وكالة يقين

السحر والشعوذة جنوبي العراق.. غياب الدولة يفاقم الظاهرة

شهدت السنوات الأخيرة اتساع ظاهرة السحر والشعوذة بمناطق عدة جنوبي العراق ووسطه، ومن ضمنها العاصمة بغداد، ما تسبب بمشاكل كبيرة داخل المجتمع العراقي في تلك المناطق وتشمل مشاكل اجتماعية وأمنية.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يغوص في عمق هذه الظاهرة، ويكشف عن دور السحرة والمشعوذين في التلاعب بحياة العراقيين ودور الحكومة وغياب دورها في الحد من هذه الظاهرة.

السحر والشعوذة

يكشف ضابط مسؤول في وزارة الداخلية وتحديدا في المديرية العامة لمكافحة الإجرام في العاصمة بغداد في حديثه لوكالة “يقين” عن أن هناك عدة أنواع من السحر والشعوذة داخل العراق، إذ يؤكد على أن هذه الظاهرة تتنوع ما بين السحر والدجل وادعاء الاطلاع على الغيب والاتصال بالجان وتحديد نسل الجنين وفك عقدة غير المتزوحين والمتزوجات وصولا إلى ما يعرف بفتح الفال وقراءة الكف.

وعن مناطق تواجد هؤلاء السحرة والمشعوذين وفتاحي الفال، يكشف المصدر عن أن هؤلاء (رجالا ونساء) يتواجدون في جميع المحافظات والمدن العراقية من الشمال إلى الجنوب، غير أنه يلفت إلى أنهم يتركزون في المحافظات الوسطى والجنوبية وخاصة في مدن الناصرية وواسط والبصرة وبغداد وميسان والمثنى وبنسب متفاوتة.

وعن جنسيات أولئك، يكشف المصدر عن أن الغالبية العظمى منهم عراقيون، غير أن عمليات إلقاء القبض المتعددة بحقهم، كشفت عن أن هناك سحرة ومشعوذون من جنسيات أخرى كالباكستانيين والأفغان والإيرانيون وعدد أقل من دول المغرب العربي وخاصة من المغرب، بحسبه.

“بعض أنواع السحر يتم دفنه في المقابر اعتقادا من السحرة أن فك السحر الذي في المقابر صعب الحل”

وعن سبب تركز هؤلاء السحرة والمشعوذين في المناطق الوسطى والجنوبية من العراق، يكشف الباحث الاجتماعي “مصطفى العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه ومن خلال دراسة أشرف على إعدادها حول هذه الظاهرة رفقة عدد من الباحثين، فقد تبين لهم أن هذه الظاهرة يمكن تقسيمها إلى قسمين اثنين، إذ ينتشر القسم الأول من السحرة والمشعوذين في المناطق الفقيرة والنائية والأحياء الشعبية الفقيرة وقرب المقابر أو داخلها، وهؤلاء يعملون في كل مجالات السحر بدءا من التفريق بين الزوجين وصولا إلى ادعاء تحديد جنس الجنين والاتصال مع الجان وغيرها من أنواع الدجل.

ويضيف العبيدي أن القسم الثاني من الظاهرة تتمثل بالسحرة والمشعوذين الأكثر حيلة وهؤلاء ينتشرون في العاصمة بغداد والبصرة ومراكز المدن، وغالبا ما يكون زبائن هؤلاء من المخدوعين من ذوي الدخول العالية ومن طبقات اجتماعية أكثر رقيا من القسم الأول، بحسبه.

وعن سبب انتشار هذه الظاهرة وتحليلها السايكولوجي، يكشف العبيدي لوكالتنا عن أن هناك عدة أسباب، لكن أهمها الجهل – الذي لايعرف غنيا أو فقيرا -،  إذ أن الجهل الديني والابتعاد عن القيم والمبادئ والأعراف الاجتماعية والعشائرية والفقر المدقع والخلاص منه والغنى الفاحش كذلك والحفاظ عليه، كلها أسباب أدت إلى انتشار هذه الظاهرة مع غياب شبه مطلق لسلطة الدولة والقانون في مكافحة الظاهرة، بحسبه.

هي أساليب عديدة يستخدمها السحرة والمشعوذون في دجلهم، بحسب أحد المقربين من مشعوذ يعمل في العاصمة بغداد وألقي القبض عليه قبل نحو عام من الآن، إذ يكشف “حسن كرار” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن السحرة والمشعوذين يقومون بأعمال غريبة وتكاد تكون جنونية، بحسب تعبيره.

ويضيف كرار في حديثه لوكالتنا، عن أن طقوسهم تتنوع بحسب اختصاصهم ما بين تسليط اللعنة على أشخاص معينين يدفع بأسماءهم بعض الجهلة الذين يرومون إلحاق الأذى بغرمائهم أو من يحسدونهم ومقابل مبالغ مالية طائلة جدا وتصل إلى الألف دولار في أحيان كثيرة، فضلا عن استخدام الخرز والخواتم والأحجار التي تدخل في صنعها، لافتا إلى أن هذا الخرز أو الخواتم يتم بيعها بعدة مناطق في بغداد وخاصة في منطقة الكاظمية والنجف وكربلاء وعلى وجه التحديد خلال الزيارات الدينية.

ويشير كرار إلى أن هذه الخواتم والخرز تباع وفق عملها، إذ يدعي المشعوذون أن بعضها يجلب الرزق أو يحل المشكلات الزوجية أو يطرد الحسد أو يجلب الحظ، وأن كل واحدة من هذه تباع بأسعار متباينة وفق ادعاء عملها.

“الأوضاع التي تعيشها البلاد من اضطراب سياسي واجتماعي وفقر وجهل منذ عام 2003 وعدم إدراك الدولة للمخاطر الجمة التي يشكلها هؤلاء على المجتمع، جميعها أدت إلى استفحال الظاهرة”

ويختتم كرار حديثه لوكالتنا بالكشف عن أن مناطق تواجد هؤلاء غالبا ما تكون في المناطق القريبة من القبور، إذ أن بعض أنواع السحر يتم دفنه في المقابر اعتقادا من السحرة أن فك السحر الذي في المقابر صعب الحل ومستعصي على الكشف، بحسب ادعاءه.

أبرز مرتادي السحرة

تتعدد الفئات المجتمعية التي ترتاد دور السحرة والمشعوذين والدجالين بحسب أستاذ علم النفس في جامعة بغداد “حسين يوسف” الذي يؤكد في حديثه لوكالة “يقين” على أن مرتادي السحرة والمشعوذين عادة ما يكونوا من الفقراء والأغنياء وأصحاب النفوذ.

ويكشف يوسف عن أن الطمع والجشع والحسد والغيرة دائما ما تكون الأسباب الرئيسة لزيارة السحرة والمشعوذين، مشيرا إلى أن عدم الإيمان بالقضاء والقدر والرضى بالرزق يدفع مرتادي هؤلاء إلى البحث عنهم ودفع أموال طائلة لهم في مقابل تحقيق مآربهم بفعل خلل سايكولوجي يصيب هؤلاء لجهلهم بحقيقة أن هؤلاء لا يمتهنون سوى الخداع وبيع الأوهام والنصب والاحتيال معتمدين على حقائق معينة يستدرج السحرة زبائنهم إليها من خلال توجيه بعض الأسئلة لهم التي تكشف عن أسرارهم، بحسبه.

“الظاهرة تطورت من خلال تأسيس السحرة والمشعوذين لمواقع وصفحات على موقع التواصل الاجتماعي”

وعن اتساع ظاهرة السحر والشعوذة، يشير يوسف إلى أن الأوضاع التي تعيشها البلاد من اضطراب سياسي واجتماعي وفقر وجهل منذ عام 2003 وعدم إدراك الدولة للمخاطر الجمة التي يشكلها هؤلاء على المجتمع، جميعها أدت إلى استفحال الظاهرة.

إذ يؤكد يوسف في ختام حديثه لوكالة “يقين” على أن الظاهرة تطورت من خلال تأسيس السحرة والمشعوذين لمواقع وصفحات على موقع التواصل الاجتماعي –أهمها الفيسبوك-، يعرضون فيها مهاراتهم وقدراتهم في شراء الوهم من متابعيهم، لافتا إلى أن أكثر ما يثير غرابة الوضع أن يعمد بعض هؤلاء الدجالين إلى تقديم برامج تلفزيونية في حلقات اسبوعية تحظى بمتابعة ويروجون من خلالها لدجلهم، بحسبه.

ابتزاز ونصب وآثار اجتماعية سيئة

تشير الوقائع الميدانية وعمليات إلقاء القبض التي نفذتها مديريات مكافحة الإجرام في مختلف المحافظات إلى أن السحرة والمشعوذين يتقاضون مبالغ طائلة جدا في أعمالهم، إذ يكشف الضابط في مكافحة إجرام بغداد “غزوان العسكري” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن مفارز مديرية مكافحة الإجرام وبناء على تبليغ من أحد الضحايا، ألقت القبض في شهر شباط/ فبراير الماضي على متهم بالسحر.

ويضيف العسكري أن المتهم الذي كان يتخذ من دار في منطقة النهروان (جنوب شرقي بغداد) مقرا لتنفيذ أعماله الدجلية أقر بأعماله وبابتزاز الكثير من النساء، لافتا إلى أن عملية إلقاء القبض عليه تم من خلال إبلاغ امرأة كانت ضحية لابتزازه، بعد أن هددها بنشر صورها عبر الفيسبوك وتهديد علاقتها بزوجها.

ويلفت المصدر إلى أنه ومن خلال عمله في مكافحة الإجرام، فإن مديريته ألقت القبض على العديد من السحرة والمشعوذين، إلا أن اللافت ومن خلال اعترافاتهم أن الغالبية العظمى من مريديهم من النساء اللاتي غالبا ما يطلب السحرة منهم أموالا طائلة، وقد تصل إلى أشياء أخرى لا ترتضيها القيم الدينية والأعراف الاجتماعية، بحسب تأكيده.

“الطقوس التي يستحضرها السحرة غريبة ومرعبة”

وتكشف إحدى النساء التي كانت قد زارت أحد السحرة في مدينة البصرة، أن الطقوس التي يستحضرها السحرة غريبة ومرعبة وأن غرفة الساحر الذي كانت قد زرته مظلمة للغاية ولم يتبين لها وجهه.

وتضيف المصدر التي اشترطت عدم الكشف عن هويتها في حديثها لوكالة “يقين” أن الساحر طلب منها طلبات غريبة وبعضها لا يمكن أن تنفذه على الإطلاق، مشيرة إلى أنه طلب منها كذلك صورا شخصية لها في البيت، بحسبها.

وتختتم المصدر حديثها بالتأكيد على أنها انسحبت من بيت الساحر ونصحت جميع اللاتي تعرفهن بعدم زيارة السحرة تحت أي سبب كان، بحسب حديثها لوكالة “يقين”.

غياب الدولة

يعاني العراق ومنذ سنوات طويلة من غياب القانون وتطبيقه فيما يتعلق بجرائم السحر والشعوذة، إذ يشير المحامي “مصطفى دريد” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه وعلى الرغم من أن السحر والشعوذة يعدان من الظواهر السلبية التي تفتك بالمجتمع، إلا أن القانون العراقي لم يعالجها.

ويضيف دريد أنه لا توجد نصوص قانونية صريحة تعاقب الساحر أو المشعوذ على الرغم من أن بعض أفعال هؤلاء تصل إلى مرحلة تفككك الأسر والموت في أحيان أخرى.

“فقدان الأجهزة الأمنية وخاصة وزارة الداخلية لجهاز استخبارات قوي ومهني جعل من ظاهرة السحر والشعوذة تعوث في مدن الجنوب”

ويؤكد دريد لوكالتنا على أن المعالجة التي نص عليها القانون العراقي تتمثل بقانون العقوبات في مادته الـ 456 والتي تعد أعمال الشعوذة والسحر جرائم نصب واحتيال يهدف إلى الكسب المادي غير المشروع بطرق ملتوية عن طريق الخداع، لافتا إلى أن عدم امتلاك العراق قانونا خاصا بهذه الأفعال يعد لثمة في القانون العراقي الذي أغفل المشرعون سن قانون يحد من الظاهرة التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، بحسبه.

وعن غياب دور الدولة في مكافحة ظاهرة السحر بمختلف مسمياتها، يكشف مصدر مسؤول في وزارة الداخلية – فضل عدم الكشف عن هويته – في حديثه لوكالة “يقين” عن أن مديريات مكافحة الإجرام تعمل في جميع المحافظات العراقية على قدم وساق، إلا أن حيثية مكافحة ظاهرة السحر والشعوذة تعد أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة للقوات الأمنية.

ويضيف المصدر أن عمليات إلقاء القبض على السحرة غالبا ما تتم عن طريق البلاغات، إذ أن السحرة يحيطون أعمالهم بسرية تامة، لافتا إلى أن كثيرا من ضحايا هؤلاء وخاصة من النساء يفضلون عدم الإبلاغ عن السحرة خشية من الفضائح ومن المشكلات العائلية التي قد تطرأ في حياتهم، إذ أن النساء عادة ما يذهبن إلى السحرة من دون علم أزواجهن أو أبناءهن.

ويختتم المصدر حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن وزارة الداخلية ومن خلال مديرية الإعلام في الوزارة تعتزم إطلاق حملة تثقيفية حول مخاطر السحرة والمشعوذين وتشجيع الناس على الإبلاغ عنهم، بحسبه.

أما الخبير الأمني “يوسف الحاج” فيؤكد في حديثه لوكالة “يقين” على أن الحكومات المتعاقبة لم تفلح في حفظ أمن البلاد على مدى الـ 17 عاما الماضية بسبب المحسوبية والطائفية التي تعمل وفقها الأجهزة الأمنية فضلا عن غياب المهنية.

“كثير من السحرة والمشعوذون يعملون بعلم الأجهزة الأمنية من دون أي قدرة للأخيرة على إيقافهم”

ويضيف الحاج أن فقدان الأجهزة الأمنية وخاصة وزارة الداخلية لجهاز استخبارات قوي ومهني جعل من ظاهرة السحر والشعوذة تعوث في مدن جنوب العراق ووسطه، في حالة لم يشهد لها العراق مثيلا على الإطلاق.

ويشير الحاج في حديثه لوكالتنا بالقول: “كثير من السحرة والمشعوذون يعملون بعلم الأجهزة الأمنية من دون أي قدرة للأخيرة على إيقافهم، فضلا عن أن بعضهم يتمتع بحماية أحزاب وميليشيات مرتبطة بإيران، إذ أن كثيرا من السحرة جنوبي العراق إيرانيون ويدخلون البلاد خلال الزيارات الدينية الكثيرة التي تشهدها مدن جنوبي البلاد”.

وعن مخاطر السحر والشعوذة على الشعب العراقي، يختتم الحاج حديثه مؤكدا على أن عمل هؤلاء دمر الحياة الاجتماعية لكثير من الأسر، ما نجم عنه حالات طلاق وتعنيف، فضلا عن اليأس الذي يرافق مرتادي السحرة والمشعوذين ما يؤدي إلى اتجاه اليائسين نحو الأفعال الجرمية وتعاطي المخدرات والكحول، مشيرا إلى أن الحكومة والبرلمان وما لم يعملا على تشريع قانون يتعلق بمكافحة هذه الظاهرة وتفعيل دور الاستخبارات والمراقبة، فإن السنوات القادمة قد تشهد استفحالا أكبر لهذه الظاهرة.