبة تقدر بحوالي 24%”

وعن طرق عزل تلك المخلفات الحربية وإبعادها عن المواطنين، أوضح أن مديرية صحة وبيئة البصرة تفتقر إلى الأجهزة التي تكشف عن النسب الإشعاعية وأن جميع المسوح الميدانية للإشعاع تخضع لوزارة الصحة في بغداد، إذ إن مديرية البصرة لا تمتلك مثل تلك الأجهزة، في الوقت الذي يتعذر فيه على المديرية أن تقوم بمهام دفن تلك المخلفات الحربية، بسبب ضعف الإمكانيات وعدم امتلاك الكوادر المختصة حتى للملابس التي تقيهم من الإشعاع.

من جانبه، كشف عضو مجلس محافظة البصرة “مجيب الحساني” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن نسبة التلوث الإشعاعي في محافظة البصرة ارتفعت إلى مستويات قياسية، وتسببت بانتشار غير مسبوق للأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية مع تواجد كميات كبيرة من مخلفات الحروب، التي شهدت السنوات الأخيرة وبسبب سوء الأوضاع الاقتصادية العبث الكبير بها ومحاولة صهرها وبيعها كحديد خام.

وأضاف الحساني أنه بعد فحص بعض عينات حديد السكراب والمخلفات الحربية، تبين أن نسبة التلوث الإشعاعي فيها بلغت 13% في الوقت الذي يجب ألا تتجاوز فيه نسبة التلوث 0.3% وهو الحد الأعلى للتلوث الإشعاعي الي يمكن لجسم الإنسان تحمله دون إصابته بأورام سرطانية، لافتًا إلى أن تلك العينات أخذت من حديد السكراب في المنطقة الصناعية داخل مدينة البصرة.

أخصائي: العلاج غير متوفر

من جهته كشف أخصائي الأورام السرطانية في البصرة الدكتور “مختار الخرزجي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه لا تتوفر في البصرة إحصائية دقيقة لعدد المصابين بالسرطان، إذ إن كثيرًا من المصابين يلجؤون إلى دول مجاورة للعلاج بسبب قلة الإمكانيات المحلية وعدم توفر العلاج، لافتًا إلى أن البصرة تشهد يوميًا تسجيل ما لا يقل عن 8-10 حالات إصابة جديدة بالسرطان.

“الولايات المتحدة قصفت العراق بأكثر من 970 صاروخا ً إشعاعيًا مشبعًا بمادة اليوارنيوم المنضب”

وأضاف الخزرجي أن العقدين الأخيرين شهدا انتشارًا كبيرًا للأمراض السَرطانيّة في المجتمع العراقي وعلى نحو كارثي، إذ بلغت الإصابات السَرطانية أكثر من مليون إصابة مُسجلة رسميًا حتى نهاية عام 2017، وما زال العدد يرتفع باستمرار، لافتًا إلى أن من يموت جراء السرطان سنويًا يتراوح عددهم بين 10-12 ألف شخص، فضلًا عن عشرات آلاف الحالات المرضية غير المسجلة والمقيدة لدى وزارة الصحة.

وفي نهاية عام 2018، كشف تقرير أمريكي عن أن نصف سكان البصرة سيصابون بالسرطان وأن المواليد الحديثة معرضة للتشوهات الخلقية بصورة كبيرة جدًا في الجيل الحالي والأجيال المقبلة، فيما أكد التقرير على أن العراق مقبل على “هيروشيما” عراقية في حال لم تعالج أسباب تلك الأمراض.

وكشف التقرير الذي أصدره موقع Punch Counter  واطلعت عليه وكالة “يقين”ّ أن الولايات المتحدة قصفت العراق بأكثر من 970 صاروخا ً إشعاعيًا مشبعًا بمادة اليوارنيوم المنضب في حرب الخليج الثانية التي قادها جورج بوش عام 1991، لافتًا إلى أن حرب الخليج الثالثة عام 2003 شهدت استخدام أكثر من ضعفي ما استخدم من قنابل مشعة في حرب الخليج الثانية، بحسب التقرير.

التشوهات الخلقية والموت البطيء

موت مؤكد ومحقق، بهذه العبارة يصف الأخصائي في جراحة الأطفال الدكتور “نجم عبد الله” ما يحدث للمواليد الحديثة التي تولد بتشوهات خلقية، إذ يكشف عبد الله عن أن التشوهات الخلقية لا تعد أمراضًا بالأساس وإنما خلل في التركيبة الجينية للمواليد الحديثة والتي لا يمكن معالجتها في أي مستشفى في العالم.

“كان يمكن للعراق، لو توافرت لديه إدارة سياسية حكيمة، أن يطالب الولايات المتحدة وبريطانيا بتعويض العراق عما ألمَّ به نتيجة القصف غير المبرر باليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض”

ويؤكد عبد الله في حديثه لوكالة “يقين” الذي يعمل أخصائيًا بمدينة الطب في العاصمة بغداد في حديثه لوكالتنا عن أن أغلب التشوهات الخلقية في العراق، تحدث نتيجة الاختلال في السلسلة الجينية للأجنة داخل الرحم، وذلك بسبب تعرض الأجنة لنسب كبيرة من الإشعاع الذي يؤدي إلى تخلخل السلسلة الجينية والتسلسل الوراثي ويؤدي إلى ولادة حالات مشوهة لا يمكن علاجها.

وعن مدى إمكانية علاج مثل تلك الحالات، أكد على أنه لا قدرة طبية بشرية على علاج تلك الحالات خاصة المستعصية والمركبة منها، إذ إن التشوهات الخلقية في العراق تختلف عن التشوهات الخلقية الطبيعية التي تحدث بصورة نادرة في بعض دول العالم، فالتشوهات في العراق تولد إما بعين واحدة أو بدون أطراف أو بانتفاخ كبير في القلب أو باندماج أعضاء الجسم في عضو واحد، وهذه لا يمكن علاجها، لافتًا إلى أن نسبة 90% من هذه المواليد التي تولد بتشوهات من هذا النوع تفارق الحياة في الشهور الثمانية الأولى من الولادة.

وعن إمكانية الكشف عن هذه التشوهات قبل الولادة، كشف عبد الله عن أنه خلال الأعوام الخمسة الماضية، باتت الغالبية العظمى من الأسر في محافظات البصرة وميسان والأنبار تلجأ إلى الفحص الدوري (السونار) للجنين بمعدل مرة كل 15 يومًا، للكشف عما إذا كان هناك تشوه خلقي في الجنين، وفي حال ثبوت ذلك، تلجأ الأم إلى الإجهاض لتجنب ولادة مواليد مشوهة لا يمكن علاجها.

تقصير حكومي “طبي وسياسي”

التشوهات الخلقية لا تعد أمراضًا بالأساس وإنما خلل في التركيبة الجينية للمواليد الحديثة والتي لا يمكن معالجتها في أي مستشفى في العالم”

على الرغم من التدهور الصحي الكبير الذي يعانيه العراق جراء الحروب الأخيرة وما تعرض له من قصف باليوانيوم المنضب والفوسفور الأبيض، إلا أنه بحسب المحلل السياسي العراقي “محمد عزيز” فإن الحكومة غير آبهة بما يجري.

ويضيف عن أنه كان يمكن للعراق، لو توافرت لديه إدارة سياسية حكيمة، أن يطالب الولايات المتحدة وبريطانيا بتعويض العراق عما ألمَّ به نتيجة القصف غير المبرر باليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض.

ويؤكد عزيز على أنه كان يمكن للحكومات المتعاقبة بعد الغزو أن تطالب الولايات المتحدة بضرورة المساعدة في الحد من الانتشار الكبير للإشعاع بالعراق، وتحميل واشنطن مسؤولية ذلك، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة وبإمكانياتها التكنولوجية يمكن لها أن تساهم بشكل جدي وفاعل في دفن المخلفات الحربية الملوثة إشعاعيًا والكشف عنها وتزويد الفرق العراقية بالخبرة والمعدات اللازمة لذلك.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات