السبت 24 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » ازمة الكهرباء في العراق »

أزمة الـ 16 عاما .. متى يعالج ملف الكهرباء في العراق؟

أزمة الـ 16 عاما .. متى يعالج ملف الكهرباء في العراق؟

أزمة مستمرة تلك التي يعانيها العراقيون جراء الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، أزمة مضى عليها أكثر من 16 عاما وأنفقت لأجل حلها عشرات مليارات الدولارات من دون أن يتحسن واقع الحال.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يكشف عن الأسباب الحقيقية لاستمرار تدهور الكهرباء في العراق وسخط العراقيين جراء ذلك، وهل أن مشكلة الكهرباء في التوليد فقط أم أن هناك مشاكل أخرى لن يتحسن الكهرباء في البلاد ما لم تحل؟

كم يبلغ انتاج العراق؟

لا يزال العراق ينتج قرابة الـ 50% من حاجته الفعلية من الكهرباء، إذ كشف المتحدث باسم وزارة الكهرباء “مصعب المدرس” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن انتاج العراق من الكهرباء وصل في شهر حزيران/ يونيو الماضي قرابة الـ 15 ألف ميغا واط، وأن الأشهر القادمة ستشهد تشغيل محطتي توليد بسعة 750 ميغا واط ستضاف للقدرة الانتاجية الكلية.

“انفقت الحكومات المتعاقبة 60 مليار دولار على الكهرباء، لكن البلاد لم تشهد بناء أي محطة توليدية رصينة وفعالة”

وعن استيراد العراق للكهرباء من إيران، كشف المدرس عن أن العراق يغذي الشبكة الوطنية بما يقارب من الـ 4 آلاف ميغا واط، وهي الكهرباء المستوردة من إيران أو المولدة بالغاز الإيراني المستورد، لافتا إلى أن الحاجة الفعلية للكهرباء في عموم البلاد تزيد على الـ 29 ألف ميغا واط في حال تشغيل جميع المصانع الحكومية والخاصة.

من جهته يكشف الخبير الاقتصادي العراقي “عبد الكريم محمد” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن العراق ينتج 14 ألف ميغا واط من الكهرباء حاليا، ويضيف: “الكهرباء المنتج في العراق ليس عراقيا 100%، إذ أن 37% منه يتم توليده أو استيراده من إيران أو باستخدام الغاز الإيراني المستورد والمستخدم في تشغيل محطات التوليد”.

ويعتقد عبد الكريم أنه وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة جددت إعفاء العراق من العقوبات المفروضة على إيران لثلاثة أشهر إضافية تنتهي في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر القادم، إلا أن أي حرب قد تندلع بين واشنطن وطهران أو إلغاء واشنطن للاستثناء العراقي، يعني أن العراق سيخسر قرابة الـ 3700 ميغا واط من مجموع الطاقة المنتجة حاليا.

واقع أليم يشتكيه العراقيون

معاناة مستمرة تلك التي يشير إليها المواطن البغدادي “قيس محمد صابر” في حديثه لوكالة “يقين”، إذ يقول إنه ومنذ أكثر من عقدين من الزمان لم ينعم باستمرار الكهرباء الوطنية لـ 10 ساعات متواصلة.

الفساد المالي والإداري هو المعضلة الرئيسية التي تقف عائقا أمام تحسن واقع الكهرباء في العراق”

ويضيف أن الانقطاع المستمر في الكهرباء الوطنية أثقلت كاهل المواطنين الذين باتوا يعتمدون على الاشتراك في المولدات الأهلية، والتي يبلغ سعر الأمبير الواحد منها 25 ألف دينار (20 دولارا أمريكيا) في بغداد، مشيرا إلى أن الانقطاع المستمر للكهرباء أدى إلى تدهور كبير في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية.

اما الصناعي “طلال الطالب” فيشير في حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه ومنذ عام 2005 عمد إلى إغلاق مصنعه الذي كان مختصا بانتاج اللدائن البلاستيكية، واستقر في العاصمة الأردنية عمّان التي افتتح فيها مصنعا للبلاستك يصدر إنتاجه للعراق.

وعن سبب إغلاق مصنعه في بغداد، كشف الطالب عن أن هناك عدة أسباب، من أهمها تدهور الأوضاع الأمنية في العراق وتدهور الكهرباء الذي أفشل صناعة البلاستك في البلاد، موضحا أن صناعة البلاستك تستهلك كمية كبيرة من الكهرباء وأن أي انقطاع فجائي ولو لدقيقتين فقط، فإنه سيفشل سبيكة البلاستك في الأفران (الخلطة) وبالتالي خسارة كبيرة تقدر بآلاف الدولارات في كل مرة.

واختتم الطالب حديثه لوكالتنا، بالإشارة إلى أنه من غير المجدي اقتصاديا الاعتماد على المولدات الخاصة في صناعة البلاستك، إذ أن التكلفة الكبيرة للوقود وصيانة المولدات وأجور التشغيل، ستأخذ الحيز الأكبر من المدى الربحي لهذه الصناعة، فضلا عن الخسائر المتأتية نتيجة التحويل بين الكهرباء الوطني والخاص.

فساد كبير ينخر الوزارة

يشير العديد من الخبراء والباحثين في الشأن العراقي إلى أن الفساد المالي والإداري هو المعضلة الرئيسية التي تقف عائقا أمام تحسن واقع الكهرباء في العراق، إذ تكشف الباحثة “منى أحمد” في حديثها لوكالة “يقين” عن أنه وبعد مرور قرن على دخول الكهرباء إلى العراق، لا تزال الحكومات المتعاقبة عاجزة عن توفير كهرباء مستمر للمواطنين رغم إنفاق عشرات مليارات الدولارات والتي كانت تكفي لبناء أحدث الشبكات الكهربائية في العالم.

“وزارة الكهرباء تعد من أغنى الوزارات في الحكومات المتعاقبة، نظرا للتخصيصات المالية الكبيرة”

وتضيف أن الفساد في وزارة الكهرباء ينقسم إلى نوعين، أولهما الفساد المالي والعقود الفاسدة والكوميشنات التي استهلكت مبالغ طائلة في مشاريع لم ترى النور، عازية النوع الثاني إلى الفساد الإداري المستشري وعدم توسد المختصين لمواقع صنع القرار في وزارة الكهرباء.

وتضرب أحمد مثالا على الفساد المالي والإداري الذي حدث في إنشاء محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز، وتقول “الجميع يعلم أن العراق بلد نفطي بالدرجة الأولى، وعلى الرغم من توفر احتياطات غاز محلية كبيرة، إلا أنها ما تزال غير مستغلة، وبالتالي، فإن بناء محطات توليد كهربائية تعمل بالغاز بدل النفط الخام أو الديزل، يعد فسادا ماليا وإداريا كبيرا، وهو ما اضطر العراق إلى أن يستورد الغاز الإيراني بملايين الدولارات”.

ويحتل العراق المرتبة 168 عالميا ضمن الدول الخمسة الأكثر فسادا في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية في تقريرها الصادر عام 2018، ويكشف النائب “رياض المسعودي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن العراق أنفق ما يقدر بـ 60 مليار دولار لتحسين واقع الكهرباء في العراق، لكن من دون أن يرى العراقيون أي تحسن ملحوظ خلال الـ 16 عاما الماضية.

ويؤكد المسعودي على أن الفساد في وزارة الكهرباء بدد تلك الأموال، مضيفا بالقول: “انفقت الحكومات المتعاقبة 60 مليار دولار على الكهرباء، لكن البلاد لم تشهد بناء أي محطة توليدية رصينة وفعالة، إذ أن جميع المحطات التي بنيت بعد عام 2003، إما تعمل بالنفط الأسود، وهذه معرضة للتوقف عن العمل عند ارتفاع درجات الحرارة، أو محطات تعمل بالغاز الذي لا يتوفر أصلا في البلاد، وكل ذلك يعد فسادا”.

جهات سياسية وراء الأزمة

أما المستشار السابق في وزارة الكهرباء “حامد يوسف” والذي عمل مستشارا بين عامي (2008-2010)، فإنه يكشف لوكالة “يقين” عن أنه ومن خلال قربه من دائرة صنع القرار في وزارة الكهرباء آنذاك، فإنه اكتشف أن هناك جهات سياسية مدعومة إقليميا لا تريد لواقع الكهرباء أن يتحسن في البلاد.

وأضاف يوسف لوكالة “يقين” بالقول: “هناك جهات داخلية وخارجية تريد أن يستمر واقع الكهرباء على ما هو عليه، إذ أن أي تحسن في الكهرباء الوطنية يعني عودة الصناعة المحلية، وبالتالي يعني تقنين الاستيراد الأجنبي، وهذا ما لا ترضاه إحدى دول الجوار”.

“بعد الانفتاح الاقتصادي وكثرة الاستيراد لأجهزة التبريد والتكييف وزيادة عدد السكان، باتت الشبكة الكهربائية في العراق متهالكة”

وعلى الرغم من أن الحكومات المتعاقبة وعدت بتحسين واقع الكهرباء، إلا أنه وبحسب يوسف، فإن وزارة الكهرباء تعد من أغنى الوزارات في الحكومات المتعاقبة، نظرا للتخصيصات المالية الكبيرة، وبالتالي فإن هذه الوزارة تعد خير وسيلة لتمويل الأحزاب والميليشيات من خلال الرشاوى والكوميشنات وغيرها.

ويعتقد يوسف في ختام حديثه لوكالتنا عن أن العراق سيظل يعاني من تدهور الواقع الكهربائي، إذ أن العراق ينتج حاليا 11 ألف ميغا واط فقط، أما البقية فهي مستوردة ولا تعد عراقية، منوها إلى أن العراق وفي حال بدء حكومته الحالية في إيجاد حل جذري للكهرباء، فإن ذلك يتطلب ما لا يقل عن 10 سنوات على الأقل لإعادة بناء البنى التحتية والمحطات التوليدية ديمومية العمل.

ويختتم يوسف حديثه بالإشارة إلى أنه وفي حال نجحت الحكومة في التعاقد مع كل من شركتي سيمنز الألمانية وجنرال الكتريك الأمريكية، فإن هاتين الشركتين ستكون لهما القدرة على النهوض بواقع الكهرباء في غضون 5 سنوات، لكن البنى التحتية ستحتاج إلى التعاقد مع شركات أخرى مختصة بالنقل والتوزيع، وهنا المشكلة الكبرى، بحسبه.

 مشكلة متراكمة في الكهرباء

عند الحديث عن الكهرباء وانقطاعه المستمر في العراق، يتبادر إلى الأذهان أنها مشكلة توليد فقط، وهذا ليس دقيقا بحسب مهندس الكهرباء الاستشاري “حسن توفيق” الذي كشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن مشكلة الكهرباء في العراق هي التوليد والنقل والتوزيع.

“خط الـ (400 كيلو واط) والذي كان يعد أول خط نقل للطاقة الكهربائية في الشرق الأوسط دمر 100%”

وأضاف توفيق أن العراق عام 2003 كان يعاني من مشكلة واحدة في الكهرباء وهي مشكلة التوليد، والتي أتت بعد حرب عام 1991 والتي أعقبها حصار منع العراق بموجبه من استيراد قطع الغيار اللازمة لإصلاح المحطات المدمرة.

وأشار توفيق إلى أنه وبعد الانفتاح الاقتصادي وكثرة الاستيراد لأجهزة التبريد والتكييف وزيادة عدد السكان، باتت الشبكة الكهربائية في العراق متهالكة، إذ أن حاجة العراق من الكهرباء تضاعفت إلى 250% وبالتالي لم تعد الشبكات القديمة قادرة على تحمل مزيد من الطاقة المنتجة في حال توفرها.

وكشف توفيق عن أن أكبرمشكلة يواجهها العراق بعد التوليد هي النقل، إذ أن الحكومات المتعاقبة لم تفلح في مد أي شبكات نقل جديدة – ضغط عالي- وظل الاعتماد على ما هو قائم أساسا، لافتا إلى أن الحرب الأخيرة على تنظيم الدولة “داعش” دمرت شبكات النقل في مناطق شمال وغرب ووسط البلاد بما نسبته أكثر من 40%.

إذ أن خط الـ (400 كيلو واط) والذي كان يعد أول خط نقل للطاقة الكهربائية في الشرق الأوسط دمر 100%، إذ أن الخط كان ينقل الكهرباء من بيجي إلى كركوك ونينوى، ولم تبدأ وزارة الكهرباء بإعادة تأهيله وبناءه حتى الآن.

وأضاف توفيق أن مناطق غربي الانبار معزولة عن الشبكة الكهربائية الوطنية بفعل الحرب الأخيرة أيضا، وهذا ما يجعل من تحسن الكهرباء في العراق أمرا مستحيلا في المدى المنظور حتى لو ارتفعت الطاقة التوليدية إلى 24 ألف ميغا واط.

مليارات الدولارات

من جانبه يرى الخبير الاقتصادي “عبد الرحمن المشهداني” في حديثه لوكالة “يقين” أن العراق أنفق خلال الأعوام الأربعة الماضية أكثر من 3 مليار دولار على استيراد الكهرباء من إيران، وهذه كانت كفيلة ببناء محطات توليد جديدة ومد خطوط نقل حديثة.

“العراق أنفق خلال الأعوام الأربعة الماضية أكثر من 3 مليار دولار على استيراد الكهرباء من إيران”

واستشهد المشهداني بالتجربة المصرية الأخيرة التي نجحت فيها مصر وبالتعاون مع شركة سيمنز من القضاء على أزمة الكهرباء في غضون عامين، وبتكلفة تبلغ أقل من 5 مليار دولار لم تدفع منها الحكومة أي دولار، إذ أحيل المشروع المصري إلى الاستثمار.

وأضاف المشهداني أنه كان يمكن للعراق أن يستفيد من التجربة المصرية في مجال الاستثمار الكهربائي لولا البيروقراطية الإدارية والقانونية والفساد المالي، إذ يشير إلى أن قانون الاستثمار العراقي رقم (13) لسنة 2006 قيد الاستثمار في مجال الطاقة الكهربائية وتوليدها ونقلها، وبالتالي تحتاج البلاد إلى تعديل التشريعات المختصة بالكهرباء، فضلا عن محاربة الفساد في الوزارة، وهذا ما يزال بعيد المنال وفق المعطيات الحالية.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات