الأحد 20 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تحقيقات »

تزوير العملة: كيف أصبحت مهنة المافيات والأحزاب في العراق؟

تزوير العملة: كيف أصبحت مهنة المافيات والأحزاب في العراق؟

انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة تزوير العملة العراقية وانتشارها في الأسواق المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى خسائر فادحة للتجار الذين تنطلي عليهم هذه العملة، إذ ما تلبث وزارة الداخلية أن تعلن عن إلقاء القبض على عصابات ومافيات لتزوير العملة في البلاد.

تحقيق لوكالة “يقين” يكشف عن طرق تزوير العملة في العراق وعن المافيات التي تزور العملة وكيفية الكشف عنها ومن يدعمها.

مليارات الدنانير مزيفة

تشير بيانات البنك المركزي العراقي إلى أن حجم الكتلة النقدية العراقية المتداولة في العراق تبلغ ما بين 40 و45 ترليون دينار عراقي، وهو رقم متذبذب نتيجة عمليات سحب المصارف في مختلف المحافظات للعملة التالفة وتعويضها فيما بعد بعملة جديدة.

“أكثر ما بات يؤرق تجار العملة في بغداد هي عصابات السرقة أولًا ثم مافيات تزوير العملة”

إلا أن الكتلة النقدية الكبيرة هذه يضاف لها ما لا يقل عن 4 مليارات دينار عراقي كعملة مزيفة مزورة من قبل مافيات وعصابات، بحسب مدير دائرة الإصدار والخزائن في البنك المركزي “جعفر غلام”.

ويكشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن المصارف العراقية تكتشف كل شهر مبالغ لا تقل قيمتها عن 200 مليون دينار، وذلك أثناء استلامها لمبالغ إيداعات من المواطنين، موضحًا أن اكتشاف تلك المبالغ يكون بشكل فردي لعراقيين وقعوا ضحية استلامهم عملات مزيفة، إضافة إلى ما تعلن عنه وزارة الداخلية من ضبط عملات مزيفة.

ويضيف غلام أن الفئات النقدية المزورة غالبًا ما تكون لفئة الخمسين ألف دينار وفئة الـ25 ألف دينار وبصورة أقل لفئة الـ10 آلاف دينار، لافتًا إلى أن العاملين في النقد يستطيعون كشف العملات المزيفة بسهولة، إذ إن العملة العراقية فيها ما لا يقل عن 20 ختمًا وطابعًا وعلامة مستحيلة التقليد، وهي تعد وسائل حماية للعملة من التزوير.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أشار غلام إلى أن الطبعات الجديدة من العملة العراقية باتت تضم إضافات أمنية جديدة كالورق الشفاف المقوى واللماع والمختوم، والتي يصعب على أمهر المزورين تقليدها، مشيرًا إلى أن الأشهر القادمة ستشهد استبدال غالبية الفئات النقدية الكبيرة كفئة الـ10 آلاف والـ25 ألف والـ50 ألف بطبعات جديدة.

قلق تجار العملة

من جهته يقول صاحب شركة صيرفة الزيتون في منطقة الكرادة في بغداد “محمد الحسيني” في حديثه لوكالة “يقين” إن أكثر ما بات يؤرق تجار العملة في بغداد هي عصابات السرقة أولًا ثم مافيات تزوير العملة.

“عشرات شركات الصيرفة والمصارف والتجار يبلغون عن أشخاص معهم عملات مزيفة كبيرة”

ويكشف الحسيني لوكالة “يقين” عن أنهم يتعاملون يوميًا مع مئات الملايين من العملة العراقية، وبات لزامًا عليهم التأكد من جميع الفئات النقدية فيما إذا كانت مزيفة أم لا، لافتًا إلى أن أكثر ما يؤرق شركات الصرافة في العراق هي العملة العراقية المزورة والتي تعرف محليًا بالعملة الإيرانية، وهي عملة عراقية مزيفة من فئة الـ50 ألف دينار يتم تزويرها في إيران وتدخل الحدود عبر المهربين، وتمتاز بمطابقة كبيرة للعملة الحقيقية.

وعن طرق كشف هذه العملات المزيفة، أكد الحسيني على أن كثيرًا من المتعاملين بالنقد يصعب عليهم اكتشاف هذه العملة، وباتت شركات الصرافة تعتمد على مكائن العد للعملة المصنعة خصيصًا للعملة العراقية، وهي مكائن يتم تصنيعها في ألمانيا والصين من قبل تجار عراقيين وفق الطلب، إذ تستطيع هذه المكائن اكتشاف العملة الحقيقية من المزورة من خلال مقارنة العملة المعدودة مع العملة الأصلية التي صنعت وفقها هذه المكائن.

ما دور الداخلية؟

ما تفتأ وزارة الداخلية أن تعلن عن إلقاء القبض على عصابات ومافيات تزوير العملة في البلاد، إذ يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء “سعد معن” في حديثه لوكالة “يقين” إن منتسبي استخبارات الداخلية يوصلون الليل بالنهار من أجل الكشف عن عصابات تزوير العملة العراقية المزيفة ومروجيها.

وأضاف أن الأعوام الثلاثة الماضية شهدت اعتقال ما لا يقل عن 240 عملية ضبط واعتقال لعصابات وأفراد كانوا يروجون العملة المزيفة في البلاد، لافتًا إلى أن الملقى القبض عليهم وبعد التحقيق معهم كشفوا عن عشرات المطابع التي كانت تزور العملة في بغداد والمحافظات.

“مئات محلات الصيرفة في العراق غير مرخصة ولا تملك تخويلًا أو ترخيصًا بصرافة وبيع العملة المحلية أو الصعبة”

وعن السبل التي تتبعها وزارة الداخلية في الكشف عن مزوري ومروجي العملة العراقية المزورة، كشف معن عن أن عشرات شركات الصيرفة والمصارف والتجار يبلغون عن أشخاص معهم عملات مزيفة كبيرة.

وأضاف أن المواطنين الذي تكتشف هذه الشركات أن معهم مبالغ مزيفة محدودة أو قليلة قد لا يتم الإبلاغ عنهم كونهم مواطنين وقعوا ضحية النصب والاحتيال وانطلت عليهم هذه العملة المزورة، بحسب معن.

وعن عمليات التزوير وطرقها التي اكتشفتها وزارة الداخلية من خلال عملها، كشف المتحدث باسم وزارة الداخلية عن أن هناك عددًا من نماذج العملات المزيفة ما بين بدائية يسهل التعرف عليها بسبب طبعها من قبل هواة لا خبرة لهم في هذا المجال.

وأضاف أن بعض مزوري العملات يستخدمون طابعات خاصة بطباعة العملة، وقد تم إدخالها إلى البلاد بطرق غير شرعية وتم الكشف عنها، إذ إن وزارة الداخلية كانت قد قبضت على بعض هؤلاء في منطقة الميدان ومنطقة البياع في العاصمة بغداد وغيرها من المحافظات.

وفي ختام حديثه لوكالة “يقين” أكد معن على أن بعض الكميات من العملات المزيفة التي ألقي القبض على المتاجرين بها كانوا قد أتوا من محافظات الشمال وخاصة من محافظة السليمانية، وبعد التحقيق معهم تبين أن العملة المزيفة كانت قد طبعت في إحدى دول الجوار.

إجراءات ضعيفة

يرجع عدد من أصحاب شركات الصرافة في العراق انتشار العملة المزيفة إلى ضعف الإجراءات المتبعة من قبل وزارة الداخلية، إضافة إلى ضعف الإجراءات القانونية العقابية، “أوس علي” صاحب إحدى شركات الصيرفة في بغداد ويملك فروعًا لشركته في كل من البصرة وبابل، ويقول في حديثه لوكالة “يقين” إن المتاجرة بالعملة الصعبة والعراقية باتت مهنة من لا مهنة له وبات بإمكان أي شخص أن يفتتح (جمبرا أو كشكا) لتصريف العملة، وبالتالي فمن الصعوبة بمكان أن تستطيع الأجهزة الأمنية ضبط بيع العملة وفق هذه العشوائية المتبعة.

“مع انتشار ظاهرة تزوير العملة العراقية يتهم كثير من العراقيين بعض الأحزاب السياسية بالمتاجرة وإدخال العملة المزورة”

ويكشف علي في حديثه عن أن مئات محلات الصيرفة في العراق غير مرخصة ولا تملك تخويلًا أو ترخيصًا بصرافة وبيع العملة المحلية أو الصعبة، وبالتالي فإن بيع العملة المزورة بات متاحًا من خلال المكاتب غير المرخصة ومن خلال الباعة المتجولين للعملة، وهؤلاء غالبًا ما يكون ضحاياهم من ذوي الدخل المحدود، إذ إن التجار لا يتعاملون إلا مع المكاتب المعروفة بموثوقيتها، بحسبه.

وعن قانون العقوبات العراقي الخاص بجرائم تزييف العملة وترويجها والتعامل بها، يقول المستشار القانوني “شهاب مزعل” في حديثه لوكالة “يقين” إن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 يعدها من الجنايات، وشدد العقوبة على مرتكبيها، لافتًا إلى أن المواد الملحقة بالقانون تشير إلى الحبس مدة لا تقل عن عشر سنوات لكل من ساهم في تزييف العملة أو ترويجها.

وعن مدى فاعلية ذلك القانون في الوقت الحالي، كشف مزعل عن أن الحكومات العراقية التي سبقت الغزو الأمريكي عام 2003 كانت تتعامل بهذا القانون وتطبقه على مروجي العملة من الذين انخدعوا بها أو علموا بالعملة المزيفة وحاولوا التخلص منها، لافتًا إلى أن من كان يضبط بجريمة تزييف العملة قبل عام 2003، فإنه كان يحال إلى شعبة الجرائم الاقتصادية التي كانت لها محاكم خاصة والتي كانت غالبًا ما تقضي على مرتكبي جريمة تزوير العملة بالإعدام.

وأضاف أنه بعد أن انتشرت ظاهرة تزوير العملة في البلاد بشكل غير مسبوق، فإنه بات لزامًا على مجلس النواب أن يشرع قانونًا جديدًا يشدد من العقوبة على مزوري ومروجي العملة المزيفة، ذلك أن القانون الحالي لم يعد يشكل رادعًا بالشكل الذي كان عليه قبل عقدين من الآن، بحسب مزعل.

أما الخبير المالي “عبد الحسين المنذري” فيرى في حديثه لوكالة “يقين” أن الإجراءات المتبعة من وزارة الداخلية ومن البنك المركزي غير كافية للحد من تزوير العملة، مشددًا على ضرورة تشكيل خلية أزمة أو لجنة مشتركة بين البنك المركزي والبنوك الحكومية والأهلية للاطلاع بشكل دوري على العملات المزيفة الجديدة وطرق تزويرها وتعميم علامات التزوير على جميع المصارف.

وكشف المنذري عن أن بعض العملات المزورة من الفئات الكبيرة استطاع المزورون تمريرها على أمناء الصناديق النقدية في المصارف الحكومية، ما أدى إلى سجن وتغريم عدد منهم، داعيًا البنك المركزي إلى تحديث طرق كشف العملة المزورة في سبيل حماية الموظفين في البنوك والمواطنين على حد سواء.

من هم المتاجرون بالعملة المزورة؟

مع انتشار ظاهرة تزوير العملة العراقية يتهم كثير من العراقيين بعض الأحزاب السياسية بالمتاجرة وإدخال العملة المزورة إلى البلاد، ومن بين هؤلاء التاجر “منذر العبودي” الذي يعمل في تجارة الجملة في منطقة الشورجة التجارية في قلب العاصمة بغداد.

“انتشار العملات المزيفة في العراق يرجع إلى الأحزاب والفصائل المسلحة التي تعمل على إدخالها إلى العراق”

إذ يكشف العبودي في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه من خلال تجارته تعرض لابتزاز وتهديد من إحدى الفصائل المسلحة التابعة لإحدى الاحزاب الدينية في العراق، إذ إن أحد التجار المحسوبين على ذلك الفصيل اشترى منه بضاعة بقيمة عشرين مليون دينار عراقي، وعند تسلمه للمبلغ تبين له أن عشرة ملايين من المبلغ كانت مزورة، وعند رفضه استلامها ومطالبة العبودي للتاجر باستبدال العملة بالدولار، رفض الأخير ذلك وهدده بأنه يرفض التعامل بالعملة الوطنية وأنه سيقدم بلاغًا ضده.

وبعد شد وجذب وتهديد استمر قرابة اليومين، اضطر العبودي إلى قبول مبلغ خمسة ملايين دينار عراقي حقيقية بدل العشرة ملايين المزورة، ويضيف أنه خسر جراء ذلك جزءًا من رأس ماله والربح الذي كان يروم إلى تحقيقه من تلك الصفقة.

وفي هذا الصدد تقول النائبة السابقة في البرلمان العراقي “نورا سالم البجاري” في حديثها لوكالة “يقين” إن هناك جهات سياسية نافذة معروفة للجميع، تزور العملة العراقية وذلك لارتباطها بجهات خارجية تروم نفعها، بعد أن شددت واشنطن من العقوبات المفروضة على طهران.

خبراء يشيرون إلى إيران

من جهته يؤكد الخبير الاقتصادي “عامر الربيعي” على أن انتشار العملات المزيفة في العراق يرجع إلى الأحزاب والفصائل المسلحة التي تعمل على إدخالها إلى العراق لأجل استبدالها بالدولار ثم تهريب الدولار إلى إيران مرة أخرى.

“غياب التخطيط الإستراتيجي في السياسة النقدية للبنك المركزي كان سببًا في تدهور معدلات الاستثمار

ويكشف الربيعي في حديثه لوكالة “يقين” عن أن الأحزاب الدينية في العراق والمرتبطة مع إيران في الأيديولوجية والسياسة تعمل على تسهيل إدخال وطباعة العملة المزيفة في العراق لأجل تحويلها إلى العملة الصعبة بالدولار واليورو ومن ثم تهريبها إلى إيران، وذلك من أجل إنعاش الاقتصاد الإيراني المتهالك نتيجة حزمتي العقوبات الأمريكية على طهران، وتشديد واشنطن التعاملات المالية بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق البرنامج النووي الإيراني.

من جهته أكد عضو مجلس النواب “محمد إقبال الصيدلي” في بيان صحفي اطلعت عليه وكالة “يقين” على أن غياب التخطيط الإستراتيجي في السياسة النقدية للبنك المركزي كان سببًا في تدهور معدلات الاستثمار والتنمية الاقتصادية خلال السنوات الماضية في العراق.

وأشار عضو لجنة التخطيط الإستراتيجي في بيانه إلى أن ضعف التنسيق والتناغم بين السياسات الاقتصادية الكلية والأحادية وتغلغل الفساد المالي والإداري والاقتصادي في معظم المؤسسات الحكومية وعدم السيطرة على منافذ بيع العملة ومنع تهريبها لخارج الحدود أحدث حالة من الجمود الاقتصادي في البلاد.

ودعا الصبدلي الحكومة إلى إعادة النظر بالسياسات النقدية ومراجعة خطط البنك المركزي في بيع العملة النقدية بما ينسجم والحاجة الفعلية للسوق العراقية، بحسب البيان.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات