السبت 07 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » البطالة في العراق »

مناطق العراق المنكوبة.. تراجع اقتصادي وغياب التعويض يفاقم المعاناة

مناطق العراق المنكوبة.. تراجع اقتصادي وغياب التعويض يفاقم المعاناة

شهدت السنوات الماضية ومنذ حزيران/ يونيو 2014 عمليات عسكرية كبيرة في المحافظات الشمالية والغربية، إذ أدت إلى دمار هائل وواسع في محافظات الانبار ونينوى وصلاح الدين وأجزاء من ديالى والتأميم.

إذ وبعد انتهاء العمليات العسكرية قبل نحو عامين، تعيش هذه المحافظات واقعا سيئا اقتصاديا وخدماتيا يفاقم معاناة السكان وسط غياب شبه كامل للتعويضات.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يفصل في التراجع الاقتصادي في هذه المحافظات وأثر غياب التعويضات في حياة سكانها.

أرقام وإحصائيات

يشير العديد من المسؤولين المحليين في المحافظات المنكوبة إلى نسبة الأضرار في المحافظات، إذ يصفونها بأنها كبيرة جدا إلى درجة يصعب معها إعادة الإعمار في المدى المنظور.

“محافظة نينوى وبسبب العمليات العسكرية خسرت ما يقرب من 67 جسرا ومجسرا”

مدير عام دائرة البلديات في محافظة نينوى “عبد القادر الدخيل” كشف عن أن محافظة نينوى وبسبب العمليات العسكرية خسرت ما يقرب من 67 جسرا ومجسرا في المحافظة، 12 منها في مركز المدينة بضمنها 5 جسور رئيسة تربط بين شطري مدينة الموصل الأيمن والأيسر.

ويضيف الدخيل في حديثه لوكالة “يقين” أن هذه الجسور المهدمة دمرت اقتصاد المحافظة وذلك بفصل جانبي الموصل عن بعضهما، فبعد أن كانت منطقة الموصل القديمة هي الشريان الاقتصادي لمحافظة نينوى، باتت اليوم خاوية بسبب الجسور المهدمة وصعوبة التنقل بين جانبي المدينة، الأمر الذي دمر اقتصاد المدينة بشكل كبير.

ويكشف أيضا عن أن جميع الجسور التي عمرت حتى الآن ويقدر عددها بـ 11 كانت بجهود المنظمات الدولية، إذ لم تقدم الحكومة الاتحادية أي دينار لأجل إعادة الإعمار.

أما المهندس “ضياء عبد الحق” الذي يعمل ضمن شعبة الهندسة الاستشارية في ديوان محافظة صلاح الدين، فأكد أن نسبة الدمار في البنى التحتية في المحافظة يقدر بنحو 50%، لافتا لوكالة “يقين” إلى أن البنى التحتية في قضاء بيجي مثلا دمرت كليا وأنها تحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة إعمار المصفى فقط.

وأشار عبد الحق إلى أن الوضع السياسي في المحافظة والفساد والبيرقراطية الإدارية تحول دون تنفيذ كثير من المشاريع التي تبنتها المنظمات الدولية.

“نسبة الدمار في البنى التحتية في صلاح الدين يقدر بنحو 50%”

وتشير تقارير لوكالة “بلومبرغ” الاقتصادية الأمريكية، اطلعت عليها وكالة “يقين” إلى أن العراق خسر ما يقرب من 100 مليار دولار نتيجة دمار البنى التحتية في المحافظات التي كانت تقبع تحت سيطرة تنظيم الدولة (داعش)، إذ أن هذا الرقم هو نتيجة دمار المستشفيات والجسور والمدارس والطرق وشبكات الكهرباء والماء والاتصالات دون احتساب الخسائر العسكرية التي لحقت بالجيش وفقدانه الاف المدرعات والدبابات والعربات القتالية.

من جهته وفي الشان الصحي، يكشف المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة “سيف البدر” عن أن عدد المستشفيات المدمرة في محافظات نينوى وصلاح الدين والانبار يبلغ 34 مستشفى وأكثر من 120 مركزا صحيا، إضافة إلى 6 مراكز تخصصية للأمراض المزمنة في محافظة نينوى.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أنه لم يتم حتى الان إعادة إعمار أي مستشفى أو إعادته إلى وضعه السابق، إذ أن تكلفة اعادة اعمار هذه المستشفيات يبلغ مليارات الدولارات ولا تمتلك وزارة الصحة ميزانية لأجل ذلك، موضحا أن الامم المتحدة تكفلت بإعادة إعمار 5 مستشفيات رئيسة في محافظتي صلاح الدين ونينوى، إلا أن العمل لم يبدأ حتى الان، بحسب البدر.

التراجع الاقتصادي وأثره على المواطنين

“الحكومة الاتحادية في بغداد لم تف بوعودها فيما يتعلق بصرف التعويضات للمتضررين من العمليات العسكرية”

لم يكن يعلم “قيس عامر” أنه سيضطر للعمل على سيارة أجرة من أجل كسب قوت يومه، بعد أن كان يمتلك محلا في قلب الموصل (الموصل القديمة)، وتحديدا في سوق باب السراي.

إذ يشير عامر في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن محله كان يساوي في حال بيعه أكثر من 50 ألف دولار قبل عام 2014، إلا أنه وبسبب الحرب وما أدت إليه من تدمير شبه شامل للمنطقة القديمة في الموصل، بات السوق الذي يقبع محله فيه خاويا إلا من الركام وآثار الحرب.

ويضيف عامر أن السوق وعلى الرغم من بعض إعادة الاعمار الذي تكفل به أصحاب المحلات والعمارات التجاري، إلا أنه لم يعد إلى حاله، إذ لا تكاد تجد أي زبون أو متسوق في السوق، بسبب عزوف الموصليين عن المجيء إلى المدينة القديمة، بسبب صعوبة التنقل والوصول اليها ودمار الجسور الرئيسية الـ 5 الرابطة بين شطريها، فضلا عن غياب التعويضات التي وعدت بها الحكومة، مضيفا بالقول: “الأطلال وحدها هي ما تبقى من أسواق وبيوتات المدينة القديمة”.

ومن الموصل إلى محافظة الأنبار، وتحديدا إلى قضاء القائم، إذ يكشف قائمقام قضاء القائم “أحمد المحلاوي” عن أن 90% من الدوائر الخدمية عادت للعمل مجددا في القائم، إلا أن هناك ركودا اقتصاديا كبيرا في المناطق الغربية في المحافظة.

وكشف المحلاوي في حديثه لوكالة “يقين” عن أن أسباب التراجع الاقتصادي في مناطق غرب الأنبار تعزى إلى عدة عوامل، أهمها دمار البنى التحتية والطرق الواصلة إلى مدينة الرمادي، فضلا عن أن إغلاق المعبرين الحدودين مع سوريا والأردن خلال الفترة الماضية أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة في اقتصاد المحافظة.

التعويضات حبر على ورق

مع انتهاء العمليات العسكرية في العراق رسميا في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2017، أعلن رئيس الوزراء السابق “حيدر العبادي” أنه وبعد انتهاء العمليات، فإن الحكومة ستشرع بتعويض جميع المتضررين من الحرب وأن التعويضات ستكون سريعة ومجزية.

إلا أنه وبعد مرور نحو عامين على هذا الوعد، لم يطبق أي من حيثياته على أرض الواقع، إذ يقول النائب في البرلمان “بشار الكيكي” إن الحكومة الاتحادية في بغداد لم تف بوعودها فيما يتعلق بصرف التعويضات للمتضررين من العمليات العسكرية التي شهدتها عدة محافظات في العراق منذ عام 2014.

“أكثر من 15 ألف معاملة تعويض مروجة في محافظة نينوى ومكتملة ومسلمة إلى لجنة التعويضات”

وكشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن ملف التعويضات بات مسوّفا حاله حال الكثير من الملفات، إذ أن الاجراءات الروتينية والبيروقراطية والمتطلبات الكثيرة تحول دون إكمال كثير من المتضررين لمعاملات التعويض، فضلا عن عدم صرفها لأولئك الذين أكملوها.

“جميلة عبيد” إحدى المتضررات من الحرب في الموصل، تؤكد أن الاجراءات والتعجيزية للدوائر المختصة بالتعويضات تستغرق سنوات، كاشفة لوكالة “يقين” عن أن التدقيق الأمني للمتضررين استغرق منها قرابة العام بعد أن أخبرتها مديرية الاستخبارات في الموصل أن معاملة التدقيق الأمني لها فقدت مرتين، واضطرت لملئ استمارة أمنية ثالثة لتذهب إلى بغداد مجددا وتستغرق أكثر من 4 أشهر.

وحال جميلة هو حال عشرات آلاف المتضررين الذين لم تصرف لهم أي تعويضات حتى اللحظة، إذ أكد النائب عن محافظة الأنبار “يحيى المحمدي” أن قانون تعويض المتضررين المصادق عليه غير مصنف للمحافظات المستعادة من تنظيم الدولة (داعش)، إذ أن التقصير والإهمال هما عنوانا العمل في دوائر التعويضات في جميع المحافظات المنكوبة.

وكشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه ومن بين مئات آلاف المتضررين من العمليات العسكرية وتنظيم الدولة (داعش) لم يستلم سوى 5% منهم تعويضات لا تتناسب مع حجم الضرر، إذ أن جميع المتضررين يخضعون للمساومة والابتزاز، لافتا إلى أن قيمة التعويض لا تتجاوز 20% من قيمة ما خسره أي متضرر، بحسب المحمدي.

ويؤكد هذا الطرح عضو مجلس محافظة نينوى ورئيس لجنة الخدمات والاعمار فيه “عبد الرحمن الوكاع” الذي عن أنه من بين أكثر من 15 ألف معاملة تعويض مروجة في محافظة نينوى ومكتملة ومسلمة إلى لجنة التعويضات المركزية في بغداد، لم ترد سوى قائمة بـ 150 اسما للمشمولين بالتعويض، وأن قيمة التعويض هي 15% فقط من قيمة الضرر المقدر من قبل فرق لجنة التعويضات ذاتها.

“نسبة الفقر في المحافظات المستعادة من (داعش) كانت لا تتجاوز 20% قبل حزيران/ يونيو 2014”

وأضاف الوكاع كشف في حدثيه لوكالة “يقين” أن هناك تقصيرا كبيرا في ملف التعويضات، والمشكلة فيه أن مجلس المحافظة لا يمتلك أي سلطة على لجنة التعويضات، إذ انها مرتبطة ببغداد وتستلم تعليماتها من اللجنة المركزية في العاصمة.

ويؤكد عضو الارتباط في لجنة التعويضات في وزارة المالية والذي يعمل في دائرة خزينة الدولة المسؤولة عن صرف التعويضات “عبد الحميد الراوي” أن ملف التعويضات للمحافظات المستعادة من (داعش) يشهد تباطؤا كبيرا بسبب الأعداد الكبيرة للمتضررين، فضلا عن المتطلبات الكثيرة في معاملة التعويض والتي أقرها مجلس الوزراء في تعليمات خاصة للجنة المركزية للتعويضات.

وأضاف الراوي في حديثه لوكالة “يقين” أنه وفي حال استمرار الإجراءات الخاصة بالنعويض على ما هي عليه، فإن استكمال ملف التعويضات قد يستغرق 10 سنوات أو أكثر.

نسب بطالة مرتفعة

يشهد العراق بصورة عامة ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات قياسية، لكن النسبة تكاد تكون مضاعفة في المحافظات المنكوبة، إذ يكشف المتحدث باسم وزارة التخطيط “عبد الزهرة الهنداوي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن نسبة الفقر في المحافظات المستعادة من (داعش) كانت لا تتجاوز 20% قبل حزيران/ يونيو 2014.

ويضيف أنه وبعد استعادة المحافظات من التنظيم، ونتيجة للعمليات العسكرية والدمار الكبير الذي لحق بها، فإن النسبة ارتفعت إلى ما يزيد عن 40%، مشيرا إلى أن هذه النسبة تعد مرتفعة جدا وتعطي مؤشرات سلبية عن اقتصاد هذه المحافظات.

“الوضع الاقتصادي العام في البلاد متجه نحو مزيد من التدهور في ظل نسبة بطالة تبلغ 22% وضعف هذه النسبة في المحافظات المستعادة”

ويؤكد الهنداوي أن وبعد مرور نحو عامين على انتهاء العمليات العسكرية، فإنه ووفقا للمسح الميداني لوزارته والبرامج التي تنفذها المنظمات الدولية ومن بينها منظمات الأمم المتحدة المختلفة ومنظمة الهجرة الدولية، فإن توقعات الوزارة تشير إلى انخفاض نسبة البطالة في هذه المحافظات إلى نحو 30% في نهاية العام الجاري 2019، خاصة أن برامج الأمم المتحدة (cash for works) بدأت التنفيذ في هذه المحافظات منذ آب/ أغسطس الماضي، لافتا إلى أن هذه البرامج تسهم في توظيف الاف العاطلين عن العمل.

وعن تعويض المتضررين جراء العمليات العسكرية، أوضح أن وزارته ليست مختصة بهذا الموضوع، إلا أنه أشار إلى أن حزم الاصلاحات الأخيرة التي طرحها رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” خلال الأيام الماضية تضم بنودا تتعلق بالتعويضات، فضلا عن توفيرها آلاف فرص العمل، بحسب الهنداوي.

وكان البنك الدولي قد أصدر تقريرا مفصلا عن الوضع الاقتصادي العام في العراق في نهاية عام 2018 محذرا فيه من هشاشة الوضع الاقتصادي في العراق واحتمالية تدهوره في ظل السياسات الحكومية التي أدت وأوصلت البلاد إلى الوضع الحالي.

تقرير البنك الدولي أشار صراحة إلى أنه وما لم تعمل الحكومة على محاربة الفساد ووضع خطط اقتصادية قابلة للتنفيذ، فإن الوضع الاقتصادي العام في البلاد متجه نحو مزيد من التدهور في ظل نسبة بطالة تبلغ 22% وضعف هذه النسبة في المحافظات المستعادة من تنظيم الدولة (داعش) في محافظات شمال وغرب العراق، بحسب التقرير الدولي.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات