الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تحقيقات »

مرض الإيدز.. كيف ينتشر في العراق وما هي الاسباب؟

مرض الإيدز.. كيف ينتشر في العراق وما هي الاسباب؟

مرض فتاك مصاب به ملايين الأشخاص حول العالم، إنه مرض الإيدز الذي بات العراقيون بخشون من انتشاره في العراق بعد ورود تقارير عن أن إحصائيات وزارة الصحة لا تزال عاجزة عن حصر أعداد المصابين الحقيقيين بهذا المرض.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” عن مرض الإيدز وحقيقة انتشاره في العراق وكم هي الأعداد؟ وما أسباب تفشيه وما العوامل التي تساعد على تفشيه في عدد من المحافظات العراقية؟

تضارب في الإحصائيات

اكتشف مرض الإيدز عالميا في عام 1981، إلا أن العراق لم تكتشف أي إصابة فيه بالمرض إلا عام 1986 حينما استورد العراق أكياس دم من شركة (ماريو) الفرنسية، وذلك لمساعدة مرضى الهيموفيليا (نقص الدم الوراثي) والذين كان عددهم يبلغ 238 مريضا، إلا أنه وبحسب أخصائي امراض الدم الدكتور “محمد رياض” فإنه وبعد عامين أي في عام 1988 توفى 199 منهم، وبعد تحقيقات حكومية على أعلى المستويات اكتشف أن أكياس الدم كانت ملوثة بفيروس الإيدز.

“غياب الوعي الشعبي والثقافة الطبية بهذا المرض الفتاك يؤدي إلى مزيد من الإصابات”

ويضيف رياض في حديثه لوكالة “يقين” أن العراق وعلى الرغم من كم الإجراءات التي اتخذها في السنوات الأخيرة بغية الكشف عن مرضى الإيدز، إلا أن جميع هذه الجهود لم تؤت أكلها إلى درجة تمكن وزارة الصحة من إعطاء إحصائية صحيحة، لافتا إلى أن فرض إجراء فحص الدم للمقبلين على الزواج يعد خطوة صحيحة وساهم في كشف العديد من الحالات، إلا أن هناك ثغرات كبيرة في هذا المجال، خاصة أن العراق يستقبل سنويا ملايين الوافدين من دول الجوار في المناسبات الدينية، وهؤلاء لا تجرى لهم أي فحوصات طبية إلا في حال مكوثهم في البلاد لفترات طويلة.

من جانبه، يؤكد المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور “سيف البدر” في حديثه لوكالة “يقين” على أن وزارة الصحة لديها إحصائية بأعداد العراقيين المصابين بمرض الإيدز، إذ لا يتعدى عددهم 241 مصابا فقط نافيا أن يكون هناك أي تفشي للمرض أو ازدياد أعداد المصابين بصورة غير مسيطر عليها.

وعن طرق اكتشاف مرض الإيدز في العراق، يكشف البدر أن العراق لا يزال يفتقر إلى آلية حديثة ومتطورة في الكشف عن المرض، لافتا إلى أن طرق الكشف عن المرض تنحصر في طريقيتين اثنتين، أولاها أن المقبلين على الزواج يجرى لهم اختبار عدم إصابتهم بالمرض، إضافة إلى أن المتبرعين بالدم يجرى لهم اختبار مرض الإيدز قبل اعتماد الدم المتبرع به، بحسب البدر.

ارتفاع في الإصابات

تسجل العاصمة بغداد أكبر أعداد بالمصابين في العراق، إذ يقول مصدر مسؤول في وزارة الصحة لوكالة “يقين” إن أعداد المصابين بالإيدز في العراق سجلت ارتفاعا كبيرا خلال الأعوام الثلاثة الماضية ليصل العدد إلى قرابة الـ 430 مصابا، كان لجانب الرصافة الحصة الأكبر.

وأشار المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية المعلومات، أن العامين الماضيين سجلا إصابة 200 عراقي بالمرض 90% منهم من الرجال.

“العامين الماضيين سجلا إصابة 200 عراقي بالمرض 90% منهم من الرجال”

ولفت المسؤول إلى أن غياب الوعي الشعبي والثقافة الطبية بهذا المرض الفتاك يؤدي إلى مزيد من الإصابات، بحسبه.

أما في محافظة ذي قار فقد كشف مدير قسم الصحة العامة في دائرة صحة المحافظة “حيدر حنتوش” أن عدد حالات الإصابة المسجلة رسميا بمرض الإيدز زادت أكثر من 100% خلال العام الحالي 2019.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن عدد حالات الاصابة بالإيدز ارتفعت إلى 10 حالات بعد أن كانت الإصابات خلال العام الماضي 4 فقط، لافتا إلى أن دائرته أجرت عدة اختبارات على أقارب المصابين للتأكد من عدم إصابيتهم بالمرض، فضلا عن أن الفرق المختصة لا تزال تجري تحقيقا صحيا للتثبت من أسباب إصابتهم فيما إذا كانت نتجية للتلوث أم ممارسات أخرى، بحسبه.

ترهل الإجراءات الوقائية

يعاني العراق ومنذ سنوات من تردي القطاع الصحي فيه وقدم الاجراءات الوقائية للأمراض الفتاكة، بحسب مدير عام المركز الوطني للإيدز التابع لوزارة الصحة “نزار عبد المهدي” الذي يقول في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق وبحسب تصنيف منظمة الصحة العالمية، فإنه يعد من البلدان ذات (التوطن المنخفض) لمرض الإيدز إذ لا تتعدى نسبة الاصابة به 1% فقط، في حين أشار إلى أن أعداد المصابين بالإيدز قد تزيد على الـ450 مصابا في مختلف المحافظات وأن العاصمة بغداد تسجل عدد الإصابات الأكبر، بحسبه.

“المرض ينتقل بطريقيتين الأولى التواصل الجنسي بين شخصين أحدهما مصاب بالإيدز، إضافة إلى العدوى التي تنتقل إما عن طريق دم ملوث أو من خلال الأدوات الملوثة”

وعن الأسباب التي أدت إلى زيادة أعداد المصابين بالمرض، كشف عبد المهدي عن أن العراق لا يزال يعتمد على الفحص المختبري التقليدي في الكشف عن مرض الإيدز، ولا يمكن تأكيد إصابة أي مريض بالإيدز ما لم يتم اعتماد تقرير من فريق التحري الوبائي والذي بدوره يؤكد وجود إصابة بالمرض من عدمها، لافتا إلى أن فريق التحري الوبائي يتواجد في بغداد فقط، وبالتالي فإن إجراءات التأكيد تأخذ وقتا طويلا.

من جانبه، يؤكد عضو لجنة الصحة والبيئة النيابية “حسن خلاطي نصيف” أن إجراءات وزارة الصحة لا تزال قاصرة في الكشف عن المصابين بمرض الإيدز، إذ لا تزال الطرق التقليدية هي السائدة وأن كل من اكتشفت اصابتهم بالمرض كان عن طريق الصدفة فقط.

ويضيف في حديثه لوكالة “يقين” أن على وزارتي الصحة والداخلية أن تفعل إجراءاتها في الكشف عن مرض الإيدز، إذ يجب على الوزارتين أن تلزما جميع العراقيين العائدين إلى البلاد بعد السفر بضرورة الكشف فيما إذا كانوا مصابين بالإيدز أم لا، خاصة أن العراق الآن بلد منفتح وأن آلاف العراقيين يسافرون يوميا من وإلى العراق، وبالتالي فإن الفحص الاجباري لهم بات ضرورة ملحة، خاصة أن جميع دول الجوار تسجل نسبا مرتفعة جدا بالإصابة بالمرض مقارنة مع العراق.

وكشف نصيف عن أن هناك العديد من التوصيات التي كانت لجنة الصحة البرلمانية قد أوصت بها لتفادي انتشار الإيدز، ومنها السيطرة على دور المساج غير القانونية في العاصمة بغداد، فضلا عن إغلاق البارات والمحلات المشبوهة، ومكافحة المخدرات التي باتت تنتشر في العراق كالنار في الهشيم.

واختتم حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن وزارة الصحة لم تولِ أي اهتمام حقيقي بهذا الملف، وأن على الحكومة أن تخصص ميزانية مستقلة لوزارة الصحة تعنى بالأمراض الوبائية ومكافحتها وطرق الوقاية منها، بحسب نصيف.

كيف ينتقل الإيدز؟

“غالبية دور المساج في بغداد تتبع لأحزاب سياسية متنفذة جدا وتعد هذه المحلات مصادر تمويل حقيقية لها”

أما عن طرق انتقال فيروس الإيدز وبالعودة إلى خبير أمراض الدم الدكتور “محمد رياض” فإنه يؤكد في حديثه لـ”يقين” على أن مرض الإيدز يصيب الجهاز المناعي، إذ يسببه فيروس إتش أي في (HIV) وتؤدي الإصابة بهذا الفيروس إلى التقليل من فاعلية الجهاز المناعي للإنسان بشكل تدريجي ليجعل المصابين به أكثر عرضة لانواع من العدوى والفيروسات، ما يعطل دور المضادات الحيوية التي يتراجع تفاعلها مع الجهاز المناعي للإنسان مع مرور الوقت.

وعن طرق انتشار الإيدز والإصابة به، يكشف رياض أن المرض ينتقل بطريقيتين الأولى التواصل الجنسي بين شخصين أحدهما مصاب بالإيدز، إضافة إلى العدوى التي تنتقل إما عن طريق دم ملوث أو من خلال الأدوات الملوثة والحقن المستخدمة في العمليات الجراحية والتي تكون ملوثة بالإيدز.

ويشير إلى أنه ومن خلال عمله في مركز أمراض الدم في العاصمة العراقية بغداد، فإنه اكتشف أن هناك العديد من الحالات لمرضى أصيبوا بالإيدز إما من خلال زيارتهم لدور المساج المنتشرة في العاصمة أو من خلال تعاطيهم للمخدرات التي تحقن في الوريد والتي تكون فيها الإبر المستخدمة مستعملة من قبل وملوثة، بحسب رياض.

دور الأحزاب والميليشيات

كشفت وزارة الداخلية في غير ذي مرة عن حملات مداهمة وتفتيش وإغلاق لعدد كبير من دور ومحلات المساج في أكثر من منطقة في العاصمة العراقية بغداد، إذ يقول الضابط في وزارة الداخلية الذي عرّف عن نفسه لوكالة “يقين” بـ “علي عبد الكريم” إن الحملات التي أطلقتها وزارة الداخلية خلال الـ 15 شهرا الماضية ضد محلات المساج في بغداد أسفرت عن إغلاق ما يقرب من 22 محلا غير مرخص ومشبوه وكان يتخذ واجهة لاعمال غير أخلاقية تنافي قيم المجتمع العراقي.

ويكشف عبد الكريم عن أن عدد من ألقي القبض عليهم في هذه المحلات يربو على 70 شخصا أحيل غالبيتهم إلى دوائر التحقيق، مؤكدا أنه وبعد عدة أيام تم الافراج عنهم بعد وساطات من جهات حزبية اعطت تعهدات بعدم العودة لافتتاح هذه المحلات مجددا، إلا أن ما حدث بعد ذلك كان مغايرا تماما.

ويضيف الضابط أن غالبية دور المساج في بغداد تتبع لأحزاب سياسية متنفذة جدا وتعد هذه المحلات مصادر تمويل حقيقية لها، كاشفا عن أن غالبية دور المساج في العاصمة تتبع لشخصية سياسية معروفة للعراقيين من بينهم ومعمم ولديه تيار سياسي مسمى باسمه.

“مصادر طبية في مصرف الدم المركزي في المحافظة عن تسجيل قرابة 14 حالة إصابة بالإيدز خلال العام الحالي”

ويلفت إلى أن ما يحدث فعليا في هذه المحلات أنها دور دعارة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وعند مداهمتها اكتشفت القوات الأمنية أنها أوكار للدعارة وللأمراض التي تنتقل عن طريق العلاقات غير الشرعية، بحسب عبد الكريم.

ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن وزارة الداخلية عاجزة عن معالجة هذا الملف، إذ أن سلطة الأحزاب ونفوذها أكبر من سلطة أي وزير داخلية في العراق، بحسبه.

 

من بغداد إلى البصرة.. المرض فتاك

على الجانب الآخر وبالذهاب 600 كيلومترا جنوب العاصمة بغداد، وتحديدا إلى محافظة البصرة، كشفت مصادر طبية في مصرف الدم المركزي في المحافظة عن تسجيل قرابة 14 حالة إصابة بالإيدز خلال العام الحالي.

ويقول أحد محللي مختبر فحص الدم في مصرف الدم المركزي في البصرة (م. ح) في حديثه لوكالة “يقين” إن حالات الاصابة بالإيدز التي سجلت في البصرة مؤخرا كانت نتجية تعاطي المخدرات عن طريق الحقن الوريدية.

ويضيف المصدر الذي فضل عدم البوح باسمه الصريح لدواع أمنية، أن إجراءات مصرف الدم عند اكتشاف أي مصاب بالإيدز تتلخص بإبلاغ دائرة الصحة حتى يتم الوصول إلى المريض ومفاتحته بالإصابة بالمرض ومحاولة معرفة كيف انتقل المرض اليه، كاشفا عن 50% من الحالات المكتشفة في البصرة تعود إلى التلوث المصاحب لتعاطي المخدرات.

ويختتم المصدر حديثه بالإشارة إلى أن الحالات الأخرى المكتشفة تعزى إلى العلاقات الجنسية غير الشرعية والتي أقر فيها بعض المصابين بأن العدوى انتقلت إليهم خلال سفرهم إلى دولة مجاورة للعراق.

ثقافة قاصرة

من جهة أخرى، يرى أستاذ الطب الوقائي في جامعة بغداد “سلام الركابي” في حديثه لوكالة “يقين” أن العراق وعلى الرغم من انفتاحه الكبير على العالم وانتشار خدمة الإنترنت إلا أن الثقافة الطبية الوقائية لا تزال قاصرة إلى حد يجعل معها العراق قابلا لانتشار أي وباء فيه بسهولة.

“العراق وعلى الرغم من انفتاحه الكبير على العالم وانتشار خدمة الإنترنت إلا أن الثقافة الطبية الوقائية لا تزال قاصرة”

ويضيف أن انتشار الأمراض الفتاكة عادة ما يكون لأسباب أخلاقية أو جهل طبي غير متعمد، موضحا أن مرضا كالإيدز مثلا ينتقل إما من خلال العلاقات الجنسية غير الشرعية أو تعاطي المخدرات عن طريق الحقن.

ويشير الركابي إلى أن هناك انتشار للمرض ينتج عن الجهل الطبي، فمثلا الأدوات الجراحية الملوثة ومكائن الحلاقة عند محلات الحلاقين، فضلا عن الجروح التي يصاب بها الشخص والتي تعالج بأدوات ملوثة خاصة إذا ما كان ذلك في مكان عام، كل هذا الجهل والتراخي الصحي يؤدي إلى رفع احتمالية الاصابة بالإيدز.

ويؤكد الركابي على ضرورة أن تفعل وزارة الصحة المحاضرات التثقيفية في جميع مؤسسات الدولة كالجامعات والمدارس والمراكز الصحية فضلا عن البرامج الصحية والنشرات الصحية الالكترونية والمطبوعة والتي تساهم جميعها في وقاية البلاد من انتشار مرض الإيدز وغيره من الأمراض الفتاكة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات