الأحد 20 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تحقيقات »

رغم وجودها.. لماذا لا تعمل مطاحن الحبوب العراقية؟

رغم وجودها.. لماذا لا تعمل مطاحن الحبوب العراقية؟

يواجه العراق اليوم مشكلة الحرائق التي التهمت وما تزال آلاف الدونمات من محصولي القمح والشعير في البلاد، فعلى الرغم من الإنتاج الوفير للمحصولين وعلى الرغم من وجود عشرات المطاحن العراقية للقمح، إلا أن العراق يستورد 2.5 مليون طن من الدقيق الأبيض سنويًا.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يحاول الكشف عن الأسباب التي يمنع من خلالها أصحاب المطاحن العراقية من شراء القمح الأجنبي مباشرة لإنتاج الدقيق الأبيض الذي يستورد العراق كميات هائلة منه.

عدد المطاحن العراقية

الفساد الداخلي والأطماع الإقليمية، تشتركان في مصلحة بقاء الوضع الزراعي والاقتصادي في العراق على ما هو عليه”

تتوفر في العراق عشرات مطاحن القمح الأهلية والحكومية في مختلف المحافظات العراقية، وفي هذا الصدد، كشف عضو مجلس الحبوب التابع لوزارة التجارة “سمير الأسدي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه يوجد في العراق 241 مطحنة للقمح موزعة في مختلف المحافظات العراقية، وتتفاوت طاقاتها الإنتاجية من واحدة إلى أخرى بحسب الماكينة التي تستخدمها.

وأضاف الأسدي أن عدد المطاحن الحكومية يبلغ 15 مطحنة في مختلف المحافظات، إلا أن 3 منها تعرضت للدمار بسبب الحرب الأخيرة ضد تنظيم (داعش) بين عامي 2014 و2017، بحسبه.

وعن آلية عمل هذه المطاحن والجهة التي تنتج لها، كشف الأسدي أن عمل هذه المطاحن مقيد لوزارة التجارة فقط، إذ إن الوزارة تزود أصحاب المطاحن بالقمح لأجل إنتاج الدقيق الذي يوزع على المواطنين ضمن مفردات البطاقة التموينية، بحسبه.

من جهته كشف المستشار في وزارة التجارة “صباح نوري” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن وزارة التجارة تواجه مشاكل تتعلق بالحبوب والمطاحن، إذ إن المطاحن المحلية لا تغطي سوى نصف حاجة العراق من الدقيق، وبالتالي يستلزم ذلك استيراد العراق للدقيق من مصادر أجنبية، بحسبه.

وعن عدم السماح للمطاحن العراقية باستيراد القمح الأجنبي (درجة أولى) والسماح لها بإنتاج الدقيق الأبيض المعروف عراقيًا بـ(طحين الصفر)، كشف نوري عن أن ذلك محكوم بقرارات سابقة للحكومة العراقية منذ ما قبل 2003، إذ لم تجر الحكومات المتعاقبة أي تغيير على إجراءات وزارة التجارة فيما يتعلق بتعامل المطاحن العراقية مع القمح الأجنبي مباشرة.

ولفت إلى أن إبطال تلك الإجراءات يمر من خلال قرار على رئاسة مجلس الوزراء اتخاذه ثم تمريره إلى مجلس النواب لأجل المصادقة عليه ونشره في الجريدة الرسمية ليتم اعتماده، بحسبه.

كم يستورد العراق من الدقيق الأبيض؟

“يوجد في العراق 241 مطحنة للقمح موزعة في مختلف المحافظات العراقية، وتتفاوت طاقاتها الإنتاجية”

كميات هائلة تصل إلى 2.5 مليون طن من الدقيق الأبيض يستورده العراق سنويًا، النائب السابق الذي كان عضوًا في لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية “جواد البولاني” كشف في حديث خاص لوكالة “يقين” أن البيانات التي توفرت للجنة عندما كان عضوًا فيها، فإن حاجة السوق العراقي للدقيق الأبيض (طحين الصفر) تقترب من 2.5 مليون طن سنويًا وأن جميع هذه الكمية تستورد من تركيا في المقام الأول ثم من إيران ودول أخرى بكميات أقل، بحسبه.

وكشف البولاني عن أنه بسبب الحاجة الملحة في العراق للدقيق الأبيض، فإن تركيا شيدت ثلاث مطاحن في مدينة ميرسين تنتج 100 ألف طن يومياً، إذ تعمد تركيا لاستيراد القمح الروسي بعد انتهاء موسمه بـ 100 دولار للطن الواحد فقط، لتعمل هذه المطاحن على تصنيع الدقيق الأبيض ثم تصديره إلى العراق بكلفة 550 دولارًا للطن الواحد، ويمكن للعراقي أن يتخيل كم الأرباح التي تجنيها هذه المطاحن على حساب العراقيين، بحسب تعبيره.

ولفت البولاني إلى أن العراق بسبب الآليات التي تتبعها وزارة التجارة في منع المطاحن العراقية من شراء القمح الأجنبي، فإنها تسبب خسارة العراق قرابة 1.25 مليار دولار، تذهب سنويًا من أجل استيراد الدقيق الأبيض فقط، مشيرًا إلى أنه على الحكومة ورئيس مجلس الوزراء أن يتخذوا قرارًا يسمح للمستثمرين بتشييد مزيد من المطاحن الخاصة، فضلًا عن تشييد صوامع قمح أهلية تحد من الاستيراد المفرط، إذ يمكن لهذه الأموال الطائلة أن تستخدم في شراء القمح الروسي رخيص الثمن والعالي الجودة، وبالتالي إنتاج دقيق أبيض للعراقيين بربع قيمته المباعة في الأسواق المحلية، إضافة إلى أن خطوة كهذه ستسهم في تعزيز الصناعة المحلية، وإسهامها الكبير في توفير فرص عمل.

“كميات هائلة تصل إلى 2.5 مليون طن من الدقيق الأبيض يستورده العراق سنويًا”

من جانب آخر، وعلى الرغم من تعرض مئات الحقول في محافظات عراقية مختلفة إلى حرائق كبيرة على نحو متزامن لم يسبق له مثيل خلال الأسابيع الماضية، إلا أن المتحدث باسم وزارة الزراعة “حميد النايف” يرى أن الحرائق لن تؤثر كثيرًا على محصول القمح لهذا العام.

وكشف النايف في حديثه لوكالة “يقين” أن مساحة الأراضي التي تعرضت للحرق بلغت قرابة الـ4 آلاف دونم حتى الآن من أصل 12 مليون دونم هي إجمالي مساحة حقول القمح في العراق، مشيرًا إلى أن كميات القمح التي من المتوقع حصادها هذا الموسم قد تصل إلى 5 مليون طن.

وعلى الرغم من كميات محصول القمح الكبيرة التي يتوقع حصادها خلال هذا الموسم، إلا أن العراقيين لا يزالون يستلمون دقيقًا سيء النوعية ولا يصلح للاستخدام، بحسب أحد مواطني محافظة بغداد ويدعى “سيف يزن”.

ويضيف يزن في حديثه لوكالة “يقين” أنه منذ سنوات وسنوات يستلم العراقيون بعض مفردات الحصة التموينية ومن ضمنها الدقيق ذي النوعية السيئة، كاشفًا عن أن غالبية العراقيين يبيعون الدقيق المستلم بأبخس الأثمان ليشتروا دقيقًا أبيض مستوردًا، بحسبه.

وفي هذا الصدد وعن سبب سوء نوعية الدقيق المنتج محليًا على الرغم من توفر عشرات المطاحن وكميات هائلة من القمح المحلي الجيد، كشف العضو في هيئة الحبوب التابعة لوزارة التجارة ويدعى “منتظر محمد علي” إن المطاحن العراقية قديمة ولا يمكن الاعتماد عليها في إنتاج الدقيق الأبيض، إذ إن عمل هذه المطاحن غير منضبط بسبب وجود عمليات غش وإضافة كميات كبيرة من الماء إلى القمح أثناء طحنه، ما يؤدي إلى رطوبة عالية في الدقيق الذي يؤثر على جودته، بحسبه.

ويضيف محمد علي أن هذه المشكلة تنعكس أيضا على الدقيق الموزع ضمن مفردات البطاقة التموينية في البلاد، ويضيف مشكلة أخرى تكمن في المطاحن العراقية وهي محدودية إنتاجها، إذ إنها لا تستطيع أن تنتج في اليوم أكثر من 40 ألف طن، في حين أن السوق المحلي يحتاج لما يقرب من 260 ألف طن على أقل تقدير من مختلف الأنواع، بحسبه.

“بسبب الآليات التي تتبعها وزارة التجارة في منع المطاحن العراقية من شراء القمح الأجنبي، فإنها تسبب خسارة العراق قرابة 1.25 مليار دولار”

ويرد عضو اتحاد رجال الأعمال “عبد الله الحيالي” على هذه الأسباب التي طرحها عضو هيئة الحبوب “منتظر محمد علي” بالقول: “نعلم علم اليقين، أن وزارة التجارة تشجع الاستيراد الأجنبي على الإنتاج المحلي، إذ إن جميع من يعمل في الاستيراد الحكومي يستحصل على الكوميسيونات (الرشاوى) من الشركات المصدرة ومن المناقصات، وبالتالي فإن توجه البلاد نحو الإنتاج المحلي الكامل للدقيق سينهي المكاسب المالية الملتوية لمسؤولي ملف الدقيق الأبيض في العراق“.

وكشف الحيالي في حديثه لوكالة “يقين” عن عدة إجراءات يمكن لها أن تنهي المشاكل التي طرحها محمد علي فيما يخص محدودية عمل المطاحن العراقية وسوء إنتاجها، إذ يكشف أن بمقدور وزارة التجارة مراقبة عمل المطاحن بكل بساطة، حيث إن عددها القليل البالغ 241 مطحنة خاصة، يمكن لوزارة التجارة أن تنتدب موظفًا لكل مطحنة يراقب عملها، فضلًا عن إجراءات أخرى توسع من الإنتاج، وذلك من خلال الاستثمار الذي يمكن له أن يزيد عدد المطاحن عن الـ100 في غضون سنوات قليلة، إضافة الى السماح للمستثمرين بتشييد صوامع خاصة للقمح تحفظ القمح الأجنبي في الفترة التي تسبق طحنه، بحسبه.

من المستفيد من توقف المطاحن؟

جهات عدة مستفيدة من تعطيل عمل المطاحن العراقية، إذ يشير عدد من الخبراء إلى أن الفساد الداخلي والأطماع الإقليمية، تشتركان في مصلحة بقاء الوضع الزراعي والاقتصادي في العراق على ما هو عليه، إذ يقول الخبير الاقتصادي “أنمار العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إن ملفات الفساد في العراق نخرت البلاد بشكل لا يقارن بأي دولة في العالم لديها ثروات كالعراق، ومن ضمن هذه الملفات ملف المواد الغذائية واستيرادها والتصنيع المحلي وعدم السماح للمطاحن الخاصة في البلاد بالإنتاج اعتمادًا على القمح الأجنبي.

وأوضح العبيدي أنه بالإضافة الى الفساد والفاسدين الذي يستفيدون من الاعتماد على الاستيراد المفرط، فإن جهات إقليمية تستفيد هي الأخرى وقد تكون هي المحرضة على بقاء الوضع العراقي على ما هو عليه، بحسبه.

“مساحة الأراضي التي تعرضت للحرق بلغت قرابة الـ4 آلاف دونم حتى الآن من أصل 12 مليون دونم هي إجمالي مساحة حقول القمح في العراق”

ويؤكد العبيدي على أن إيران باتت منذ عام 2018 أحد المصدرين الأوائل للدقيق الأبيض للعراق، بعد أن تعاقدت الحكومة الإيرانية مع الحكومة الروسية على استيراد القمح الروسي لأجل طحنه في إيران ثم تصديره إلى العراق.

ليس هذا فحسب، إذ إن تركيا هي الأخرى شيدت مؤخرًا 3 مطاحن عملاقة في مدن حدودية يصدر إنتاجها إلى العراق، وتبلغ الطاقة الإنتاجية فيها يوميًا قرابة الـ 100 ألف طن من الدقيق الأبيض، فضلًا عن أن الأردن التي لا تملك المياه الكافية للشرب، باتت تصدر الدقيق الأبيض للعراق، بحسبه.

وكانت وكالة رويترز قد كشفت في شباط/ فبراير من العام الماضي عن زيارة الأمين العام لاتحاد شركات الغذاء الإيرانية “كاوه زرجران” التي نقلت الوكالة عنه أن الزيارة تمت لأجل مفاوضات إيرانية-روسية من أجل استيراد القمح الروسي الذي ستطحنه إيران ومن ثم تصدره إلى العراق.

ويشمل الاتفاق بحسب رويترز استيراد ما يقارب الـ 100 ألف طن من القمح الروسي شهريًا لمطاحن خاصة، التي ستحوله إلى الدقيق الأبيض عالي الجودة من أجل التصدير، وأضاف زرجران أن المفاوضات تجري بين القطاع الخاص الإيراني وروسيا التي تعد أكبر مصدري القمح في العالم، مشيرًا إلى أن المطاحن الخاصة الإيرانية غير مسموح لها باستخدام القمح المحلي لصادرات الدقيق (الطحين)، بحسب ما نقلت عنه وكالة رويترز.

من جانبه، كشف صاحب مطحنة عراقي من العاصمة بغداد ويدعى “علي العبادي” في حديثه لوكالة “يقين” أن مطحنته وغالبية المطاحن الخاصة تعمل ما بين 3 إلى 4 أيام في الشهر، وأن عمل المطحنة مقيد لصالح وزارة التجارة فقط.

وأضاف العبادي أن لوائح وزارة التجارة تمنع المطاحن الخاصة من استيراد القمح الروسي وطحنه محليًا لأجل توفير الدقيق الأبيض عالي الجودة الذي يشهد طلبًا متزايدًا في الأسواق المحلية خاصة في السنوات الخمس الماضية، مشيرًا إلى أن المطاحن العراقية عاطلة عن العمل في الوقت الذي تسارع فيه دول الجوار كتركيا وإيران من أجل تشغيل مطاحنها والأيدي العاملة فيها على حساب أموال العراقيين ومعاناتهم من البطالة، بحسبه.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أشار العبادي إلى أن وزارة التجارة تعيب على المطاحن العراقية قدمها وسوء إنتاجها في الوقت الذي ينتظر فيه أصحاب المطاحن قرارًا يسمح لهم باستيراد القمح الأجنبي وطحنه، من أجل الشروع بتطوير وتوسيع المطاحن بل وبناء صوامع قمح خاصة أيضًا، على حد قوله.

من جهته وفي تغريدة عبر موقعه الرسمي على منصة تويتر، قال النائب في البرلمان العراقي “محمد الكربولي” إن إحراق النار المتعمد في حقول القمح والشعير رسالة واضحة أنكم يا عراقيين مستهدفون في أرضكم وسمائكم ومائكم ومستقبل أجيالكم، بحسب التغريدة.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات