الجمعة 22 يونيو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تحقيقات »

اسطوانات الغاز الايرانية.. حوادث مميتة وخسائر مادية جسيمة

اسطوانات الغاز الايرانية.. حوادث مميتة وخسائر مادية جسيمة

قسم التحقيقات – بغداد، أربيل

للمرة الرابعة على التوالي تفشل (بتول جياد العكيلي) “أم أحمد” في استبدال أسطوانة الغاز التي بحوزتها حيث يرفض البائع المتجول الأهلي والحكومي، وحتى محطة الاستبدال في حي الجهاد “غربي بغداد” استلامها منها أو استبدالها بأسطوانة غاز أخرى؛ والسبب أنها إيرانية، وتعتبر في عرف أهل المهنة خسارة غير قابلة للتعويض، بينما يعتبرها المواطن بمثابة قنبلة موقوتة موضوعة في المنزل.

ولا تملك أم احمد أي طريقة سوى التوسل بالبائع ومسؤول المحطة من أجل الموافقة على الاستبدال، مبينة أنها اشترتها من بائع جوال في منطقتهم بالشارع التجاري في حي الجهاد، ورفض بعد أسبوع أن يستلمها منها، وأنكر أن يكون هو من باعها ، مطالبًا إياها بالدليل على كلامها، وهي لا تعرف إن كان يتوجب عليها أن تلتقط صورة مع كل باعة الغاز؛ حتى يحق لها فيما بعد أن تعيد لهم أسطواناتهم المغشوشة.

مشكلة كل العراق

وتشير المرأة الأربعينية إلى أن بائعي الاسطوانات يعرفون كيفية تمرير القناني المغشوشة، فهم يبيعونها إلى النساء الكبيرات في السن أو الأطفال حين يكلفهم أهلهم بمهمة إخراج القناني أمام المنزل وانتظار البائع المتجول ، مستدركة بأنها كانت متنبهة لهذا الأمر وتتخذ احتياطاتها، ولكنها وقعت في الفخ حين استبدلت قنينة أصلية بأخرى مغشوشة بشكل احترافي.

“المتاجرين بهذه الاسطوانات يقومون بإدخال تغييرات عليها من أجل إخفاء حقيقتها”

وتبين العكيلي لــ”وكالة يقين” أن محاولاتها غير المجدية دفعتها إلى التفكير بجدية لإرسال قنينة الغاز مع أحد أقاربهم الساكنين في أربيل من أجل استبدالها هناك، والخلاص من كابوسها قبل أن يخبرها قريبهم بأن المشكلة ذاتها قائمة هناك، حيث تدور يوميًا النقاشات وحتى المشاجرات بين الأهالي وباعة اسطوانات الغاز الذين يتحينون الفرص لبيع القناني الإيرانية وتمريرها، ولكنهم يرفضون استبدالها لاحقًا.

وفي شمال العراق، وتحديدًا “حي هافلان” في أربيل تواجه الخمسينية (كولاله عثمان) المشكلة ذاتها، فهي تمتلك 4 أسطوانات غاز في المنزل، وبمرور الزمن والتبديلات أصبحت لديها 3 أسطوانات إيرانية تمثل مشكلة كبيرة لها، حيث يتكرر السيناريو ذاته من قبل الباعة الذين يرفضون استبدالها، حتى ولو بمقابل مالي مرتفع؛ لأن معمل المدينة يمتنع وبشكل قاطع عن استلامها منهم.

وتوضح كولاله لـــ”وكالة يقين”، أن كثرة عدد الاسطوانات الإيرانية لدى المواطنين دفع بالباعة إلى تنظيم اتفاق مع معمل التعبئة يتضمن استلام الأسطوانة من المواطن مع ثمنها مقدمًا، وتعبئتها في المعمل وإعادتها إلى المواطن ، مضيفةً أنه هذا الحل الجزئي هو أقصى ما استطاع المسؤولون أن يتوصلوا إليه لحل المشكلة ، مؤكدةً أنها -وبحكم هذه الطريقة- بات عليها أن تنتظر لعدة أيام حتى يتم إعادة الاسطوانة إليها بعد تعبئتها.

الأسطوانة الإيرانية تتسبب بحادثتين في شهر واحد

ومع اعترافه بوجود الكثيرين ممن يمتهنون تجارة تمرير أسطوانات الغاز الإيرانية على المواطنين، إلا أن البائع المتجول (ياسر سهيل التميمي) يرفض أن يقوم بهذا الفعل، مؤكدًا أنه لا يستطيع إطعام أطفاله من هذا الفعل الحرام، خصوصًا وأنه كان شاهدًا على حوادث حريق وإصابات، وحتى وفيات حصلت لعدد من مشتري قناني الغاز الإيرانية في بغداد.

“موضوع الاسطوانات الإيرانية بات يمثل مشكلة تواجه كل منزل في العراق، فهي تمثل خطورة بالغة على السلامة”

البائع الشاب قال لــ”وكالة يقين“: إنهم في مهنة الباعة المتجولين لاسطوانات الغاز يتداولون أخبار المهنة، ومنها الخاصة بحوادث الأسطوانات المغشوشة ، لافتًا إلى أن آخر حادث سمعوا به من هذا النوع أودى بحياة امرأة وإصابة ابنتها في منطقة اليوسفية “جنوب بغداد” حين انفجرت عليهن اسطوانة غاز، كُنَّ يستخدمنها في الخبز على تنور حديدي، بينما شهدت منطقة حي العامل في الشهر ذاته حادثًا مماثلًا نتج عنه احتراق منزل بشكل كامل جراء استخدام اسطوانة مماثلة كانت مستخدمة في مدفأة غازية.

ويبين التميمي أنه شخصيًا لا يبيع أي اسطوانة من هذا النوع و لا يستلمها من المواطن؛ لأنه لا يستطيع تحمل خسارتها المادية التي يصفها بأنها لا يمكن تعويضها، حيث ترفض جميع مصانع الغاز أن تستلمها منهم ، مبينًا أن هذا لا يمنع أن يكون هناك أشخاص في هذه المعامل لديهم اتفاقات مع باعة من أجل إعادة تعبئة هذه الاسطوانات، وبيعها إلى المواطنين من أجل إدامة هذه التجارة التي تعتمد على مبدأ دفع الفرق.

ويوضح البائع التميمي للوكالة، أن دفع الفرق هو أسلوب يعمل به  العديد من باعة الاسطوانات، أو حتى بعض المعامل، وتتلخص بأن يدفع لهم المواطن مبلغ 25 ألف دينار من أجل الموافقة على استبدال الاسطوانة الإيرانية بأخرى عراقية ، لافتًا إلى أن هؤلاء الباعة يأخذون هذه الاسطوانات إلى إعادة التعبئة في المعامل، ويتحينون الفرصة لإعادة بيعها إلى مواطن آخر يتورط بها، ويضطر إلى الدفع والاستبدال حتى تستمر هذه العملية التي يكون البائع والمعمل هم الرابحين والمواطن كالعادة هو الخاسر ، بحسب تعبيره.

فني: هذه طريقة تمويه الاسطوانة وكيفية اكتشافها

أسباب انفجار الاسطوانات الإيرانية يوضحها الفني العامل في معمل غاز التاجي “شمال بغداد” (لطيف محسن)، بأنها ناجمة عن السُّمْك القليل في بدن الأسطوانة الإيرانية، والذي يصل إلى نصف مثيله المستعمل في الاسطوانة العراقية ، مبينًا أن الاسطوانات المحلية المطابقة لشروط التقييس والسيطرة تتحمل ضغطًا يصل إلى أكثر من 100 بار، في وقت لا تتحمل الاسطوانة الإيرانية أكثر من 38 بار مما يجعلها عرضة للانفجار.

وبخصوص تمييز هذه الاسطوانات والتعرف عليها؛ يشير محسن إلى أن أول علامة عليها هي طلاؤها باستمرار لإخفاء هويتها وعلاماتها، ومنها وجود الكتابة بأحرف انكليزية على قاعدتها الكبيرة والمرتفعة مقارنة بالاسطوانات الأصلية، فضلًا عن صغر المنطقة العليا والتي تحمل منها الاسطوانة، وحجم منفذ الغاز الذي يكون كبيرًا ولا يتوافق مع العديد من منظمات الغاز المنزلية المستخدمة في العراق.

ويضيف الفني المتخصص لـــ”وكالة يقين”، أن المتاجرين بهذه الاسطوانات يقومون بإدخال تغييرات عليها من أجل إخفاء حقيقتها، فهم يستبدلون القاعدة السفلية بأخرى مستخدمة في الاسطوانات المحلية، وكذلك القبضة العليا لها يتم تغييرها بأخرى أصلية تحمل شعار غاز العراق ، بينما لا يستبعد أن يحصل هؤلاء الباعة على قطع الغيار الأصلية من خلال علاقات مادية مع عاملين في مصانع صيانة الأسطوانات الحكومية.

20 الف اسطوانة في بغداد وحدها

“تتحمل الأطراف الحكومية المختصة هذه المسؤولية، فهي التي سمحت أو غضت النظر عن دخول هذه الاسطوانات في البداية”

وفي السياق يقدر (علاء مزهر المكصوصي)، من إعلام شركة الغاز التابعة لوزارة النفط، عدد الاسطوانات الايرانية وغيرها من ذات الجودة المنخفضة الموجودة في العاصمة بغداد بأكثر من 20 الف أسطوانة، فضلًا عن أعداد أخرى من ذات الاسطوانات منتشرة في باقي المحافظات.

وينفي المكصوصي في تصريح لـــ”وكالة يقين” أن تكون لوزارة النفط أي علاقة باستيراد هذا النوع من الاسطوانات فيما يشير بأصابع الاتهام إلى من يسميها أطراف استغلت الأوضاع الأمنية وبعض ضعاف النفوس من أجل إدخال أعداد كبيرة من هذه الاسطوانات عبر الحدود.

وبخصوص دورهم في التصدي للمشكلة يوضح المكصوصي أنهم قاموا بحملة موسعة للتوعية بمخاطر هذا النوع من الاسطوانات ووجهوا تحذيرات إلى المواطنين حتى يتنبهوا لها ويقومون بالإبلاغ عن أي بائع أو معمل يروج لهذا النوع من الاسطوانات، مشددًا على أن وزارة النفط ترفض تعبئة هذه الاسطوانات وإعادتها للتداول بين المواطنين لما فيها من مخاطر كبيرة.

خبير يحمل وزارة النفط المسؤولية

من جانبه يرى الخبير الاقتصادي (عبد الصمد المشهداني)، أن موضوع الاسطوانات الإيرانية بات يمثل مشكلة تواجه كل منزل في العراق، فهي تمثل خطورة بالغة على السلامة من جهة، وخسائر مادية لا يمكن تعويضها حين تشتري الأسطوانة المغشوشة بمبلغ 50 ألف دينار، وتعود إلى دفع نصف الثمن رشوة إلى البائع من أجل استبدالها فقط.

ويؤكد المشهداني لـــ”وكالة يقين”، أن المواطن ليس له ذنب في هذا الأمر، وهو يدفع مرغمًا في وقت يجب أن تتحمل الأطراف الحكومية المختصة هذه المسؤولية، فهي التي سمحت أو غضت النظر عن دخول هذه الاسطوانات في البداية، وتقاعست فيما بعد عن إيجاد آلية لاستبدال هذه الاسطوانات وسحبها من المواطنين ، داعيًا وزارة النفط إلى تحمل مسؤوليتها تجاه المواطن من خلال الإسراع بجمع هذه الاسطوانات، وتعويض الذين يمتلكونها من المواطنين بأخرى أصلية، وردع المتاجرين بهذه البضاعة الخطرة.

ويستغرب المشهداني من الإصرار على دخول هذا النوع من الاسطوانات إلى العراق، في وقت تتواجد مصانع حكومية كبيرة تتبع لوزارة الصناعة والمعادن، وبعضها متخصص منذ أكثر من 30 سنة في مجال تصنيع أسطوانات الغاز ذات الجودة العالية ، مستفسرًا عن المصلحة من تعطيل أو تقليص عمل مصنع ينتج 500 ألف اسطوانة سنويًا، في ظل تواجد وفرة كبيرة من الموظفين والمختصين في وزارتي الصناعة والنفط.

النفط: نقص الأموال يعيق مشروع استبدالها

إلى ذلك برر المتحدث باسم وزارة النفط (عاصم جهاد) عدم قيامهم بسحب الاسطوانات غير المطابقة للمواصفات، واستبدالها بأخرى أصلية؛ إلى حاجة هذه الخطوة إلى الكثير من الموافقات الحكومية وأموال طائلة، قال: إن وزارته تعجز عن توفيرها في الوقت الحالي.

وناشد جهاد في بيان، أطلعت “وكالة يقين” عليه؛ الجهات المختصة والمشرفة على المنافذ الحدودية أن يقوموا بمنع دخول مثل هذه الاسطوانات التي تشكل خطرًا على المواطنين ، موضحًا أنهم في وزارة النفط سبق وأن حذروا من التعامل بهذه الاسطوانات التي أكد بأنها دخلت بصور غير شرعية للبلاد ، محذرًا من مصادرتها ومعاقبة أصحابها في حال كشف مصادرها؛ لكونها لا تخضع للمواصفات القياسية، وقد تشكل خطرًا على حياة المواطنين ، بحسب تعبيره.

وبالعودة إلى (أم أحمد) في حي الجهاد، وإطلاعها على كلام المسؤول في وزارة النفط؛ فإنها تسخر من تهديده بمعاقبة المتاجرين بها في حال كشفهم ، مبدية استعدادها شخصيًا للكشف عن 12 بائعًا متجولًا في منطقتهم فقط، يتاجرون بالأسطوانات الإيرانية ويقومون يوميًا ببيعها إلى المواطنين، واستبدالها مقابل مبالغ مالية عالية ، داعيةً هذا المسؤول وغيره بالتوقف عن استغفال المواطن بهذه البيانات المضحكة ، بحسب تعبيرها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات