وكالة يقين

التجارة بالمعتقلين.. هكذا يربح الضباط بمساومة ذوي السجناء

على مدى السنوات الـ 17 الماضية لم يوفر فساد حكام المنطقة الخضراء أي باب للفساد إلا وطرقوه، ولعل أهم ما كشفت عنه السنوات الماضية هو التجارة بالمعتقلين، إذ يعمل كبار الضباط وصغارهم على حد سواء وفي مختلف الوزارات والمؤسسات الأمنية على التجارة بالمعتقلين.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يكشف عن مدى تورط الأجهزة الأمنية ووزارتي الدفاع والداخلية وجهاز الأمن الوطني والميليشيات في عمليات المتاجرة بالمعتقلين واستحصال ثروات هائلة.

السجناء ضحية السياسة في العراق

منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003 ارتفع معدل السجناء في العراق إلى عشرات آلاف ما كان عليه قبل الغزو، إذ يقول الخبير الأمني العراقي “محمد العراقي” في حديثه لوكالة “يقين”، إن السجون العراقية قبل الغزو كانت تضم آلاف السجناء من الذين تمت محاكمتهم بتهم جنائية وجنح ومخالفات قانونية وفق القوانين النافذة في العراق.

“منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003 ارتفع معدل السجناء في العراق إلى عشرات آلاف ما كان عليه قبل الغزو”

ويضيف العراقي أن السنوات التي أعقبت الغزو شهدت زيادة غير متوقعة في أعداد السجناء لكن جميع التهم كانت تصب في خانة ما بات يسميه ساسة المنطقة الخضراء بـ “الإرهاب”، كاشفا عن أن أكثر من 90% من السجناء هم من سكان المحافظات والمناطق من طائفة معينة.

ويكشف العراقي الذي عمل في وزارة الداخلية للفترة بين عامي 2005 و2007 عن أن جميع الذين ألقي القبض عليهم اتهموا بتهم ملفقة تحت وطأة التعذيب، وأنه ومنذ بداية الحرب الطائفية في العراق، شرع العديد من الضباط وأمراء الحرب في استخدام السجناء كورقة اقتصادية، إذ استحصل الكثير من الضباط على مئات آلاف الدولارات من ذوي المعتقلين بحجة الكشف عن مصير ذويهم أو استبدال أوراق تحقيقهم أو تهريبهم من السجون، وهؤلاء الضباط جميعهم كانوا يتبعون لأحزاب سياسية معروفة ويعملون ضمن ميليشيات قدمت من خارج العراق وتحديدا من إيران وذلك بعد الغزو الأمريكي.

من جانبه، يكشف عضو في مجلس النواب عن محافظة ديالى في حديثه لوكالة “يقين” عن أن الطائفية في البلاد كان ضحيتها أبناء طائفة واحدة، إذ أنه ومنذ تولي “إبراهيم الجعفري” سدة الحكم في البلاد بدأت الحرب الطائفية المدعومة من إيران ضد طائفة معينة، ما أدى إلى إزهاق أرواح الآلاف وسجن عشرات آلاف آخرين بتهم كاذبة ترتبط بما يسمى بـ “الإرهاب”.

“جميع الذين ألقي القبض عليهم اتهموا بتهم ملفقة تحت وطأة التعذيب”

ويضيف النائب الذي فضل عدم الكشف عن هويته – بسبب حساسية الموقف السياسي في البلاد – أن آلاف السجناء تعرضوا للابتزاز والاستغلال المادي بدعوى إسقاط التهم عنهم.

وأوضح النائب أن سجون الناصرية والتاجي وديالى وبغداد والبصرة والموصل كانت من أشد السجون التي فتك ضباطها بالسجناء، حتى بات لدى الكثير من هؤلاء الضباط ثروات هائلة من عمليات الابتزاز والمساومة.

ويختتم النائب حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن أي ضابط لم يكن ليجرؤ على مساومة السجناء لولا امتلاكه نفوذا كبيرا وحماية من جهات عليا ترتبط بوزارة العدل والداخلية، لافتا إلى أن السجون العراقية شهدت تواجدا كبيرا لضباط من الحرس الثوري الإيراني فيها، وهؤلاء كان لهم حصص من عمليات المساومة، بحسبه.

كيف تتم المساومة؟

كان لا بد من الوصول إلى أحد العاملين داخل السجون العراقية للتعرف على الكيفية التي تتم بها مساومة السجناء، وبالفعل، استطاعت وكالة “يقين” التواصل مع أحد الموظفين العاملين في سجن التاجي (سيء الصيت) لدى المنظمات الدولية، إذ يقول الموظف الذي عرّف عن نفسه لوكالة “يقين” بالأحرف الأولى من إسمه “ح.ع” إن عمليات المساومة التي تجري داخل سجن التاجي لها أبعاد كثيرة ومتعددة وتشكل كبار الضباط وصغارهم.

“سجون الناصرية والتاجي وديالى وبغداد والبصرة والموصل كانت من أشد السجون التي فتك ضباطها بالسجناء”

ويضيف المصدر أن أبسط عمليات المساومة من قبل الضباط تتم من خلال تواصل مسؤولي السجن مع النزلاء ومطالبتهم بأموال طائلة من أجل تحسين ظروف سجنهم، كاشفا عن أن الغالبية العظمى من السجناء يقبعون في ظل ظروف صعبة للغاية تفتقر لأبسط حقوق الإنسان، إذ يحرم الكثير منهم من التعرض لأشعة الشمس لما يقرب من 15 يوما على أقل تقدير، فضلا عن تحديد فترات الاستحمام بـ 5 دقائق ولكل 7 أيام.

ويلفت المصدر إلى أنه وخلال زيارة ذوي السجناء، فإن النزلاء يطلبون من ذويهم أموالا لأجل إعطاءها للضباط من أجل نقلهم إلى عنابر أفضل ولتعريضهم لأشعة الشمس والسماح لهم بالاستحمام، مؤكدا على أن المساومة تجري على قدم وساق، وأن هناك سجناء دفعوا أكثر من 7 آلاف دولار لكل واحد منهم على مدى عامين كاملين.

ويشير المصدر إلى أن الوجه الثاني للابتزاز يتم من خلال مساومة النزلاء من قبل الضباط من أجل عدم نقلهم إلى سجن الحوت في الناصرية ذي السمعة السيئة، إذ يهدد الضباط النزلاء بطلب نقل بعضهم إلى سجن الناصرية، وبالتالي ونظرا للسمعة السيئة للسجن الأخير واحتمالية تعرض المنقولين إليه إلى التعذيب والإذلال، فإن عائلات هؤلاء النزلاء تضطر لدفع آلاف الدولارات مقابل إبقاءهم في سجن التاجي.

ويختتم المصدر حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن ملف مساومات الضباط وصل إلى حد أن يساوم فيه الضباط النزلاء مقابل السماح لهم بمقابلة ذويهم دوريا، لافتا إلى أن ملف المساومات وما يعود به من أموال على الضباط، بات يتطلب من الضباط أيضا دفع أموال من أجل إبقاءهم في مسؤولية هذا السجن الذي يعد كنزا وموردا ماليا لا ينفد، بحسبه.

“وضع السجون العراقية من الناحية الانسانية عليه كثير من الملاحظات والمؤشرات المتعلقة بحقوق الإنسان”

كان التوجه إلى وزارة العدل السبيل الوحيد لمعرفة مدى صحة الاتهامات الموجهة ضد ضباط تابعين لها في مساومة السجناء في مختلف السجون، وكالة “يقين” تواصلت مع مسؤول رفيع في الوزارة، وكعادة وزارة العدل، رفض المصدر الكشف عن هويته بذريعة عدم تخويله بالحديث لوسائل الإعلام.

إذ يقول المصدر إن جميع التهم الموجهة ضد وزارة العدل وضباطها بمساومة السجناء وابتزازهم غير صحيحة، مشيرا إلى أن هناك حالات فردية من ضباط محددين تم تحديد هوياتهم وأحيلوا للتحقيق وعوقبوا وصدرت بحق بعضهم أحكام قضائية بالسجن وبالعقوبات الإدارية والعسكرية، لافتا إلى أن هذه الحالات كانت في سجون التاجي في محافظة صلاح الدين وفي سجن الناصرية وفي سجن تلكيف في محافظة نينوى على الرغم من أن السجن الأخير تابع لوزارة الداخلية وليس لوزارة العدل، بحسبه.

ويؤكد المصدر على أن مفوضية حقوق الانسان ولجنة حقوق الانسان النيابية تزور السجون وتكتب تقارير دورية، ولم ترد في تقارير هذه الجهات أي معلومات عن مساومات يجريها الضباط ومسؤولو السجون مع النزلاء إلا في حالات معينة ومحدودة تم التعامل معها وفق القانون، بحسبه.

من جهته، يؤكد عضو مفوضية حقوق الإنسان “علي البياتي” في حديثه لوكالة “يقين” على أن وضع السجون العراقية من الناحية الانسانية عليه كثير من الملاحظات والمؤشرات المتعلقة بحقوق الإنسان.

الحكومات المتعاقبة على العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 تتعمد إساءة معاملة السجناء وابتزازهم واستغلالهم”

ويشير البياتي إلى أنه وعلى الرغم من التحسن الملحوظ في وضع السجون العراقية، إلا أن هناك نقاطا عدة لا تزال بحاجة إلى معالجة، إذ أن العراق بحاجة إلى مزيد من بناء السجون بسبب اكتظاظ السجون بالنزلاء وضيق مساحات السجون، لافتا إلى أن مفوضيته وثقت العديد من حالات عدم توافق ظروف السجناء مع معايير حقوق الإنسان العالمية.

وعن المساومات التي يجريها بعض الضباط مع السجناء، يؤكد البياتي على أن مفوضية حقوق الإنسان أشرت بعض هذه الحالات بالفعل ورفعت تقارير دورية بهذه الحالات، مشيرا في ختام حديثه لوكالتنا إلى أن وزارة العدل وإدارات بعض السجون رفضت وفي أكثر من مرة دخول أعضاء المفوضية إلى السجون للتأكد من شكاوى وردت إلى المفوضية تتعلق بمساومات واستغلال وانتهاك لحقوق الإنسان، بحسبه.

خرق للمعايير الدولية

يعد ملف السجون العراقية من الملفات التي تشغل المنظمات الدولية المختصة بحقوق الإنسان، إذ تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش في آخر تقرير لها صدر عام 2020 واطلعت عليه وكالة “يقين” أن السجون العراقية تفتقر لأبسط مقومات حقوق الإنسان، فمن الضرب والإهانة إلى الاعتقال التعسفي وكيل التهم والمحاكمات غير المكتلة، والاستغلال والتعذيب، تؤكد المنظمة على أن الحكومة في بغداد ملزمة وفق القانون الدولي الانساني بتوفير متطلبات السجون الانسانية التي ينص عليها القانون.

مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش “لما فقيه” أشارت إلى أن السجون العراقية تفتقر للمعايير الانسانية، فضيق المساحة وعدم السماح لذوي السجناء بزيارة ذويهم، وبعض حالات المساومة، كلها عوامل تؤكد المنظمة على ضرورة إيجاد حلول سريعة لها.

الخبير الأمني والاستراتيجي “رياض العلي” وفي حديثه لوكالة “يقين” كشف عن أن الحكومات المتعاقبة على العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 تتعمد إساءة معاملة السجناء وابتزازهم واستغلالهم.

“القانون الدولي الإنساني يلزم صراحة جميع الدول الموقعة عليه (ومن ضمنها العراق) بتوفير بيئة إنسانية للسجناء”

ويشير العلي إلى أن هذه المعاملة تنبع من العقلية الطائفية للمسؤولين في المنطقة الخضراء وفي إدارات السجون، لافتا إلى أن الحكومات المتعاقبة وبعد كل ما حصل في البلاد من اقتتال وحرب طائفية لم تدرك خطورة ما تفعله إدارات السجون في خلق مزيد من الكراهية تجاه الدولة ومؤسساتها، وبالتالي، فإن هذه السجون تعد أكاديميات لتكريس مزيد من الكراهية والحقد والضغينة تجاه الدولة ومؤسساتها، ما قد يحول هذه الضغينة إلى عنف مستقبلي في حال لم يتم تداركه.

ويشير العلي إلى أنه وخلال السنوات الـ 3 الماضية، شهدت سجون المحافظات المنتفضة أكبر موجة من الاستغلال والمساومة التي يمارسها كثير من الضباط تجاه المعتقلين والسجناء، ويؤكد على أن سجون تلكيف والفيصلية وتكريت والأنبار مكتظة بالنزلاء الذين دفعوا عشرات آلاف الدولارات لسجانيهم مقابل الحد من وطأة المعاملة السيئة التي يواجهونها أو مقابل السماح لهم بمقابلة المحامين أو ذويهم، بحسبه.

من جهته، يشير أستاذ القانون الإنساني في جامعة بغداد “مجدي التميمي” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن التعامل السيء داخل السجون العراقية كان محصورا ضد أبناء طائفة معينة، إلا أنه ومنذ الأول من تشرين الأول/ اكتوبر الماضي وبدء التظاهرات الشعبية الواسعة في العراق، فإن المنظمات الدولية المختصة بحقوق الانسان سجلت مئات حالات الاعتداء والتنكيل والمساومة ضد المتظاهرين الذين اعتقلوا من ساحات الاعتصام أو اختطفوا من منازلهم، بحسبه.

ويشير التميمي إلى أنه ومن منظور قانوني، فإن هذه الأفعال أضرت بسمعة العراق كثيرا على المستوى الدولي، إذ أن العراق وللعام العاشر على التوالي يسجل أدنى المؤشرات في مؤشر العدالة العالمي، وبالتالي فإن هذا الترتيب يؤثر على مصداقية البلاد، وقد أدى إلى إخراج العراق من مقعده في مجلس حقوق الانسان العام الماضي وهو ما يعد مؤشرا خطيرا على مستوى العدالة الذي وصلت إليه البلاد، بحسبه.

ويشير التميمي إلى أن القانون الدولي الإنساني يلزم صراحة جميع الدول الموقعة عليه (ومن ضمنها العراق) بتوفير بيئة إنسانية للسجناء وتوفير ظروف الحياة الملائمة داخل العنابر، مع وجوب عمل إدارات السجون على تأهيل السجناء وإصلاحهم نفسيا واجتماعيا، وهذا ما تفتقد إليه جميع السجون العراقية ومنذ 17 عاما، بحسبه.