وكالة يقين

موانئ العراق وحدوده المائية.. ضحية فساد المسؤولين 

منذ عام 2003 وعلى الرغم من العديد من اللجان الفنية والبرلمانية التي شكلت لرسم الحدود المائية بين العراق ودول الجوار (الكويت وإيران)، إلا أن أيًا من هذه اللجان لم تخرج بما ينفع العراق.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يسلط الضوء على مشكلة موانئ العراق وحدوده المائية والخطر المحدق بها ومتاجرة السياسيين والمسؤولين بهذا الملف. 

استغلت الكويت ظروف حرب العراق مع إيران في التوسع على حساب الأراضي العراقية، وأنه وبعد حرب الخليج الثانية أُخضِعَ العراق تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي وصف العراق بأنها دولة مهددة للسلم والأمن الدوليين، وخرق المادة (39) من الفصل السابع.

حدود العراق المائية

للعراق منفذ بحري وحيد يطل على الخليج العربي من خلال محافظة البصرة جنوبي العراق بطول ساحل يصل إلى 58 كيلومترا، وهو ما يمثل جزءا صغيرا من حدود العراق الدولية. 

يقول أستاذ الجغرافيا في جامعة بغداد “صادق المحمودي” في حديثه لوكالة “يقين” إن نسبة حدود العراق البحرية لا تتجاوز 1.6% من مجموع حدود البلاد البالغة 3809 كيلومترا.

ويضيف المحمودي أن جميع موانئ العراق الرئيسية تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة البصرة وتحديدا في قضائي الزبير والفاو، وعلى الرغم من ضيق المنفذ البحري للعراق، إلا أن الأخير يعمل على زيادة القدرة الاستيعابية لموانئه من خلال إنشاء ميناء الفاو الكبير وزيادة سعة الأرصفة في الموانئ الحالية النفطية منها والتجارية، بحسب المحمودي. 

ويختتم المحمودي حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن العراق يمتلك 4 موانئ حالية هي ميناء أم قصر وميناء خور الزبير وكلاهما للأغراض التجارية إضافة إلى ميناء الفاو الكبير الذي وضع حجر الأساس له عام 2010م، بينما ميناء البصرة والنفطي وميناء خور العمية مخصصان للنفط، يضاف لهما ميناء المعقل النهري وميناء أم فلوس وكلاهما يقعان على شط العرب.

تقول الباحثة العراقية “شذى زكي” في حديثها لوكالة “يقين” إن خور عبد الله العراقي هو ممر مائي يقع في شمال الخليج العربي بين جزيرتي (بوبيان ووربة) وشبه جزيرة الفاو العراقية ويمتد الخور إلى داخل الأراضي العراقية مشكلا خور الزبير الذي يقع به ميناء أم قصر العراقي.

وتضيف زكي إنه قد تم ترسيم الحدود بين العراق والكويت في المعاهدة البريطانية العثمانية عام 1913م، والتي وضعت نهاية لـ 40 عاما من الصراع بين بريطانيا والدولة العثمانية في منطقة الخليج العربي.

وتكشف زكي أن الكويت استغلت ظروف حرب العراق مع إيران في التوسع على حساب الأراضي العراقية، وأنه وبعد حرب الخليج الثانية أُخضِعَ العراق تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي وصف العراق بأنها دولة مهددة للسلم والأمن الدوليين، وخرق المادة (39) من الفصل السابع.

وتضيف أيضا أنه وفي 2012م وقعت اتفاقية خور عبد الله وهي اتفاقية دولية حدوديّة بين العراق والكويت، وصادق عليها مجلس النواب العراقي تحت مسمى اتفاقية خور عبد الله التي وصفت بالمذلة، بحسبها، مشيرة إلى أنه تمت المصادقة على الاتفاقية في بغداد في الـ 25 من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2013م.

يقول الباحث القانوني “دريد مصطفى” في حديثه لوكالة “يقين” إن السياسيين العراقيين تخلوا عن حقوق العراق المائية أو البحرية من خلال اتفاقية خور عبد الله، كاشفا عن أن الاتفاقية قوبلت برفض شعبي كبير، مؤكدا على أن خور عبد الله يعد الممر الملاحي الوحيد المؤدي إلى معظم الموانئ العراقية، وأن التقسيم بين العراق والكويت جاء مناصفة وليس بناء على خط (التالوك) الذي يعني أعمق ممر يُسمح للملاحة البحرية فيه.

ويؤكد مصطفى على أن العراق وبسبب الصراع السياسي فيه والفساد الداخلي في الحكومات المتعاقبة لم يفلح في الحفاظ على أمن العراق الملاحي، إذ أن الهدف الأساس من اتفاقية خور عبد الله كان خروج العراق من طائلة البند السابع لترسيم الحدود الدولية من أجل إخراج العراق من طائلة هذا البند المذل، وتنظيم الملاحة البحرية والمحافظة على البيئة البحرية في الممر الملاحي في خور عبد الله بما يحقق مصلحة كلا البلدين. 

ولفت إلى أن المصلحة العراقية لم تتحقق وإنما نالت الكويت نصيب الأسد من خلال الرشاوى التي قدمت للمسؤولين العراقيين وللمفاوضين، إذ أدت الاتفاقية إلى الاستيلاء على أراضٍ ومياه عراقية في خور عبد الله، وبهذا لم يصبح للعراق أي منفذ بحري آخر وهي سابقة خطيرة ستزيد من التضييق على الوضع المتردي للاقتصاد العراقي، بحسبه. 

ويختتم مصطفى حديثه لوكالتنا بالتأكيد على أن  العراق حصل من خلال الاتفاقية على حق المشاركة في إدارة القناة الملاحية، لكنه بالمقابل خسر بموجب قرار 833 الأممي المجحف آبارا نفطية كثيرة و أراضي ومياه، وكان الأجدر بالعراق أن يظل طائلة تحت الفصل السابع الذي يعد أكثر رحمة من خنق العراق وفقده لسيادته على مياهه وأراضيه.

أن تصويت مجلس الوزراء الأسبق برئاسة “حيدر العبادي” على منح خور عبد الله للكويت وترسيم الحدود خدم مصلحة الكويت بالمطلق

الفساد يودي بمصالح العراق

اتهامات كثيرة رافقت مصادقة حكومة رئيس الوزراء الأسبق “حيد العبادي“، إذ تؤكد النائبة السابقة في مجلس النواب “عواطف نعمة” على أن تصويت مجلس الوزراء الأسبق برئاسة “حيدر العبادي” على منح خور عبد الله للكويت وترسيم الحدود خدم مصلحة الكويت بالمطلق، واصفة إياه بأنه ملحق استعماري لإتفاقية (سايكس بيكو) الجديدة التي يتم من خلاله منع العراق من الاستفادة من موقعه الجغرافي، في الوقت الذي تستحوذ فيه الكويت على جزء من الأراضي العراقية بفعل التنازلات الحكومية والفساد، بحسبها. 

غالبية أعضاء اللجنة المفاوضة كانوا معينين من قبل الأحزاب والكتل السياسية، وأن اتفاقية خور عبد الله جعلت من العراق حبيس ممر مائي ضيق لا يسيطر على جميع مياهه، بحسبه.

وتضيف نعمة في حديثها لوكالة “يقين” أن الاتفاقية أعطت الكويت الأولوية في التحكم بالقناة الملاحية الأهم للعراق، ما سيؤدي إلى أضرار كبيرة على العراق ولأجل غير مسمى، خاصة أن الاتفاقية وسّعت من نفوذ الكويت الملاحي نحو مقتربات ميناء البصرة النفطي، فأضافت إليها مساحات مائية جديدة على حساب المياه الإقليمية العراقية، بحسبها. 

من جهته، يكشف مصدر مسؤول عمل في لجنة ترسيم الحدود بين العراق وإيران والكويت أن اللجنة عام 2013م وصلت إلى مراحل متقدمة في التفاوض، لكن اللجنة العراقية المفاوضة بدلت رأيها في الأسابيع الأخيرة قبل توقيع الاتفاقية، وعلى نحو مفاجئ، مضيفا أنه وعند التدقيق في المواقف الأخيرة، تبين أن بعض أعضاء اللجنة المفاوضة في عهد رئيس الوزراء الأسبق “نوري المالكي” كانت قد تلقت رشاوى بملايين الدولارات. 

ويضيف المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته مقابل الحديث لوكالتنا عن أن غالبية أعضاء اللجنة المفاوضة كانوا معينين من قبل الأحزاب والكتل السياسية، وأن اتفاقية خور عبد الله جعلت من العراق حبيس ممر مائي ضيق لا يسيطر على جميع مياهه، بحسبه.

ويضيف المصدر أن تصديق حكومة العبادي على الاتفاقية عام 2017م بذريعة إخراج العراق من البند السابع مناقض لقرار مجلس الأمن الدولي رقم (833) الذي أعطى العراق حق الملاحة المطلقة في مياهه، ويعطي صلاحيات أكبر في المناورة وأعمق في التحرك من حق ما يسمى بـالمرور العابر أو المرور الحر باعتباره من الحقوق الصريحة التي منحها القانون البحري الدولي للعراق، مشيرا إلى أن تنازل الحكومة عن الحقوق العراقية الملاحية جاء لرهن مقدرات الوطن مقابل تقلبات المصالح الشخصية وما يتبعها من صفقات فساد كبيرة، بحسبه. 

إيران اللاعب بحدود العراق المائية

منذ عام 2003 فقد العراق سيطرته السيادية على حدوده البحرية والبرية وحتى الجوية، وبات مهبا لكل دول الجوار، بحسب الخبير الأمني “رياض الزبيدي” الذي يكشف لوكالة “يقين” عن أن غالبية دول جوار العراق اخترقت سيادة البلاد بفعل ضعف الحكومات المتعاقبة وتماهيها مع بعض الخروقات. 

ويضيف الزبيدي أن إيران تعد اللاعب الأكثر سوء وإضرارا بالحدود العراقية البرية والمائية، إذ أن هناك أكثر من 14 منفذا بريا على الحدود العراقية الإيرانية افتتحتها إيران برفقة الميليشيات العراقية الموالية لها من أجل التهريب، مؤكدا على أن خفر السواحل الإيراني دائما ما يعتدي على الطواقم العراقية البحرية ويعيق حركة الملاحة في المياه الإقليمية والدولية، بحسبه. 

ومن أكبر الملفات التي استغلتها إيران في خرق الحدود المائية العراقية هو شط العرب واتفاقية الجزائر، إذ يشير العديد من الخبراء والمتخصصين إلى أن العراق اضطر لإلغاء اتفاقية الجزائر بعد سنوات من توقيعها عام 1975م، بعد أن تبين له أن جميع ما تم التوافق عليه بين العراق وإيران عام 1975م لم يطبق إلا من الجانب العراقي.

ومع زيارة الرئيس الإيراني “حسن روحاني” إلى العراق في أيار/ مايو الماضي واتفاقه مع ساسة المنطقة الخضراء على إعادة العمل باتفاقية الجزائر فيما يخص شط العرب، يحذر كثير من المراقبين من مغبة العودة للاتفاقية وكم الخسارة التي سيتكبدها العراق جراء ذلك، إذ أن الأوضاع في شط العرب الآن هي ليست التي كانت عليها وقت توقيع الاتفاقية عام 1975م. 

يقول خبير الملاحة العراقي “ليث محمد” في حديثه لوكالة “يقين” إن الواقع الجغرافي لشط العرب حين وقعت اتفاقية الجزائر تغيرت كليا عما هو عليه الآن، مضيفا أن العراق حينما أقر اتفاقية الجزائر عام 1975م استعان بدهاة القانون الملاحي من العراقيين، إذ لم يغفل العراق أي جزئية. 

إلا أنه وبالعودة إلى تطبيق اتفاقية الجزائر في الوقت الحالي، فإنه لا بد من إعادة التفاوض مع الإيرانيين حول كثير من النقاط التي يرفض الايرانيون التفاوض بشأنها مجددا، خاصة أنهم يعلمون جيدا أن جغرافية وبيئة شط العرب تغيرت كثيرا بعد نحو 45 عاما من توقيعها الأول. 

ويؤكد محمد على أن العراق قد يخسر مجددا نصف شط العرب البالغ طوله 170 كيلومترا، وبالتالي، فإن ذلك سيضيف مزيدا من الأعباء على مجرى النهر الملاحي الذي  يتصف في الجانب العراقي بالفوضى، بسبب غرق السفن التجارية إبان الحرب العراقية الإيرانية. 

من جهته، يكشف مصدر برلماني من محافظة البصرة عن أن العودة لاتفاقية الجزائر يعني خسارة العراق لشط العرب بالكامل، ما يعني خسارة حدود مائية كبيرة تمتد لأكثر من 170 كيلومترا. 

ويضيف النائب الذي فضل عدم الكشف عن هويته عن أنه وعلى الرغم من أن العودة لاتفاقية الجزائر ستفتح المجال لتنظيف شط العرب وكريه مجددا، إلا أن ذلك سيحتم على العراق إنفاق مئات ملايين الدولارات في كري الجهة العراقية التي شهدت خلال العقود الأربعة الماضية ظهور العديد من الجزر التي تكونت على أسطح السفن الغارقة والعبّارات، وبالتالي فالعملية غير مجدية ولن تنفع الاتفاقية العراق في شيء. 

ويكشف النائب عن أنه ليس من مصلحة أي بلد أن يتنازل عن حدوده لصالح بلد آخر من دون وجود مسببات وتبريرات مقنعة ومنطقية، مؤكدا على أن شط العرب عربي وسيظل كذلك وليس لإيران أي دور تاريخي فيه، لافتا إلى أن الفساد السياسي في البلاد والتغلغل الإيراني وتماهي الكثير من الكتل السياسية مع العراق جعلت من البلاد عرضة للنهب والسلب من دول الجوار، بحسبه. 

أما الخبير القانوني في مجال الاتفاقيات الدولية “ناهل الرفاعي” فيكشف في حديثه لوكالة “يقين” أن اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران كانت قد رسَّمت الحدود في شط العرب وفقا لبروتوكول تحديد الحدود النهرية لعام 1975م وتحديدا في منتصف المجرى العميق الصالح للملاحة، مؤكدا على أن الحدود المتفق عليها أشرت رسميا على خرائط مصدقة ومحفوظة لدى الأمم المتحدة بعد توقيع الاتفاقية عام 1975م.

ويضيف  الرفاعي أن  البروتوكول المعتمد نص على: “في حال حدوث أي تغييرات طبيعية في مجرى النهر، فإن خط الحدود المقر في الاتفاقية يتبع هذه التغييرات، أما إذا كانت التغييرات غير طبيعية وبفعل أحد الطرفين الموقعين على الاتفاقية، فإن على الطرف المتضرر أن يطلب خلال عامين من حدوث التغييرات إعادة المجرى إلى مكانه السابق”، مؤكدا على أن جميع التغييرات التي حصلت في مجرى شط العرب كانت نتيجة عوامل غير طبيعية  ومصطنعة من الجانب الإيراني إبان الحرب بين البلدين وإغراق إيران للعديد من السفن العراقية، فضلا عن التغييرات التي أحدثتها إيران بفعل قطع الأنهر النابعة من داخل أراضيها والتي أدت إلى تحول جغرافي في معالم النهر.

ويختتم الرفاعي حديثه لوكالتنا بالتأكيد على أنه ولأجل الحفاظ على حقوق العراق وحدوده المائية في شط العرب، فإنه على الجانبين أن يتفقا على كري شط العرب وفق خط (التالوك) القديم المقر عام 1975م، بحسبه.