الخميس 17 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تحقيقات »

واقع الزراعة في ديالى.. إلى أين؟

واقع الزراعة في ديالى.. إلى أين؟

هي ديالى التي عرفت على أنها المنطقة الزراعية الأكثر خصوبة في العراق بإنتاج المحاصيل الزراعية من الفواكه والخضراوات منذ عقود، إلا أن حالها اليوم تغير كما تغير واقع البلاد منذ 16 عاما، فمع فرط الاستيراد وقلة دعم المزراعين، هجر مزارعو المحافظة مزارعهم ما تسبب بخسارة البلاد ومعاناة الفلاحين.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” عن واقع الزراعة في ديالى، ليكشف في الأسطر التالية عن حقائق خسارة ديالى لبساتينها ومزارعها، فضلا عن معاناة الفلاحين، كل ذلك مدعوم بالأرقام والاحصائيات من المسؤولين والمزارعين.

تدهور الزراعة في ديالى

“كانت سلة الفواكه والخضراوات العراقية” بهذه الكلمات، يصف المزارع من محافظة ديالى “إياد عبيد” ما كانت عليه المحافظة قبل عقود من الزمن، فمن الفواكه التي تشمل البرتقال والحمضيات إلى الخضراوات بشتى أنواعها، كلها كانت تزرع في ديالى وتسوق إلى باقية المحافظات العراقية.

“منذ الغزو الأمريكي للبلاد في عام 2003 بدأ القطاع الزراعي في العراق وفي محافظة ديالى بالتدهور بصورة غير مسبوقة”

ويحدث وكالة “يقين” عن مزرعته في ناحية العظيم حيث كانت تدر عليه ملايين الدنانير خلال فترة الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينات القرن الماضي، إذ يؤكد أن مزرعته ومنتجاتها من الفواكه والخضراوات كانت تعد من أفضل ما ينتج في العراق حالها كحال بساتين ديالى.

ولفت عبيد إلى أنه ومنذ الغزو الأمريكي للبلاد في عام 2003 بدأ القطاع الزراعي في العراق وفي محافظة ديالى بالتدهور بصورة غير مسبوقة، إذ أن فرط الاستيراد دون فرض الجمارك، إضافة إلى تراجع الدعم الحكومي للمزارعين أدى إلى تدهور كبير في الزراعة في المحافظة.

وعن أبرز ما تعانيه الزراعة في ديالى، كشف عبيد عن أن جميع المزارعين تعرضوا لخسارة كبيرة خلال السنوات الماضية، ما أجبر آلافا منهم على ترك الزراعة والتوجه لمهن أخرى، فالاستيراد المفرط جعل من سعر الفواكه والخضراوات المستوردة أرخص من المنتج المحلي على الرغم من أن نوعه رديء ولا يقارن مع المنتج المحلي بسبب التلاعب الجيني والهرمونات والأسمدة المسرطنة، فضلا عن أن الدعم الحكومي يكاد يكون معدوما، فنادرا ما يستلم المزارعون مشتقات الوقود اللازمة لتشغيل مضخات الرش، إضافة الى أن ما يستلم من مبيدات لا تكفي للمساحات المزروعة.

ويختم المزارع حديثه لـ”يقين” بالإشارة إلى أنه وبعد أن كان يزرع قرابة 3 آلاف دونم في مختلف المزارع التي يمتلكها، فإنه بات الآن يزرع ربع تلك المساحة تجنبا للخسارة، بحسب عبيد.

الزراعة: خسرنا 30% من المزارعين

من جانبه، كشف رئيس لجنة الزراعة في مجلس محافظة ديالى “حقي الجبوري” عن أن المحافظة خسرت أكثر من 30% من مزارعيها بسبب عزوفهم عن الزراعة عازيا الأمر إلى عدة أسباب، أهمها الوضع الأمني وما تشهده مدن المحافظة من تحديات خاصة في المقدادية والعظيم ومناطق أخرى، لافتا في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن هجرة المزراعين لأراضيهم كانت إما اختيارية بسبب الخسائر أو إجبارية بسبب الوضع الأمني.

وأوضح الجبوري أن مزراعي المقدادية أجبروا على ترك الزراعة بسبب استمرار تدهور الوضع الأمني فيها، مع استمرار منع الأجهزة الأمنية كثيرا من المزارعين من الوصول إلى مزراعهم بسبب انتشار بعض خلايا تنظيم الدولة (داعش).

“جميع المزارعين تعرضوا لخسارة كبيرة خلال السنوات الماضية، ما أجبر آلافا منهم على ترك الزراعة والتوجه لمهن أخرى”

وكشف عن أن مناطق العظيم تشهد هجرة المزارعين منها باختيارهم بعد كم الخسارة التي تكبودها نتيجة الاستيراد المفرط للمنتجات الزراعية وشبه انعدام الدعم الحكومي، مع صعوبة تسويق المنتجات الزراعية بسبب الإجراءات الأمنية المشددة على مداخل مختلف مدن المحافظة.

وأشار الجبوري إلى أنه وبعد أن كانت ديالى تسوق منتجاتها إلى مختلف المحافظات العراقية، فإن أسواقها اليوم تكاد تكون خالية من المنتجات الزراعية المحلية، فغالبية الفواكه والخضراوات مستوردة إما من إيران أو تركيا.

وعن آخر كارثة حلت بالزراعة في ديالى، أكد رئيس لجنة الزراعة لوكالة “يقين” ما حل بقرى شمال المقدادية والتي تميزت لسنوات عديدة بأنها كانت من أكفأ مزارع النحل في المحافظة، كاشفا عن أن نحو 30 قرية في شمال المقدادية دمرت مناحلها بالكامل ولم يبقَ منها أي شيء بسبب ما خلّفه تنظيم الدولة لهذه القرى، بالإضافة إلى منع أهلها من العودة إليها بعد استعادتها.

وتابع قائلا: إن فقدان مناحل المقدادية تعد خسارة كبيرة لاقتصاد المحافظة وللمزارعين الذين كانوا يعتمدون في رزقهم على بيع العسل في القرى الـ 30 المنكوبة، بحسب الجبوري.

مطالبات دون جدوى

“المحافظة خسرت أكثر من 30% من مزارعيها بسبب عزوفهم عن الزراعة”

تعاني محافظة ديالى من تدهور كبير في واقعها الزراعي، إلا أن أكثر المناطق تضررا وهجرة لمزارعيها تلك التي استعادتها القوات الأمنية من سيطرة تنظيم الدولة (داعش)، إذ كشف النائب عن محافظة ديالى “أحمد مظهر” عن واقع بائس للزراعة في يالى بعد أن شهدت السنوات الـ 6 الماضية هجرة غير مسبوقة للزراعة، خاصة في المناطق التي استعيدت من التنظيم.

وأشار مظهر في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن المناطق المستعادة في المحافظة شهدت هجرة نحو 50% من مجموع المزارعين فيها، لافتا إلى أن 70% من سكان المحافظة يمتهنون الزراعة، وأن النسبة تصل إلى 80% في المناطق المستعادة من التنظيم.

وأضاف أن هجرة الزراعة كبدت المحافظة خسائر لا تحصى، إذ أن كثيرا من الأراضي الزراعية تضررت من تركها دون عناية وتحولها شيئا فشيئا إلى أراضي تستوجب استصلاحا زراعيا قبل العودة إليها.

ومن جملة الخسائر التي لحقت بديالى نتجية هجرة مزارعيها، كشف مظهر عن أن البطالة تشهد ارتفاعا مستمرا منذ عام 2014، إذ أن معدلات البطالة في المحافظة وصلت إلى نحو 45% مع زخم شديد على العمل باتت تواجهه المهن الأخرى مثل مهنة العمالة وسائقي سيارات الأجرة والباعة المتجولين.

واختتم مظهر حديثه بمطالبته وزارة الزراعة بضرورة وضع خطة خمسية وعشرية للنهوض بواقع الزراعة في المحافظة، مضيفا بالقول: “دائما ما نطالب وزارة الزراعة بتخصيص الأموال للخطة الزراعية في محافظة ديالى، إلا أن وعود الوزارة لم تجد طريقها للتنفيذ منذ سنوات”.

فسخ العقود الزراعية

وتعمل وزارة الزراعة في العراق ومنذ عقود وفق ما يسمى بالعقود الزراعية، التي تقضي بأن المزارع الذي كان قد وقع عقدا مع وزارة الزراعة يستمر في تصرفه بها زراعيا طالما أنه مستمر على زراعة الأرض المؤجرة، ويتستثنى المزارع من فسخ العقود في حال وجود ظروف قاهرة خارجة عن إرادته.

إذ يقول المستشار القانوني “صلاح عبد الله” إن المادة الـ60 من قانون الموازنة الاتحادية رقم (1) لسنة 2019 يقضي بإيقاف فسخ العقود الزراعية في مناطق بغداد وشمال بابل وصلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى، إلا أن ما أثير مؤخرا من نواب في البرلمان عن ضرورة فسخ عقود الأراضي الزراعية للمزراعين الذين لم يعطوا بدل الإيجار لوزارة الزراعة موجة من الغضب بين المزارعين.

“فقدان مناحل المقدادية تعد خسارة كبيرة لاقتصاد المحافظة وللمزارعين الذين كانوا يعتمدون في رزقهم على بيع العسل في القرى الـ 30 المنكوبة

وأوضح عبد الله في حديثه لوكالة “يقين” أن قانون الإصلاح الزراعي رقم 117 لعام 1970 المعدل النافذ ينص على أن للمزارع الحق في استمرار عقده الزراعي ما دام أن المزارع يفي بشروط القانون ويزرع أرضه باستمرار، لافتا إلى أن القانون استثنى المناطق الزراعية التي تواجه ظروفا قاهرة تمنع مزارعيها من استثمار أراضيهم المؤجرة.

وأكد عبد الله أن النص الاستثنائي الذي ورد في القانون ينبطق على جميع المحافظات التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة (داعش)، وبالتالي فإن أي مطالبة أو عمل يؤدي إلى فسخ العقود الزراعية في تلك المحافظات يعد مخالفة صريحة للقانون السابق الذكر ولنص المادة 60 الواردة في قانون الموازنة الاتحادية لعام 2019.

من جهتها، حذرت النائبة في البرلمان “ناهدة الدايني” من مغبة فسخ العقود الزراعية لمزارعي ديالى، كاشفة في حديثها لوكالة “يقين” عن أن هناك جهات حزبية وفصائل مسلحة تعمل على محاولة فسخ العقود الزراعية في مناطق المحافظة التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة (داعش).

وأكدت الدايني على أن أي تحرك في هذا الصدد سيؤدي إلى موجة هجرة كبيرة للفلاحين والمزارعين، خاصة أن هناك محاولات حثيثة من جهات تسعى للسيطرة على المحافظة وتغيير تركيبتها السكانية ديموغرافيا، من خلال العمل منذ الآن والإصرار على إلغاء نص المادة 60 من قانون الموازنة المزمع تشريعه في الموازنة الاتحادية للبلاد للعام 2020.

وزارة الزراعة تعلق

وبالتوجه إلى وزارة الزراعة للحديث عن أسباب تدهور الزراعة في المحافظة ودورها، أكد المتحدث الرسمي باسم الوزارة “حميد النايف” أن الزراعة في العراق شهدت بالفعل تدهورا كبيرا خلال السنوات الماضية، عازيا ذلك إلى جملة من الأسباب اهمها الوضع الأمني وسيطرة تنظيم الدولة (داعش) على مساحات شاسعة معظمها أراضي زراعية، فضلا عن ارتفاع درجات الحرارة الكبير وموجة الجفاف التي ضربت العراق بين عامي 2008 و2017.

“هناك محاولات حثيثة من جهات تسعى للسيطرة على المحافظة وتغيير تركيبتها السكانية ديموغرافيا، من خلال العمل منذ الآن والإصرار على إلغاء نص المادة 60 من قانون الموازنة”

وعن تدهور الزراعة في محافظة ديالى، أضاف النايف في حديثه لوكالة “يقين” أن الوضع الزراعي في العراق وفي محافظة ديالى خاصة بدأ يشهد تحسنا ملحوظا خلال الأشهر الماضية، إذ أن معدلات هطول الأمطار ارتفع بنسبة كبيرة خلال الموسم الزراعي الماضي، لافتا إلى أن قرار وزارة الزراعة بإيقاف استيراد المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية أعاد أكثر من 4 آلاف مزارع إلى مزاولة عملهم الزراعي في محافظة ديالى، على حد قوله.

كما كشف النايف عن أن هناك جهود حثيثة من قبل وزارة الزراعة والأجهزة الأمنية للسماح للمزارعين بالعودة إلى أراضيهم الزراعية في مناطق المقدادية وقراها وناحية العظيم وما جاورها، لافتا إلى أن الأشهر الماضية شهدت عودة 4 آلاف مزارع لمهنة الزراعة وهذا الرقم يعد اندفاعا مبشرا بالخير وحافزا لدفع بقية المزراعين للعودة إلى مزارعهم.

وعن أعداد المزارعين الذي هجروا مهنتهم في ديالى، اختتم النايف حديثه بالتأكيد على أن الوزارة لا تملك إحصائيات دقيقة، لكن العدد قد يصل إلى قرابة 30 ألف مزارع، لافتا إلى أن الوزارة ملتزمة بإيقاف فسخ العقود الزراعية في المحافظة حتى إشعار آخر.

أسباب طائفية

من جهته، يكشف الخبير الزراعي “نصير الجبوري” عن أن جميع ما يقال عن أسباب تدهور الزراعة في ديالى مجتزأ ولا يمثل الصورة الكاملة لما يجري على أرض الواقع.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن الأسباب الحقيقة لتراجع الزراعة في ديالى هي طائفية محضة، إذ أنه وعلى الرغم من الواقع الزراعي يواجه تراجعا في جميع المحافظات العراقية، إلا أن محافظة ديالى كان لها نصيب الأسد في ذلك.

“الأسباب الحقيقة لتراجع الزراعة في ديالى هي طائفية محضة”

وعزا الجبوري أسباب ذلك إلى أن غالبية المناطق التي تعرضت للتهجير في المقدادية والعظيم هي مناطق سنية، وأن التراجع الزراعي فيها بلغ ذروته، بخلاف المناطق التي ترزح تحت حكم الميليشيات منذ سنوات كما في أطراف بعقوبة الجنوبية والخالص، وبالتالي، فإن التراجع الزراعي يعزى الى محاربة المزارعين واضطهادهم وحصار قراهم وبلداتهم ومزارعهم، وذلك يؤدي إلى تكدس المنتجات الزراعية دون تسويقها ما يعود بخسارة على المزارعين الذين فضلوا الامتناع عن الزراعة على الخسائر الكبيرة التي لحقت بهم، فضلا عن أن كثيرا من المزارعين لم يهجروا الزراعة فحسب، بل هجروا المحافظة أساسا.

وأشار الجبوري إلى أنه وبحجة محاربة خلايا تنظيم الدولة (داعش) فإن مديرية زراعة المحافظة تعمد إلى توجيه كافة الدعم الزراعي من مبيدات وأسمدة وبذور ومشتقات نفطية إلى المناطق التي تخضع لحكم الميليشيات، وهذا المؤشر يظهر واضحا من خلال الاحصائيات التي تفيد بأن المناطق الزراعية فيما عدا المناطق السنية لم تشهد انتكاسة زراعية كالتي شهدتها المناطق المستهدفة، على حد قوله.

تغيير ديموغرافي واسع

وفي السياق ذاته، أكد النائب عن محافظة ديالى “رعد الدهلكي” أن التحركات الأخيرة التي بدأتها فصائل الحشد الشعبي والقوات الساندة لها في محافظة ديالى، ترمي لإحداث تغيير ديموغرافي كبير في المحافظة.

“غالبية المناطق التي تعرضت للتهجير في المقدادية والعظيم هي مناطق سنية، وأن التراجع الزراعي فيها بلغ ذروته”

وكشف الدهلكي في حديثه لوكالة “يقين” عن أن فصائل الحشد بدأت في شهر تموز/ يوليو الماضي بالشروع في تنفيذ خطة أمنية، قالت إنها تستهدف القضاء على خلايا تنظيم الدولة (داعش)، إذ تتمثل الخطة بشق طرق واسعة داخل المناطق الزراعية والبساتين، في مناطق المقدادية وغرب المحافظة وإقامة نقاط أمنية فيها.

وأوضح أن الطرق التي ابتدعتها فصائل الحشد قضت بشق طرق داخل البساتين بعرض يتراوح بين 25 إلى 30 مترا، الأمر الذي أدى إلى تجريف آلاف الدونمات من البساتين الزراعية، وبالتالي يكون من المستحيل بمكان أن يستطيع المزارعون الاستمرار في زراعة أراضيهم، في خطة ترمي إلى تهجيرهم قسريا بعد التسبب في خسارة مصادر رزقهم، بحسب النائب الدهلكي.

واختتم الدهلكي حديثه بالإشارة إلى أن الطرق الجديدة يقترب طولها من 30 كيلومترا وعملت على عزل قرى ومناطق المخيسة وأبو كرمة والبساتين المحيطة التابعة لحوض الوقف عن باقي مناطق المحافظة وبساتينها، في مخطط طائفي يهدف الى تغيير ديموغرافي واسع.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات