الأحد 24 يونيو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة الأدوية »

مغشوشة ومنتهية الصلاحية.. أدوية إيرانية تضاعف معاناة المرضى في العراق

مغشوشة ومنتهية الصلاحية.. أدوية إيرانية تضاعف معاناة المرضى في العراق

قسم التحقيقات – العراق

تعاني عوائل ثلاثة متوفين في جنوب العراق -وهم أحدث ضحايا الأدوية الإيرانية- من محاولات لتزوير الوقائع، وتغيير أسباب الوفاة من قبل مسؤولين متنفذين، يحاولون المحافظة على سمعة الأدوية الإيرانية المتدهورة أصلًا في عموم العراق، وبما فيه إقليم كردستان، فيما يؤكد مختص باستيراد الأدوية، أن تدخلات حزبية تساهم في إضافة أعداد جديدة من الشركات الإيرانية المصدرة للدواء ضمن الجدول المعتمد من قبل وزارة الصحة، بالرغم من رداءتها وعدم منافستها لمثيلاتها العالمية.

وبالرغم من امتناع عائلة الظالمي عن الحديث في ملابسات وفاة أحد أبنائهم في شهر شباط / فبراير من العالم الحالي؛ إلا أن مصدرًا مقربًا منهم أكد أن تقرير الوفاة الشرعي حددها بنوبة صرع قوية حصلت له ، فيما أوضح طبيبه المعالج أن الدواء الذي تناوله منذ فترة لم يؤدَّ الغرض منه، والسبب: أن المتوفى لم يلتزم بشراء الدواء الأصلي، واستمع لنصيحة من صيدلي باعه دواء رخيصًا كان المتسبب بالوفاة.

دواء إيراني رخيص ومميت

وقال المصدر الساكن في الحي ذاته، الذي تعيش فيه عائلة الظالمي في حي الجزائر، بمدينة الديوانية “مركز محافظة القادسية جنوب العراق” لــ”وكالة يقين“: إن المتوفى -والبالغ من العمر 47 عامًا- كان يعاني من نوبات صرع متفرقة، ويخضع للعلاج بواسطة دكتور أعصاب مشهور في المدينة، وهو الذي وصف له دواء سويسريًا خاصًا بنوبات الصرع، ولكن المتوفى اشترى شبيهًا لهذا العقار بناء على نصيحة من صيدلاني باعه دواء إيراني بسعر رخيص، وتأثير مميت ،على حد تعبيره.

“هناك أكثر من 30 شركة إيرانية متخصصة بصناعة الأدوية وتسويقها، ومعتمدة من قبل وزارة الصحة العراقية”

وأوضح المصدر لـــ”وكالة يقين”، أن عائلة الظالمي -وأثناء مراجعتهم للمستشفى وطبيب ابنهم المتوفى- تعرفوا على عائلتين لديهم المشكلة ذاتها مع العقار الإيراني الرخيص، وقاموا برفع مخاطبات إلى الجهات الرسمية في حكومة المحافظة، وتم إنصافهم بشكل جزئي بعد إصدار تصريح رسمي من أعلى مسؤول مختص بالملف الصحي في مجلس المحافظة، والذي تحدث صراحة عن دور الدواء الإيراني وتسببه المباشر بتسجيل حالات وفاة بالمحافظة.

ولفت المصدر أن عوائل المتوفين الذين كانوا ينتظرون من الحكومة أن تحقق وتطالب بحقوقهم وتعويضهم من الشركة المتضررة، ومثلما هو متعارف عليه في كل دول العالم؛ فوجئوا بسيل من الانتقادات والاتهامات وصلت حد تكذيبهم من قبل وزارة الصحة، التي وصفت مأساتهم بأنها “معلومات عارية عن الصحة” ، مضيفًا بأن هذه التصرفات شجعت حتى السفير الإيراني الذي تحرك لمنع توسع دائرة الشكاوى من أدويتهم، وأكد “أن هذا الموضوع لا أساس له من الصحة” من دون أي تحقيق أو حتى استفسار من ذوي الضحايا.

وكان رئيس لجنة الصحة في محافظة القادسية (باسم كبان الكرعاوي) قد أكد في بيان صحفي تسجيلهم ثلاث وفيات وإصابات أخرى جراء استخدام  دواء إيراني المنشأ ، مبينًا أن الدواء سجل فشلًا في التجارب المختبرية، ويشكل خطرًا كبيرًا على حياة المواطن، محملًا وزارة الصحة المسؤولية القانونية عما جرى لكونها معنية بشكل مباشر فيما يتعلق بحياة المواطنين وتأمين المستلزمات العلاجية لهم.

سمعة سيئة للأدوية الإيرانية

ومع أن سمعة الأدوية الإيرانية تأتي في ذيل قائمة اختيارات المواطن العراقي إلا أن الصيدلاني (براء الحسان) يبين أن سعرها الرخيص هو الذي يغري المرضى، وخصوصًا الفقراء منهم على شرائها الذي يكون محفوفًا بمخاطر عديدة، منها عدم كفاءة الدواء، وتفاقم الحالة المرضية، أو أن يكون الدواء أصلًا منتهي الصلاحية، وتم تهريبه إلى العراق لتصريفه في السوق الدوائي الذي يعاني الفوضى.

“الأدوية المهربة يتم شحنها في حاويات معدنية تستغرق وقتًا في الشحن والنقل البري، وفترة أطول تبقى في العراء بداخل الميناء”

ويبين الصيدلاني الحسان لــ”وكالة يقين”: إن مشكلة أغلب الأدوية الإيرانية أنها تكون مفتقرة إلى المركبات الكاملة من المادة الفعالة، والتي تعد الأغلى في تركيب الدواء، وبالتالي فإنها تكون رخيصة لأن فعاليتها محدودة أو منعدمة ، مستشهدًا بعقار الامبيرازول الذي يستخدم في أمراض الجهاز الهضمي، وتباع العلبة ذات الــ28 حبة من منشأ انكليزي بــ20 ألف دينار، في حين نجد ذات العقار الدوائي وبعلبة من 100 حبة يباع بخمسة آلاف دينار، ولكنها من منشأ إيراني.

وينفي الحسان وجود شيء اسمه أدوية الفقراء، أو أن تكون هناك شركات تقوم بتصنيع أدوية خاصة بذوي الدخل المحدود؛ لأن الشركات تتعامل بمبدأ المنافسة فيما بينها، وممكن أن تخفض الأسعار بحدود هامشية وبسيطة، ولكن أن يباع العقار الدوائي المنتج في الدولة بربع سعر مثيلة المنتج في الدولة، فهذا مؤشر على تلاعب واضح في التركيبة الفعالة للدواء.

ومن ضمن 5 صيدليات زارها معد التحقيق في مناطق متفرقة من بغداد وأربيل؛ فإن واحدة فقط كانت تبيع أدوية إيرانية، وبأنواع محدودة جدًا، بينما أوضح صاحبها أنها مهداة إليه مجانًا من وكلاء ومندوبين لشركات أدوية إيرانية، لافتًا إلى أن قلة أو انعدام الطلب على أدوية المنشأ الإيراني تدفع زملاء المهنة إلى عدم العمل بها.

وزارة الصحة تصر على جودة المنتج الإيراني

لكن تهاوي سمعة الأدوية الإيرانية في العراق، وعموم الأسواق الإقليمية لم تمنع وزارة الصحة من الاستمرار بإضافة شركات إيرانية جديدة ضمن قائمة الشركات الموردة للأدوية و المعتمدة في الوزارة، فضلًا عن توقيع اتفاقيات بشكل مستمر مع وزارة الصحة الإيرانية .

وفي هذا السياق يؤكد (أكثم نبيل السراج)، وهو صاحب مكتب علمي متخصص بتجارة الأدوية والخدمات الطبية في منطقة الحارثية ببغداد؛ أن هناك أكثر من 30 شركة إيرانية متخصصة بصناعة الأدوية وتسويقها، ومعتمدة من قبل وزارة الصحة العراقية، بالرغم من عدم وجود سوق حقيقي لهذه الأدوية في بغداد، والمنطقتين الغربية والشمالية، وآخر ضعيف جدًا في المحافظات الجنوبية.

“مسكنات آلام ومهدئات نفسية، لا تصرف إلا بوصفة طبية وبأسعار ليست رخيصة، نجد منها نسخًا إيرانية مقلدة في أسواقنا المحلية، وتباع بمبالغ أقل بكثير من مثيلاتها المصنعة عالميًا”

ويشرح السراج لــ”وكالة يقين”، أنه -وبحسب التصنيف المعتمد من قبل مكتبهم المتعارف عليه مع بقية المختصين- واستنادًا إلى حجم الطلب والمبيعات؛ فإن الأدوية الانكليزية والسويسرية وعموم الأوربية هي في الصدارة، ويأتي بعدها السعودي والأردني والهندي والمصري، مع التذكير بأن هذه الدول لا تعني أنها صانع للأدوية، ولكن معظمها حاصل على ترخيص من المصنع الأم في أوربا، وتحديدًا سويسرا لصناعتها في هذه الدول، ومبينًا أن هناك دول مشهورة ومتقدمة جدًا في صناعة العقاقير الطبية، ولكنها لا تصدر إلى العراق، ولهذا لا تتواجد في تصنيفهم.

وكانت وزير الصحة العراقية (عديلة حمود) قد أعلنت في شهر آذار/ مارس الماضي، وعقب اجتماع لها مع مسؤول رفيع في وزارة الصناعة والتجارة والمناجم الإيراني؛ سعي وزارتها لاستيراد أدوية مصنعة من الجانب الإيراني ضمن اتفاقات مبرمة بين الطرفين، مؤكدةً عملها على منح تسهيلات لها، فيما شددت على وجود شركات إيرانية تنتج أدوية ناجحة وفعالة، بحسب تعبيرها.

تهريب مستمر لأدوية فاسدة

وبحسب (فاضل طعمه المعموري) -العامل في مديرية التفتيش التابعة للهيئة العامة للجمارك– فإنه لا يمضي شهر في عمله في محافظة البصرة من دون أن يكتشفوا كميات من الأدوية المهربة التي تصل بحمولة اعتيادية، ومسجلة ألعاب أطفال، أو مواد مكتبية، أو أدوات احتياطية للسيارات، ولكنها في الحقيقة أدوية، وأغلبها منتهية الصلاحية .

المعموري الذي تحدث إلى “وكالة يقين” مشترطًا عدم تسمية المناطق القادمة منها المهربات؛ أوضح أن الأدوية المهربة يتم شحنها في حاويات معدنية تستغرق وقتًا في الشحن والنقل البري، وفترة أطول تبقى في العراء بداخل الميناء، وهي بالأصل منتهية الصلاحية، مستغربًا من الحال الذي تصل به إلى المريض، والمفعول الذي تقوم به .

وبشأن الكميات التي يتم العثور عليها؛ يوضح المعموري أنها تتراوح بين حاويتين أو ثلاثة في كل شهرين، باستثناء شهر نيسان/ أبريل الماضي، الذي شهد مصادرة أكثر من 150 طنًا من الأدوية والمستلزمات المختبرية تم التحفظ عليها، موضحًا أن مرافقهم الطبي تحدث عن أدوية ذات استخدام مزدوج يتم تهريبها، وتباع على أنها مواد مخدرة، وتلقى رواجًا بين أوساط المدمنين.

ناشط: عقاقير الإدمان مصدرها الشلامجة

لكن الناشط المدني المتخصص في مجال التوعية بأضرار الإدمان (وسام النعماني)؛ كان أكثر توضيحًا في وصف الأماكن التي تأتي منها الأدوية ذات الاستخدام المزدوج، موضحًا أن الحدود الإيرانية ومنفذ الشلامجة على وجه الخصوص؛ يشهد إدخال أكبر كمية من العقاقير الطبية المخصصة لعلاج حالة مرضية معينة، ولكنها في الوقت ذاته تستخدم في الإدمان لما تسببه من شعور بالاسترخاء المؤقت.

ويلفت النعماني في حديث لــ”وكالة يقين” إلى أن عقاقير مثل الترامادول والفاليوم المصنعة مسكنات آلام ومهدئات نفسية، ولا تصرف إلا بوصفة طبية وبأسعار ليست رخيصة، نجد منها نسخًا إيرانية مقلدة في أسواقنا المحلية، وتباع بمبالغ أقل بكثير من مثيلاتها المصنعة عالميًا، أو حتى عربيًا، مستدركًا بأن بعض هذه الأدوية تم منعه بموجب تعليمات رسمية صادرة إلى أصحاب المذاخر والصيدليات، بعد تفاقم استخدامه في مجال الإدمان، ولكنه بالرغم من ذلك لازال موجودًا وبكثرة.

ومع استمراره بالعمل في مجال التعريف والتوعية  بأضرار الإدمان، وتأثيراته المدمرة على مستوى الفرد والعائلة والمجتمع؛ إلا أن النعماني واثق بأنه وغيره من منظمات المجتمع المدني لن يحققوا تقدمًا يذكر من دون وجود دور حكومي حقيقي وفعال في هذا المجال، وعبر محاور يذكر منها: إقرار ضوابط وتعليمات صارمة في مجالي الاستيراد والتقييس والسيطرة النوعية، وتغليض العقوبات على المهربين، وتفعيلًا حقيقيًا للرقابة في السوق الدوائي، وقبل هذا كله مكافحة المحسوبية وإنهاء سياسة المكيال المزدوج، التي تحمي وتغطي الفاسدين والمتلاعبين بأرواح المواطنين .

المصدر:وكالة يقين

تعليقات