الأربعاء 19 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

أربيل.. مختارون وعناصر أمن يشاركون النازحين في المساعدات الاغاثية

أربيل.. مختارون وعناصر أمن يشاركون النازحين في المساعدات الاغاثية

قسم التحقيقات – أربيل

يعتصر الأسى قلب النازح (صهيب حميد الدلوي)، وهو يدفع ربع مبلغ الإعانة الذي حصل عليه من منظمة إغاثية أجنبية إلى مختار المنطقة التي يسكنها في أربيل ، وهو إجراء تم تطبيقه بحق المئات من المستفيدين، مقابل ظهور أسمائهم ضمن قوائم المشمولين بالمساعدات التي تتنوع بين المواد الغذائية والأغطية والمحروقات والمبالغ المالية.

مختار يجني 12 مليون دينار شهريًا

(الدلوي) النازح مع عائلته من مدينة الموصل، والساكن حاليًا في “حي هافلان” بأربيل، قال لــ”وكالة يقين” إن العديد من مختاري المحلات داخل مدينة أربيل يشترطون على النازحين أن يحصلوا على نسبة معينة من المواد الاغاثية مقابل وضع أسمائهم ضمن وجبات التوزيع، الذي تقوم به العديد من المنظمات الاغاثية الاوربية والخليجية ، مضيفًا أن هذا الأمر معروف في أوساط النازحين ومعمول به منذ فترة طويلة.

ويضيف (الدلوي) أن النازح الذي يحصل على المعونات بكل أشكالها سواء كانت مبالغ مالية أو طرودًا غذائية أو براميل محروقات أو مفروشات وأغطية؛ فإنه ملزم بدفع جزء منها إلى بعض المختارين الذين تتعامل معهم المنظمات الاغاثية؛ لأنهم يمتلكون قاعدة بيانات النازحين، وبالتالي هم من يقررون وضع هذا الاسم واستثناء غيره، وبحسب الفائدة المتحصلة منهم.

وبخصوص المعونات الشتوية التي تم توزيعها مؤخرًا، وشملت مادة النفط الأبيض بواقع برميل لكل عائلة؛ فإن الاتفاق مع المختارين كان -وبحسب الدلوي- أن يحصل المختار على برميل من كل ثلاثة عوائل، وهي صفقة رابحة إذا علمنا أن التوزيع شمل أكثر من 300 عائلة في منطقة واحدة من الحي الذي يسكنه ، مبينًا أن المختار حصل في أقل تقدير على 100 برميل من النفط، يباع الواحد منها بمبلغ 120 ألف دينار لأغراض التصريف السريع، مما يعني حصوله على 12 مليون دينار “يقارب الـ10 آلاف دولار”.

نازح: ضابط يتقاضى 100 دولار عن كل عائلة

وإذا كان التوزيع يتم بالاتفاق مع المختار في حالة (الدلوي)، فإن (أبا زهراء) النازح من مدينة (القائم) في غرب العراق يكشف عن صيغة أخرى من الاتفاقات، وهي التي تتم مع عنصر أمني غالبًا ما يكون ضابطًا برتبة صغيرة في قوات الأسايش، وهي الجهة الثانية التي تقوم بتزويد المنظمات الاغاثية بأسماء النازحين؛ لغرض توزيع المعونات عليهم.

“موضوع المساعدات بات يشكل تجارة كبيرة، ويدر على العديد من العاملين فيها ثروات ضخمة من خلال استخدام الأساليب الملتوية وغير النزيهة”

(أبو زهراء) الذي رفض ذكر اسمة الصريح لحساسية الموضوع، قال: إن أحد المسؤولين عن الأمن في منطقة (تيراوه) التي يسكن فيها؛ اشترط عليهم الحصول على ربع مبلغ الإعانة المالية التي وزعتها عليهم في الصيف الماضي منظمة نرويجية، مقابل إدراج أسمائهم في القائمة التي يتم تسليمها إلى إدارة المنظمة، قبل فترة أسبوع من تحديد موعد التوزيع.

وأضاف النازح الثلاثيني لــ”وكالة يقين”: إن المسؤول الامني حصل على مائة دولار من كل عائلة مشمولة بإعانة المنظمة النرويجية، والبالغة 400 دولار ، مشيرًا إلى أن عدد العوائل المشمولة كانت 150 في الوجبة الأولى، والتي من المنتظر أن تليها وجبات أخرى خلال هذا الشتاء، أو في الصيف المقبل، مبينًا أن الذين رفضوا عرض الضابط واعتقدوا أن الإعانة ستشملهم في كل الأحوال كانوا على خطأ، ومن المرجح أن أسماءهم دخلت القائمة السوداء الخاصة بهذا الضابط، ولن يستلموا شيئًا في المستقبل.

منظمات محلية تشارك في الابتزاز

ويتدخل في الحديث أحد أقارب أبي زهراء، ويدعى (نجم) وهو من مدينة القائم أيضًا، ويسكن في مجمع (سي بردان) في أربيل، ويشترك معه في المعاناة ذاتها من الإتاوات التي تفرض عليهم من قبل المشاركين في توزيع المساعدات، ومنها منظمة محلية تعمل وسيطًا للمنظمات الأجنبية والخليجية ،قامت بحيلة بسيطة للاستيلاء على جزء من هذه المساعدات المالية.

ويوضح نجم لــ”وكالة يقين”، أن المنظمة المحلية التي تعمل تحت شعار مساعدة النازحين قامت بتسليمهم مبلغ المساعدة المالية بالدينار العراقي وهو 400 ألف دينار، بالرغم من أن المنظمة الأوربية صرفت مبلغ 400 دولار، والذي يعادل 500 ألف دينار ، موضحًا أن هذه المنظمة المحلية استقطعت مبلغ 100 ألف دينار من كل عائلة، ورفضت أي نقاش في الأمر.

ومع حاجتهم لكل مساعدة ممكنة لمواجهة أعباء النزوح مع عوائلهم؛ إلا أن (نجم) يشدد على أنه لا سبيل لمناقشة أو مجادلة القائمين على المنظمة المحلية، أو تقديم شكوى ضدهم، لأن هذا التصرف ستكون له عواقب وخيمة “بحسب تعبيره”، ولأن النازح هو الحلقة الأضعف في سلسلة ضخمة تسيطر على تجارة المساعدات الاغاثية.

منظمة تدفع عن نفسها التهمة

إلى ذلك ترفض (آسيا حاجي حسن) من “مؤسسة بارازاني الخيرية” مثل هذه الاتهامات بخصوص عملهم، مرجحة أن تقوم بعض المنظمات الصغيرة أو المغمورة بمثل هذه الأفعال، واصفةً إياها بأنها تتنافى مع المبادئ الإنسانية التي تقوم عليها أعمال المنظمات الاغاثية، وخصوصًا مع شريحة النازحين.

“تزايد مخيف في عدد العاملين تحت عناوين اغاثية، ومنهم نسبة غير قليلة من الأسماء الوهمية”

وتبيّن حاجي حسن لــ”وكالة يقين” أن عملهم يقوم على أساس الشراكة مع المنظمات العالمية، وبالتالي فهم يوثقون بالصوت والصورة والسجلات كل عملية توزيع أو توفير للاحتياجات الاغاثية، ويتم مراجعتها من قِبَل العاملين في المنظمات العالمية، والذين يتواصلون بدورهم مع الشريحة المُسْتَهْدَفة للتأكد من شفافية عملية التوزيع.

وتشير العاملة الشابة إلى أن بعض المنظمات المغمورة وغير الرصينة، ربما تلجأ إلى هذه الأساليب من أجل التربح، بينما تؤكد أنهم في مؤسستهم الخيرية يمتلكون قاعدة البيانات الخاصة بهم، ويستطيعون الوصول إلى النازحين المُسَجَّلين لديهم، وبالتالي فهم لا يحتاجون إلى التعامل مع أطراف أخرى، سواء كانوا من المختارين أو غيرهم.

ناشط: مسؤولو الإغاثة صاروا أثرياء

من جانبه يصر الناشط في المجال الاغاثي (أرسلان البرزنجي) على أن موضوع المساعدات بات يشكل تجارة كبيرة، ويدر على العديد من العاملين فيها ثروات ضخمة من خلال استخدام الأساليب الملتوية وغير النزيهة، وعبر المضاربة بهموم ومآسي النازحين.

ويشير (البرزنجي) إلى تزايد مخيف في عدد العاملين تحت عناوين اغاثية، ومنهم نسبة غير قليلة من الأسماء الوهمية، حيث يعمد الراغب في ممارسة هذا العمل بترويج حملة أخبار مضللة وغير حقيقية عن نشاطاته وصوره داخل المخيمات، ومناطق تجمع النازحين بهدف الحصول على مشروع من منظمة أجنبية، وعبر سلسلة من الوسطاء المتخصصين بمثل هذه الأعمال.

ويتابع الناشط البرزنجي حديثه لــ”وكالة يقين”: إن هذا الشخص يقوم بجني الأرباح بمجرد حصوله على المشروع المشترك مع الجهة الأجنبية، فهو يتعاقد على شيء، ويوزع شيئًا آخر، ويبعث الصور ومقاطع الفيديو التي تضخم من أعداد المستفيدين من حملة التوزيع، والذين يتم تلقينهم مسبقًا بكلمات الشكر والامتنان لهذا الشخص، وللمنظمة الأجنبية التي مولت حملة التوزيع.

ويسخر (البرزنجي) من الذين يسميهم بالمتطفلين على المجال الاغاثي، مبينًا أنه في الوقت الذي من المفترض أن يكون هؤلاء يعيشون في مستويات متوسطة، أو حتى فقيرة لأنهم يهبون كل ما لديهم للمحتاجين والمعوزين، ولأن رسالتهم هي إنسانية قائمة على مساعدة الآخرين، ولكن الواقع يشير إلى أن أغلبهم يعيشون مترفين، ويمتلكون ثروات هائلة حصلوا عليها من الغش والسرقة.

ويستشهد الناشط الاغاثي بواحدة من حِيَل المنظمات الوهمية المتعاقدة مع جهات أجنبية، حيث عمدت إلى شراء شاحنتين محملتين بالمدافئ النفطية، وقامت بتصويرها بالقرب من منطقة تجمع للنازحين قبل أن تعيد إحدى الشاحنتين إلى التاجر الذي باعها وتوزع الأخرى ، مشيرًا إلى أن هذه العملية تتم بالاتفاق مع الباعة، وهي حيلة يتم تكرارها مع المواد الغذائية والأغطية والأفرشة وغيرها.

مديرية الأمن تؤكد ضبط حالات ابتزاز

“مشكلة ابتزاز النازح أو مستحق المساعدة موجودة ومنتشرة في أربيل، وتتم عادة في الحلقات الوسطى ممثلة بالمنظمات المحلية”

بدوره يوضح مصدر في مديرية الأمن في أربيل (الأسايش) رصدهم لبعض حالات الابتزاز التي تعرض لها نازحون من قِبَل عناصر أمنية، بهدف التربح المادي منهم ، لافتًا إلى أن هؤلاء العناصر تمت إحالتهم إلى التحقيق من قِبَل الجهات المختصة داخل المديرية، وأن العقوبات ستلحق بمن يثبت تورطه بهذا الفعل.

وأشار المصدر -رفض ذكر اسمه لعدم تخويله بالتصريح لوسائل الإعلام- في حديثه لــ”وكالة يقين”، إلى أن الشؤون الداخلية في مديرية الاسايش تابعت بعض الحالات لعناصر يعملون داخل مديريات الأمن الخاصة بالمناطق، التي تشهد تواجدًا مكثفًا للنازحين، ورصدت حالات ابتزاز بغرض تسهيل استخراج أوراق الإقامة، أو الحصول على مساعدات ، مشددًا على أن هذه الحالات هي فردية ومحدودة وتخالف جميع توجيهات المسؤولين عن المديرية بضرورة التعامل الجيد مع النازحين، الذين نعتبرهم ضيوفًا على الإقليم ، بحسب تعبيره.

ودعا المصدر جميع الذين تعرضوا لأي حالة ابتزاز أو مساومة إلى الاتصال بمديرية الأمن عبر أرقامهم المنتشرة في أغلب الأماكن العامة ووسائل الإعلام المعنية أو مواقع التواصل معهم، مضيفًا بأن جميع الاتصالات يتم التعامل معها بسرية للحفاظ على هوية المبلغ، وكذلك يتم التحرك بجدية لمعرفة مدى صحتها تمهيدًا لمعاقبة مرتكبيها.

مستشار اغاثي يقدم الحلول

من جهته يتفق (سيامند باييز) وهو مستشار لدى منظمة إغاثية خليجية، بأن مشكلة ابتزاز النازح أو مستحق المساعدة موجودة ومنتشرة في أربيل، وتتم عادة في الحلقات الوسطى ممثلة بالمنظمات المحلية التي تتولى العمل بين الممول الأساس والجهة المستفيدة وهي النازح، وأحيانًا من أطراف خارجية مثل بعض المسؤولين المحليين أو العناصر الأمنية، وهذه الحالة معروفة وتدر أرباحًا فاحشة على من يقومون بها.

ويرى (باييز) في حديثه لــ”وكالة يقين“، أن جميع خطوات التوثيق من تصوير وتسجيل غير كافية لتأكيد شفافية عملية التوزيع التي تقوم بها الحلقات الوسيطة، لأن المتربحين من هذه العملية يطورون أساليبهم باستمرار، ويستعينون بجهات إنتاج إعلامي تضمن لهم عمليات التوثيق الملفقة، وبدرجة عالية من الإقناع، حتى تنطلي على أكثر المتخصصين براعة في هذا المجال.

ويشدد المستشار على أن الأمر يحتاج إلى تواجد فعلي للمنظمة الأجنبية، أو من ينوب عنها، بشرط أن يكون شخصية معروفة لديها، وتحظى بثقتهم، ولا يمكن أن يدخل في مساومات لغرض الربح الذاتي ، متابعًا بأن الخطوة الأهم من هذه أن يقتصر تعامل المنظمات الأجنبية على المنظمات المحلية ذات التاريخ الطويل في هذا المجال، والتي تحتفظ بسجل إنجازات فعلي يتم تأييده وتزكيته من شخصيات مُعَرَّفة ومُوَثَّقة لدى منظمات دولية.

وبخصوص تدخل المسؤولين المحليين والعناصر الأمنية؛ فإن (باييز) يعتقد بأن هذا الموضوع يمكن حله عن طريق التعامل المباشر مع كبار المسؤولين في الإدارات المدنية والعسكرية، والتي من الممكن أن تقوم بترشيح عناصر وموظفين ذوي سمعة جيدة للتعامل مع هذا الملف، الذي يصفه بالمهم و الخطير، لكونه يتعلق بأرزاق المحتاجين والمنكوبين.

وبغياب هذه الحلول وغيرها، فإن (باييز) يعرب عن قلقة من تدهور مستمر يصيب الملف الاغاثي، من شأنه أن يهزَّ الثقة بشكل كبير، وربما يصل إلى حد إعراض وامتناع أغلب المؤسسات العالمية عن تمويل المشاريع الاغاثية، وهي خطوة لن تضر الدخلاء على هذه العملية، لكونهم حققوا فائدة كبيرة منها، ولكنها ستلقي بتأثيراتها السلبية بالدرجة الأساس على الشريحة المستهدفة: النازحين والفقراء الذين يؤخذون بجريرة غيرهم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات