جماجم وعظام بشرية وبقايا ملابس لمدنيين بينهم أطفال ونساء وشباب، فضلا عن آثار ثقوب في الجماجم وأصفاد صدأة، كل ذلك تم اكتشافه في مقبرة جماعية كبيرة قرب مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار غربي العراق.

مجزرة أعلن عن اكتشافها قبل أيام، لكن الوقائع فيها تشير إلى شكوك تفيد بأن من دفنوا فيها كانوا مدنيين مختطفين من منطقة الصقلاوية.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يكشف حقيقة هذه المقابر الجماعية ومن الذين نفذوا مجزرتها فضلا عن انتماء المدفونين فيها والاجراءات الحكومية.

“المنطقة التي تم العثور فيها على المقبرة الجماعية لم تكن يوما تحت سيطرة تنظيم الدولة (داعش)”

 

اكتشاف المجهول

“فوجئنا بمجموعة من العظام التي بدأت تظهر عند حفرنا للأرض، وبعد أن ازددنا عمقا في الحفر اكتشفنا أن هناك هياكل عظمية وأن المنطقة تضم مقبرة جماعية“، بهذه الكلمات يروي الشاب من مدينة الفلوجة “عمر الدليمي” قصة اكتشافه ومجموعة من الشباب للمقبرة الجماعية عرضيا على بعد 6 كيلومترات شمال مدينة الفلوجة وتحديدا بالقرب من سيطرة الصقور.

وأضاف لوكالة “يقين” أنه وزملاءه عمدوا إلى إبلاغ النقاط الأمنية في المنطقة ثم الاتصال ببعض معارفهم من ضباط الشرطة المحلية في الفلوجة، ليأتي الطب العدلي والدفاع المدني ويكشف عن مقبرة جماعية تضم عشرات الهياكل العظمية.

وعما شاهده الدليمي وزملاؤه خلال الكشف عن المقبرة، أكد أنهم لم يشهدوا جميع ما حدث، إلا أن الهياكل العظمية الأولى التي اكتشفت كانت هناك أصفاد حول معصم أحدها، بحسبه.

ضابط مسؤول في قيادة شرطة محافظة الأنبار كشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن هناك توجيهات أمنية من أعلى المستويات بعدم الحديث أو السماح لأي كان بالاقتراب من المنطقة التي تم العثور فيها على المقبرة الجماعية.

إلا أن المصدر كشف عن بعض المعلومات الحساسة التي تفيد وتؤكد على أن المنطقة التي تم العثور فيها على المقبرة الجماعية لم تكن يوما تحت سيطرة تنظيم الدولة (داعش) وأن هذه المنطقة ظلت مستعصية على التنظيم لأشهر، وباتت مقرا لقيادة العمليات العسكرية ضد التنظيم ومن بعدها مقرا لعمليات الحشد الشعبي خلال المعارك.

ولم يستبعد المصدر الذي رفض الافصاح عن هويته لأسباب أمنية أن تكون رفات من عثر عليهم فيها تعود لمواطنين من مدن الفلوجة والصقلاوية ممن كان الحشد الشعبي قد اختطفهم في عام 2016 خلال العمليات العسكرية، لافتا إلى أن هناك احتمالية كبيرة للعثور على المزيد من هذه المقابر في المناطق المجاورة لهذه المنطقة.

“أوضح فرحان أن الطب العدلي وفرق مؤسسة الشهداء والمقابر المجاعية هي الجهات التي تشرف على فتح المقبرة والتحقيق فيا”

 

أعداد الجثث في تزايد

من جانبه يكشف قائم مقام الفلوجة “مؤيد فرحان” عن أن أعداد من يتم الكشف عنهم في هذه المقبرة الجماعية التي تقع شمال الفلوجة في تزايد مستمر.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن العدد الحالي وصل إلى ما يقرب من 100 رفات تم الكشف عنها من بينها أطفال، مشيرا إلى أن عمليات الكشف عن المقبرة لا تزال مستمرة ولا يستبعد أن تكتشف الفرق المختصة مزيدا من الرفات أو مقابر جماعية أخرى مجاورة.

وعن الكشف الطبي على هذه الرفات، أوضح فرحان أن الطب العدلي وفرق مؤسسة الشهداء والمقابر المجاعية هي الجهات التي تشرف على فتح المقبرة والتحقيق فيا يتم الكشف عنه فيها، لافتا إلى أن ديوان محافظة الانبار والطب العدلي في الفلوجة يؤكدون على أن وزارة الصحة وعدتهم بالبدء القريب بأخذ عينات الحامض النووي DNA للتأكد من هوياتهم ومطابقتها مع سجل الاحماض النووية لذوي المفقودين قسرا الذين اختطفوا في منطقة الصقلاوية قبل أكثر من 3 سنوات، على حد قوله.

في السياق وعن الاجراءات المتبعة في الكشف عن المقابر الجماعية، يقول مدير فرع محافظة الأنبار في مؤسسة الشهداء والجرحى “عمار نوري” إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحدد مؤسسة الشهداء عدد الرفات التي تم العثور عليها في هذه المقبرة، إذ أن عمليات الاستكشاف لا تزال مستمرة، فضلا عن أن أي عمليات استكشاف جديدة تتطلب موافقات أمنية وقانونية من الوزرات الأمنية ومن العاصمة بغداد.

ولم يحدد نوري في حديثه لوكالة “يقين” عدد الذين تم رفع رفاتهم من المقبرة المكتشفة، فضلا عن أنه لم يؤكد أو ينفي الارقام التي تحدث عنها قائمقام الفلوجة.

 

من الذي ارتكب الجريمة؟

يشير العديد من أعيان محافظة الأنبار إلى أن المقبرة المكتشفة قرب مدينة الفلوجة كانت بفعل إعدام الحشد الشعبي لعدد لا يزال مجهولا من المدنيين الذين اعتقلوا وغيبوا قسريا.

أحد أعيان مدينة الفلوجة والذي عرّف عن نفسه بـ “محمد سلوان” كشف عن أن المنطقة التي اكشتفت فيها المقبرة الجماعية لم يسيطر عليها تنظيم الدولة (داعش) وأنه ليس من المستبعد أن تكتشف عشرات المقابر الجماعية الأخرى خلال الأشهر والسنوات القادمة.

ويؤكد في حديثه لوكالة “يقين” على أنه ومن خلال مقارنة الوقائع والأحداث مع المنطقة التي اكتشفت فيها المقبرة، فإن ذلك يشير إلى احتمالية كبيرة في أن يكون من قتلوا في هذه المقبرة هم من ضحايا حادثة الصقلاوية التي اختطف فيها الحشد مئات الاشخاص واقتادوهم إلى جهة مجهولة.

على الجانب الآخر، يؤكد القيادي في الحشد الشعبي “حسين أبو مؤمل” والذي كان يعمل ضمن قيادات الحشد في محافظة الأنبار قبل نحو عامين، إنه لا يمكن الجزم بأن الحشد أو بعض فصائل الحشد هم الذين قتلوا ودفنوا من اكتشفت رفاتهم في المقبرة المكتشفة شمال الفلوجة.

“الخبير الأمني من محافظة الأنبار “سيف الهيتي” فيؤكد أن المقبرة الجماعية التي اكتشفت شمال الفلوجة تعد امتدادا للمقبرة التي اكتشفت في القائم”

ويضيف أبو مؤمل في حديثه لوكالة “يقين” أن المنطقة التي اكتشفت فيها المقبرة صحيح أنها لم تكت خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة (داعش)، إلا أن كثيرا من عمليات الكر والفر حدثت فيها بين الحشد الشعبي والجيش من جهة وبين مقاتلي التنظيم من جهة أخرى، وبالتالي فإن توجيه الاتهام للحشد منذ الوهلة الأولى يعد غير منطقي وغير عادل، خاصة أنه وحتى اللحظة لم تقم وزارة الصحة أو الجهات المعنية بأي إجراء لفحص الحامض النووي الذي سيقطع الشك باليقين عن أصول المكتشفة رفاتهم، على حد قوله.

أما الخبير الأمني من محافظة الأنبار “سيف الهيتي” فيؤكد أن المقبرة الجماعية التي اكتشفت شمال الفلوجة تعد امتدادا للمقبرة التي اكتشفت في القائم، كاشفا عن أن فصائل معينة في الحشد الشعبي كانت وراء هذه المجازر، وهي كتائب حزب الله والعصائب وبدر، معللا تأكيده بالإشارة إلى المقاطع الفيديوية التي كانت هذه الفصائل قد نشرتها إبان معركة استعادة الفلوجة وما بعدها والتي تُظهر قادة هذه الميليشيات وهم يحثون المقاتلين على التنكيل بأهالي المنطقة.

ويضيف الهيتي في حديثه لوكالة “يقين” أنه وعلى الرغم من مرور أكثر من أسبوعين على اكتشاف المقبرة إلا أن أي إجراءات للبدء بفحص الحامض النووي لم تبدأ بعد، ولعل هناك مساع لطمس معالم المقبرة أو استبدال الرفات لدفع التهمة عن الحشد وميليشياته بعد أن تأكد لأهالي الأنبار أن الحشد هو المسؤول عن المقبرة، إذ أن تنظيم الدولة (داعش) لم يسيطر يوما على هذه المنطقة وظلت منطقة عسكرية على الدوام حتى انتهاء العمليات العسكرية.

 

محاولات للتغطية على الجريمة

من جانبه يرى المحلل السياسي “محمد عزيز” أن هناك محاولة حكومية وبرلمانية للتغطية على اكتشاف أكثر من 3 مقابر خلال الأيام الماضية والتي كشف حتى الآن عن أنها تضم ما لا يقل عن 200 رفات لأشخاص مجهولي الهوية.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن هناك بعض من نواب الأنبار أكدوا على أن لا صلة بين هذه المقابر ومختطفي الصقلاوية في الوقت الذي لم تجرى فيه حتى الآن عمليات فحص الحامض النووي، ما يدل على أن هناك محاولة لطمس معالم الجريمة المكتشفة لاجل مصالح حزبية سياسية على حساب المختطفين.

ويشير أحد شيوخ عشائر الأنبار إلى أن عشائر المحافظة طالبت السياسيين ونواب المحافظة في الأنبار بضرورة فتح تحقيقات موسعة عن هذه المقابر المكتشفة في الأنبار، إلا أن ردهم كان بضرورة عدم التطرق إلى هذه المقابر في الاعلام أو تأجيل طرحها لتجنب مزيد من التصعيد والتوتر السياسي في العراق.

ويضيف شيخ العشيرة الذي فضل عدم الكشف عن هويته مقابل الحديث لوكالة “يقين” عن أن كثيرا من نواب الأنبار باعوا القضية وفضلوا المناصب والكراسي والأموال على حساب الكشف عن مصير مئات المغيبين في المحافظة من الذين اختطفتهم ميليشيات بدر والعصائب وحزب الله وسيد الشهداء والامام علي في مناطق الصقلاوية والرزازة والثرثار وبزيبز وغيرها، بحسب تعبيره.

 

آمال تتضاءل وحزن يتفاقم

ثلاث سنوات مرت على حادثة اختطاف أكثر من 700 مدني من منطقة الصقلاية خلال المعارك بين القوات الأمنية والميليشيات من جهة وبين مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) من جهة أخرى، إلا أن بعض الأمل لا يزال يحذو (أم عمر) التي تؤكد في حديثها لوكالة “يقين” أنها ومنذ اختطاف ابنها (خالد) ذي الـ 21 عاما، لا تزال تمني نفسها بأن تراه مرة أخرى ولو طال الغياب.

أم أحمد التي فقدت 3 من عائلتها خلال الـ 16 عاما الماضية تخشى أن يضاف خالد لقائمة من فجعت بهم، لكن الأمل لا يزال يحذوها وتدعو من الله أن تكون فحوصات الحمض النووي لرفات المقابر الجماعية المكتشفة لا تتطابق مع ولدها.

المستشار القانوني “عماد غائب” يكشف عن أن القانون الدولي الانساني يوجب على الحكومة ووزاراتها أن تسارع الخطى لأجل تحديد هوية المكتشفة رفاتهم وتوثيق الحمض النووي لهم في سجلات كي يتسنى مطابقتها مع من لديه مفقود.

ويضيف في حديثه لوكالة “يقين” أن أكبر مشكلة تواجه الوضع الإنساني في العراق فيما يتعلق بالمختطفين هو تعليق حالتهم بين الحياة والموت، إذ هو في مرحلة بين هاتين قانونيا، وهذا ما يتطلب أن ترفع دعوى قانونية من قبل ذوي المختطف كتبليغ باختفائه ثم تضطر عائلة المفقود إلى أن تنتظر 4 سنوات من تاريخ التبليغ حتى يحكم القضاء بموت المبلغ عن فقدانه.

وأشار غائب إلى أن ذلك يتسبب بمشكلات كبيرة قانونية وشرعية وعرفية وحتى نفسية، إذ أن الزوجة الغائب زوجها تبقى على ذمته، ولا تستطيع العائلة حصر الميراث أو المطالبة بتعويض عن فقدانه، وغيرها الكثير من المشكلات التي تتعلق بالمفقود وذويه.

“المرصد العراقي لحقوق الإنسان فقد كشف في تقارير حديثة نشرت على موقعه عن وجود نحو 25 ألف عراقي مفقود في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين ومناطق الكركوك”

 

انتقادات حقوقية

وكانت نائبة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق “أليس وولبول” قد دعت في وقت سابق وبمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الحكومة في بغداد إلى التحقيق في جميع حالات الاختفاء القسري وكشف مصير المفقودين وأماكن وجودهم أو اعتقالهم وإعادة المحتجزين منهم إلى أسرهم، فضلا عن تحديد المسؤولين عن عمليات الاختطاف والقتل ومحاكمتهم.

وأشارت وولبول إلى أن مجلس الأمن الدولي تبنى مؤخرا، القرار رقم 2474 الذي يدعو أطراف النزاع المسلح في جميع دول العالم إلى البحث عن المفقودين والإبقاء على التواصل مع أسر المفقودين وذويهم وانتشال الموتى (الرفات) وتسجيل وتحديد مواقع الدفن وتسجيل واخطار أُسر المحتجزين في حال تم اكتشاف موتهم، بحسب القرار.

أما المرصد العراقي لحقوق الإنسان فقد كشف في تقارير حديثة نشرت على موقعه عن وجود نحو 25 ألف عراقي مفقود في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين ومناطق كركوك.

وأنتقد المرصد في تقريره الذي اطلعت عليه وكالة “يقين” تأخر الحكومة في الكشف عن مصير المفقودين، مبيناً ان عدد المختفين قسريا والمفقودين في نينوى يتراوح بين 12 إلى 15 ألفا، أما في محافظة الأنبار فقد تجاوز الرقم الـ 6 الاف وفي صلاح الدين 4 آلاف، اعتمادا على تقارير منظمات ولجان حكومية وأهلية، بحسب التقرير.