تحقيقاتكورونا

أطباء العراق في مرمى كورونا.. لماذا يفتك الوباء بالجيش الأبيض؟

“فعلت كل ما أستطيع لتجنب الإصابة بالفيروس خلال عملي في المستشفى، لكن لا أعلم كيف أصبت” بهذه الكلمات تصف الطبيبة “مها الجبوري” ما جرى معها وكيف أصيبت بفيروس كورونا في إحدى مستشفيات بغداد قبل نحو شهرين. 

مها، الطبيبة الأخصائية في مجال النسائية والتوليد، أكدت في حديثها لوكالة “يقين” على أنها لم تكن تتخيل أن تصاب بالفيروس مع كم الاحتياطات التي كانت ملازمة لها منذ اكتشاف أول إصابة بالعراق. 

تضيف مها التي تماثلت للشفاء بعد 15 يوما على اكتشاف إصابتها، أن قطاع الصحة العامة في العراق يعاني كثيرا، خاصة مع تفشي فيروس كورونا، موضحة أن مستشفيات البلاد باتت موبوءة بالفيروس، ومؤكدة على أن كثيرا من الأطباء أصيبوا وتماثلوا للشفاء من دون أن يعلموا فضلا عن عشرات آخرين أصيبوا وتوفوا.

لا يزال تفشي فيروس كورونا في العراق على أشده مع تسجيل أعداد إصابات مرتفعة كل يوم، إذ وعلى الرغم من أن وزارة الصحة في بغداد تفيد بأن الوزارة توفر جميع مستلزمات الوقاية للأطباء والجيش الأبيض، إلا أن أعداد حالات الإصابة والوفاة في صفوفهم لا تزال مستمرة.

تحقيق لوكالة يقين يرصد الأسباب العملية والميدانية لتزايد الوفيات في صفوف الاطقم الطبية بالعراق بفيروس كورونا.

حالات الإصابة والوفيات بين الأطباء والجيش الأبيض عامة ليست مستغربة في العراق، إذ أن دولا متقدمة طبيا كإيطاليا وغيرها سجلت الكثير من حالات الوفاة والإصابة في كواردها الطبية، خاصة لمن يعملون على مقربة من المصابين

حصيلة الخسائر

هي حصيلة كبيرة سجلتها وزارة الصحة لضحايا فيروس كورونا من الأطباء والطواقم الطبية، إذ كشف مصدر طبي في وزارة الصحة عن تسجيل ما لا يقل عن 40 حالة وفاة لأطباء بفيروس كورونا منذ بدء تفشي الوباء في شباط/ فبراير الماضي في العراق. 

المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته – لعدم تخويله بالحديث لوسائل الإعلام- قال إن أعداد الإصابات بفيروس كورونا بين صفوف الأطباء تجاوز الـ 1500 طبيب وأن كثيرا منهم تماثلوا للشفاء، فيما أشار إلى أن أعداد المصابين بالفيروس من الكوادر الإدارية والتمريضية في وزارة الصحة تجاوز حاجز الـ 5 آلاف شخص. 

من جهته، كشف المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور “سيف البدر” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن مجموع الإصابات الكلي في البلاد تجاوز الـ 144 ألف إصابة، وأن مجموع الوفيات تجاوز الـ 5200 إصابة في عموم المحافظات العراقية بينهم أطباء وكوادر طبية. 

وعن أعداد الإصابات والوفيات بين الأطباء لم يكشف البدر عن أي إحصائية، لكنه أشار إلى أن الوزارة ومنذ الشهر الأول للوباء عملت وبكل ما لديها من إمكانيات على توفير مستلزمات الوقاية للأطباء والكادر الطبي والإداري داخل المستشفيات، مؤكدا على أن العراق تجاوز معضلة نقص الكمامات والقفازات وواقيات الوجه والمعقمات بعد أن تعاقدت الوزارة مع العديد من الجهات المجهزة، فضلا عن إنتاج المصانع العراقية لكثير من مستلزمات الوقاية. 

كما أوضح البدر أن حالات الإصابة والوفيات بين الأطباء والجيش الأبيض عامة ليست مستغربة في العراق، إذ أن دولا متقدمة طبيا كإيطاليا وغيرها سجلت الكثير من حالات الوفاة والإصابة في كواردها الطبية، خاصة لمن يعملون على مقربة من المصابين، بحسبه. 

على الجانب الآخر، يكشف الطبيب “عمار محسن” الذي يعمل في إحدى مستشفيات العاصمة بغداد والمخصصة لمصابي كورونا، عن أنه وعلى الرغم من تحسن وضع التجهيزات الطبية ومستلزمات الوقاية للأطباء والممرضين في مستشفيات بغداد، إلا أنه لا يزال هناك نقص كبير. 

وعزى محسن ذلك إلى أنه ومن الناحية العلمية ولوائح منظمة الصحة العالمية، فإن أي طبيب أو ممرض عليه استبدال جميع ملابسه الوقائية عند مراجعة أي مريض أو تفقد أي شخص مشتبه بإصابته بالفيروس، ما يعني أن العمل لمدة 8 ساعات في المستشفى يتطلب استبدال الملابس ومستلزمات الوقاية ما لا يقل عن 4 مرات، وبغير ذلك لن تكون لمستلزمات الوقاية أي فاعلية. 

أسباب ازدياد الوفيات بين الأطباء

أسباب عدة يكشفها خبير الصحة العامة الدكتور “رضوان شيخو” فيما يتعلق بازدياد أعداد الوفيات والإصابات بين الكوادر الطبية في العراق، إذ يلخص شيخو تلك الأسباب في أربع نقاط، أولها أن الواقع الطبي في العراق سيء للغاية ويكاد يكون منهارا منذ سنوات.

ويكشف شيخو عن أن تخبط وزارة الصحة في إدارة ملف فيروس كورونا سبّب الكثير من الإصابات بين الكوادر الطبية والتمريضية، إذ أن وزارة الصحة كانت قبل أشهر قد أوعزت لجميع المستشفيات – قبل أن تتراجع عن ذلك مؤخرا -، باستقبال مختلف أنواع المرضى حتى ممن لديهم أعراض الإصابة بالفيروس، وهذه المستشفيات غير المخصصة في الأساس للتعامل مع هذه الجائحة لا تشهد التزاما كبيرا من قبل الكوادر الطبية بالإجراءات الوقائية، خاصة أن الكثير من المستشفيات تعاني من انقطاعات مستمرة في التيار الكهرباء فضلا عن ارتفاع درجات الحرارة والتي تفاقم الإجراءات الوقائية منها. 

أما عن النقطة الثالثة، فيكشف شيخو أنه ومن الناحية العلمية المتبعة في دول العالم المتقدمة، فإن الأطباء يخضعون دوريا لفحوصات فيروس كورونا بمعدل اسبوعي، خاصة أن بعض المصابين بالفيروس لا تظهر عليهم أعراض الإصابة مطلقا، وبالتالي فإن هذا الإجراء ساعد في تجنب كثير من حالات العدوى التي كانت ستحصل بين صفوف الأطباء والممرضين في إيطاليا وفرنسا، مؤكدا على أن هذا الإجراء غير معمول به في العراق على الإطلاق، وفق قوله. 

ويختتم شيخو حديثه لوكالة “يقين” بالكشف عن أن غياب الرقابة الطبية من وزارة الصحة جعل كثيرا من الأطباء والممرضين يتغافلون عن ارتداء جميع وسائل الوقاية، ونتيجة لذلك ظهرت إصابات في مراكز صحية ومستشفيات لأطباء وممرضين. 

وبالعودة إلى الطبيبة النسائية “مها الجبوري” وعن أسباب ازدياد أعداد الإصابات والوفيات بين الأطباء العراقيين، تكشف عن أنه وبعد أشهر من الدراسات التي تبنتها مختلف المنظمات الطبية الدولية، فإنه يبدو أن الأطباء وبسبب ملامستهم للأشخاص المصابين، فإن نسبة وكمية جزيئات الفيروس (كوفيد 19) التي يتعرضون لها تبدو كبيرة جدا. 

وتعتقد الجبوري أنه ونتيجة لكم الفيروس الذي يتعرض له الأطباء، فإن الجهاز المناعي ينهار لدى بعض الأطباء ما يؤدي إلى وفاتهم في بعض الأحيان، موضحة أن طبيعة العدوى تختلف من شخص إلى آخر، وأن بعض المصابين بالفيروس تظهر عليهم الأعراض مبكرا وبصورة شديدة، في الوقت الذي يصاب فيه آخرون ولا يعلمون أنهم مصابون، وهنا تكمن مشكلة الفيروس، على حد تعبيرها. 

تأخر التشخيص

مع ازدياد معدلات الإصابة بفيروس كورونا تعاني المستشفيات العراقية من قلة عدد الفحوصات اليومية التي وصلت في حدها الأعلى 18 ألف فحص يوميا بحسب بيانات وزارة الصحة، وبهذا السياق يقول الطبيب الأخصائي بأمراض الجهاز التنفسي “سالم الجميلي” في حديثه لوكالة “يقين” إن تأخر التشخيص يعد سببا رئيسا في ازدياد أعداد الإصابات بالفيروس وخاصة بين الكوادر الطبية. 

ويشير الجميلي إلى أن الإجراءات المتبعة عند إجراء الفحوصات الخاصة بفيروس كورونا تتلخص في أن من تظهر عليه الأعراض ويطلب فحصا للفيروس، فإنه وفي حال حالفه الحظ، تؤخذ له مسحة من الأنف أو البلعوم، مع استمراره في مزاولة عمله وحياته الاعتيادية حتى ظهور النتيجة والتي قد تتأخر ليومين أو ثلاثة في حال كانت المختبرات مكتظة بالمسحات الوبائية. 

ويكشف الجميلي عن أن هذا الإجراء يطبق حرفيا عند التعامل مع الكوادر الطبية والتمريضية في المستشفيات، إذ أن الطبيب أو الممرض الذي يشك بإصابته، يظل يمارس عمله في المستشفيات حتى ظهور النتائج، وهذا يعد كارثة بكل المقاييس، مؤكدا على أن لا همَّ لوزارة الصحة سوى باستمرار العمل في المستشفيات بأي ثمن، وفق قوله.

ويكشف الجميلي في ختام حديثه لوكالة “يقين” عن أن هذا السبب يعد العامل الأساس في تفشي الوباء بين الكوادر الصحية والتمريضية والذي أدى في كثير من الحالات إلى وفاة الكثير منهم.

غالبية المستشفيات العراقية بنيت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي وتعتمد في التبريد والتكييف على وحدات مركزية تربط جميع الأقسام والصالات مع بعضها من خلال أنابيب المفرغات الهوائية والمراوح.

مشكلة تقنية 

لا تكاد تحصر الأسباب التي تؤدي إلى تفشي فيروس كورونا في العراق وبين الأطباء خاصة، إذ يكشف مهندس الميكانيك “أحمد إبراهيم” العامل في إحدى مستشفيات العاصمة بغداد، أن تقنيات التبريد والتكييف القديمة في المستشفيات العراقية تعد عاملا مهما في تفشي فيروس كورونا داخل المستشفيات العراقية، خاصة أن الكثير من المؤشرات كشفت عن أن المستشفيات باتت موبوءة بشكل كبير. 

يكشف إبراهيم عن المشكلة الفنية التي تواجهها المستشفيات والتي لم تجد وزارة الصحة حلا لها، إذ أن غالبية المستشفيات العراقية بنيت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي وتعتمد في التبريد والتكييف على وحدات مركزية تربط جميع الأقسام والصالات مع بعضها من خلال أنابيب المفرغات الهوائية والمراوح. 

يضيف إبراهيم أن تقنيات التبريد والتكييف القديمة التي كانت متبعة آنذاك، لم تكن تضم وحدات تقنية لمعالجة وترشيح الهواء من البكتيريا والفيروسات، وبالتالي فأي انتشار لجزئية الفيروس في أي غرفة في المستشفى، فإن نظام التبريد والتكييف كفيل بنقلها لجميع الغرف والصالات المرتبطة معها بذات وحدة التكييف او التبريد، إذ أن جميع الطوابق والردهات مرتبطة معا من دون اعتماد مبدأ الفصل بين الطوابق -الأجنحة الطبية-، وفق المعايير التي باتت معتمدة منذ بداية القرن الحالي. 

وعن إمكانية معالجة هذه المشكلة، يضيف إبراهيم لوكالتنا أنه ومن الناحية العملية، فإنه وإذا ما أرادت وزارة الصحة الحفاظ على التبريد والتكييف داخل المستشفيات، فإن عليها إعادة تصميم هذه الوحدات من جديد واستبدال وحدات التبريد القديمة والمفرغات الهوائية، وبغير ذلك لا يوجد حل سحري لهذه المعضلة سوى بإطفاء وحدات التبريد والتكييف وإيقافها عن العمل نهائيا، وهذا الحل سيتسبب بمشاكل أخرى خاصة في أجواء العراق اللاهبة صيفا. 

وكالة “يقين” وفي سعيها للحصول على إجابة من وزارة الصحة فيما يتعلق بالمشاكل التقنية في وحدات التبريد والتكييف داخل المستشفيات، تواصلت مع عدة مسؤولين في وكالة الوزارة للشؤون الفنيىة، إلا أن جميع من تواصلت معهم الوكالة رفضوا الإدلاء بأي تصريح حول هذه المشكلة.

وبالانتقال إلى محافظة نينوى التي دُمِّرت غالبية مستشفياتها إبان الحرب الأخيرة ضد تنظيم الدولة (داعش) والتي سجلت مؤخرا وفاة أكثر من 5 أطباء بفيروس كورونا، يكشف أحد أطباء مدينة الموصل في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه وبالإضافة إلى جميع الأسباب السابقة التي أدت إلى تفشي الفيروس وتسببه بوفاة عشرات الأطباء والكوادر الصحية، فإن مستشفيات الموصل تعاني من نقص كبير في الكوادر الطبية. 

وعزا الطبيب الذي فضل عدم الكشف عن هويته – خوفا من عقوبات إدارية –، أن كثيرا من أطباء محافظة نينوى يقيمون في مدن شمال العراق (كردستان)، ونتيجة لفرض حظر التجوال ومنع التنقل بين المدن، فإن الموصل خسرت كثيرا من كوادرها الطبية المقيمة هناك، ما زاد من العبء على الأطباء المتواجدين داخل المدينة. 

يكشف الطبيب المختص بالتخدير عن أن الضغط الكبير على الأطباء وارتداءهم الملابس والتجهيزات الوقائية لفترات طويلة يجعلهم يتغافلون في بعض الأحيان عن إجراءات السلامة بسبب حرارة الجو ودمار مستشفيات الموصل وبناها التحتية من أجهزة تبريد وتكييف، وبالتالي فإن أي تفريط بإجراءات السلامة يعرض الأطباء لمخاطر محدقة للإصابة بالفيروس الذي قد تكون نتيجته الوفاة. 

كما يكشف طبيب التخدير في ختام حديثه لوكالتنا عن أن محافظة نينوى تضم 60 طبيب تخدير فقط، إلا أن المتواجدين فعليا لا يزيد عن 40 طبيبا، أما الآخرون فيقيمون في محافظات كردستان، وبالتالي شهدت الموصل إصابة بعض اطباء التخدير بالفيروس نتيجة الضغط الكبير الذي يكابدونه، بحسب تعبيره. 

وعن هذه المعضلة، يؤكد مدير صحة نينوى “فلاح الطائي” في حديثه لوكالة “يقين” على أن مدينة الموصل تعد أكثر المحافظات العراقية ترديا في واقعها الصحي، إذ لم تشهد المدينة إعمار أي مستشفى رئيس فيها على الرغم من مرور أكثر من 3 سنوات على انتهاء العمليات العسكرية، فضلا عن أن دائرة صحة نينوى بذلت مجهودا كبيرا لأجل السماح للأطباء المقيمين خارج الموصل بالعودة إليها لمباشرة العمل في المستشفيات، إلا أن جميع المخاطبات مع وزارة الصحة والمحافظة لم تأت بشيء. 

الطائي أوضح أن التدخلات السياسية في عمل دائرة صحة نينوى فضلا عن المحسوبية والوساطات أدت إلى أن يظل الأطباء بكردستان في إجازة مفتوحة مع حاجة الموصل الملحة لعودتهم. 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق