الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تحقيقات »

"العلوج" في أربيل.. سوق خاص لبيع السيارات المسروقة والمشبوهة

“العلوج” في أربيل.. سوق خاص لبيع السيارات المسروقة والمشبوهة

قسم التحقيقات – أربيل

سيطرت حالة من العصبية الشديدة على تفكير “محمد هاشم الكناني”، وهو يشاهد سيارته الحكومية التي فقدها أثناء الاحتلال الأمريكي لبغداد عام 2003، وهي معروضة للبيع في “سوق العلوج” للسيارات داخل مدينة أربيل، لكنها بدت في حالة منهكة من كثرة الحوادث التي تعرضت لها، والاستخدام المفرط لها خلال السنوات الماضية.

للبيع.. سيارات حكومية مسروقة

“الكناني” البالغ من العمر 52 عامًا، ويعمل موظفًا في وزارة التجارة، كان في زيارة إلى مجموعة من أصدقائه المقيمين في مدينة أربيل “شمال العراق”، والذين اصطحبوه لسوق بيع السيارات الرخيصة، وهو مكان يقع على طريق مخمور، الرابط بين أربيل ومحافظة التأميم، حيث استطاع تمييز سيارته برغم طلائها بلون مختلف، وتركيب لوحة مزورة عليها، ولكنه اهتدى إلى مكان انبعاج خفيف أسفل باب السائق، في منطقة تسمى “التكمة”، وهو ناجم عن حادث بسيط تعرض له قبل الاحتلال بشهرين.

ويبين “الكناني” لـ”وكالة يقين” أن أصدقاءه سحبوه خارج السوق، بعد أن علا صوته وهو يتفحص السيارة، وكان يعتزم مفاتحة البائع بموضوع السرقة، وهو أمر من الممكن جدًا أن يعرضه للاعتداء بالضرب والشتم، أو الاستهزاء على أقل تقدير؛ لأن من شروط دخول هذا السوق؛ عدم إثارة أي مشاكل بخصوص عائدية السيارات المُباعة، ومن يرغب بهذا عليه انتظار صاحب السيارة، والتفاهم معه خارج مكان السوق .

وبحسب “الكناني”؛ فإن السوق الذي يُسمى بــ”العلوج”، يحتوي على العديد من السيارات التي كانت مملوكة لوزارات الدولة ومؤسساتها قبل الاحتلال، وهي أصناف معروفة بأنها لم توزع على المواطنين، ولم يتملكها أحد خارج المؤسسات الحكومية، وكان مصير أغلبها هو: النهب في الأيام الأولى للاحتلال، ونقلت إلى أماكن بعيدة عن العاصمة، وخصوصًا إلى شمال العراق.

وزارات وأحزاب يستخدمون السيارات المسروقة

ويؤيد هذا الأمر صديق “الكناني” المهندس “محمد علوان المشهداني”، الموظف السابق في وزارة التجارة، والذي كان من ضمن المشرفين على عقود استيراد السيارات للمؤسسات الحكومية، بين عامي 1999 و 2002، مبينًا أنه شاهد في “معرض العلوج” سيارات فاخرة للبيع من نوع “هونداي غالوبر”، وهو صنف تم استيراده خصيصًا لـوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولم يُوَزَّع على أي مؤسسة حكومية أخرى، أو يُباع في الأسواق التجارية في ذلك الوقت .

“السيارات المخالفة لشروط الاستيراد والمحتجزة في الحدود؛ تم إدخالها إلى أربيل، وعُرِضَت للبيع في “سوق العلوج”، مقابل أثمان زهيدة”

ويوضح المهندس الميكانيكي لـ”وكالة يقين“، أن العديد من أصناف السيارات المُستورَدة لأغراض الاستيراد الحكومي؛ معروضة للبيع في هذا السوق، ومنها: سيارات الدفع الرباعي “تراكان” و”غالوبر” من صنع شركة “هونداي” و”باترول” و”سدريك” من “شركة نيسان”، لافتًا إلى أن جميع هذه الأصناف لم تُبَع أبدًا في الأسواق التجارية ولم يتم تمليكها بشكل شخصي وتعود جميعًا للمؤسسات الحكومية .

ويعرف “الكناني” جيدًا أن جميع هذه السيارات مسروقة من مباني الوزارات، في ظل الفوضى الكبيرة التي سادت العراق أثناء دخول الاحتلال الأمريكي إلى العاصمة بغداد، ولكنه لا يعلم الطريقة التي يتم بها بيع وشراء وحيازة هذه السيارات في عموم المناطق الكردية، ومدينة أربيل على وجه الخصوص، في الوقت الذي كان من المفترض أن يتم إعادتها إلى دوائر الدولة، أو اللجان التي تم تشكيلها لهذا الغرض في بغداد والمحافظات.

وتقدر مصادر من “سوق العلوج” عدد السيارات الحكومية المنهوبة بعد احتلال العراق في نيسان/ أبريل 2003، والتي دخلت إلى المناطق الكردية بأكثر من 10 آلاف سيارة، تم تقسيمها بين الحزبين الحاكمين، واستُخْدِم أكثر من نصفها في تأسيس وزارات ودوائر الإقليم، بينما حصل الأهالي على عدد منها من خلال شرائها من المجاميع التي تخصصت بنقل هذه السيارات من بغداد، والمحافظات الجنوبية، والوسطى، إلى مدينَتَي أربيل والسُّلَيْمانِيَّة .

سيارات منهوبة من مناطق القتال وأخرى مخالفة لشروط الاستيراد

ولا تقتصر موجودات السوق على السيارات الحكومية المنهوبة، بحسب أحد الباعة في السوق، والذي أوضح لـــ”وكالة يقين”، أن السيارات المخالفة لشروط الاستيراد والمحتجزة في الحدود؛ تم إدخالها إلى أربيل، وعُرِضَت للبيع في “سوق العلوج”، مقابل أثمان زهيدة تقل عن نصف قيمتها الحقيقية في الأسواق .

“عددًا من السيارات الموجودة في سوق “العلوج”؛ هي مسروقة من المحافظات غير الكردية”

ويضيف البائع الذي أطلق على نفسه اسم “أبو دلير”، أن مئات السيارات التي كانت محجوزة في الحدود، والمستوردة من قبل الشركات الأهلية والأشخاص؛ تم منعها من الدخول إلى مدينة أربيل، قبل أن يجد هؤلاء المستوردون طريقة للتفاهم مع القائمين على المنفذ الجمركي، وبعدها أدخلوا هذه السيارات وهي معروضة للبيع، ولا زالت تحمل لوحات استيراد أوربية، وأخرى خليجية ، مبينًا أن رواج تجارة هذه السيارات يكون بصورة أكبر في النواحي البعيدة عن مركز أربيل، مثل: “سوران” و”ديانا” و”برادوست” شمال المدينة، وهي مناطق تشكل هذه السيارات نسبة أكثر من نصف مجموع السيارات المستخدمة فيها.

وفضلًا عن السيارات المخالفة للشروط الجمركية؛ فإن عددًا آخر من السيارات الموجودة في هذا السوق؛ هي مسروقة من المحافظات غير الكردية، وبعضها يعود لفترات ماضية طويلة، وحتى قبل الاحتلال الأمريكي، وأخرى تم جلبها أثناء العمليات العسكرية، التي خاضتها قوات “البيشمركة” مع تنظيم “داعش”، في مدن “الموصل” و”سنجار” و”طوزخورماتو”، وهذا النوع -بحسب “أبو دلير”- يتسبب بأكبر كمية من المشاكل، حين يأتي شخص من تلك المناطق ويجد سيارته المسروقة معروضة للبيع هنا، ولا تنتهي المشكلة إلا بالتوصل إلى تسوية يدفع بها المالك الأصلي مبلغًا على سبيل الترضية إلى حائزها الحالي، من أجل استرجاعها .

لا مشكلة في امتلاكها واستعمالها

إلى ذلك يؤكد “فرهنك مخموري”، وهو احد العاملين في مجال تثمين وفحص السيارات في “سوق العلوج”؛ بأن جميع السيارات الموجودة؛ يتم التعامل بها وفق “نظام الباج” ، وهي وثيقة مؤقتة يتم إصدارها من دائرة، وتخص جميع السيارات القادمة من جميع المحافظات إلى إقليم “كردستان“، وهو بالأساس نظام كان يستخدم لأغراض أمنية قبل أن يتحول إلى الطريقة الوحيدة لتسجيل سيارات “سوق العلوج”.

وبشأن طريقة البيع والشراء؛ يشرح “مخموري” لـ”وكالة يقين” أن “نظام الباج” يبقى باسم الشخص الأول الذي اشترى السيارة، ويتم تجديده من دائرة المرور بشكل سنوي، بينما يحصل المشتري الجديد على وثيقة المبايعة التي تقوم بإصدارها معظم المكاتب الموجودة، وتكون مصدقة من دائرة المرور، لافتًا إلى أن المبايعة هي الإثبات الرسمي المعمول فيه داخل جميع مدينة أربيل وأقضيتها ونواحيها، ولا يتم الاعتراض عليها من قبل مفارز المرور أو الشرطة، وبالتالي فإن السيارة التي يتم شراؤها من هذا المكان؛ لن تمثل مشكلة لصاحبها طالما تجول بها داخل مدن الإقليم، ولم يخرج منها.

“المحلل الاقتصادي “آزاد الهماوندي” يستبعد أن يشمل قرار المصادرة الجديد سيارات “العلوج”؛ وذلك لكثرة عددها”

ويتابع “مخموري”، بأن جميع السيارات الموجودة في “سوق العلوج” يسري عليها نظام الغرامات والمخالفات المرورية، ويتم الاستدلال عليها بواسطة “نظام الباج” ، الذي يحمل جميع الأرقام الرسمية للسيارة من رقم اللوحة والمحرك والشاصي، وبشأن أن تكون هذه الأرقام مزورة أو معمولة بشكل يدوي؛ فإن البائع “مخموري” يؤكد أن هذا لا يمثل أي مشكلة لحائز السيارة؛ لأن المطلوب منه أن يقوم بسداد الغرامات، ودفع الرسم المالي الخاص بفحص المتانة السنوي، في شركة متعاقدة مع دائرة المرور.

وتتفاوت التقديرات بخصوص عدد السيارات غير الشرعية في محافظات الإقليم، بين أرقام شبة رسمية تقدرها بأكثر من 100 ألف سيارة، في وقت يذهب العاملون في “سوق العلوج” إلى التأكيد بأن العدد الحقيقي يتجاوز هذا الرقم، في حال احتساب السيارات المستخدمة في المناطق النائية من محافظات أربيل، والسُّلَيْمانِيَّة، ودهوك، فضلًا عن القرى والبلدات الحدودية مع إيران، وتركيا، وسوريا.

مسؤول: مشكلة أمنية ونحتاج قاعدة بيانات لها

وعلى العكس من جميع التطمينات التي تسمعها من بائعي سيارات “العلوج”، وهم يحاولون إقناع الزبون بعدم وجود مشكلة في اقتنائها؛ فإن مدير مرور الإقليم “رزكار علي” يستهل حديثه بالتشديد على أن جميع هذه السيارات غير شرعية، وتداولها غير رسمي .

ويبين اللواء لـــ”وكالة يقين”، أنهم في مرور الإقليم لا يمتلكون أي معلومات عن هذه السيارات، وهي غير مثبته لديهم، ولا يمكن حتى للكاميرات المرورية المنتشرة في شوارع الإقليم أن ترصدها؛ لأنها تحمل لوحات تسجيل مزورة، محذرًا من إمكانية استخدام هذا النوع من السيارات في تنفيذ الجرائم، والإخلال بالوضع الأمني، وذلك لاستحالة تعقبها، ومعرفة صاحبها الأصلي، أو حائزها .

“تجارة السيارات غير الرسمية في سوق “العلوج” بمدينة أربيل؛ توفر فرص عمل للمئات من الأشخاص”

ويشير مدير المرور إلى أنهم طالبوا وزارة الداخلية -من قبل- بأن تجد حلًا لهذه المشكلة، من خلال إحصاء أعدادها، وتثبيت معلوماتها؛ تمهيدًا لوضع قاعدة بيانات متكاملة عنها، تضم أسماء حائزيها، والأشخاص الذين يتداولون بها، وذلك لتسهيل طريقة الاستدلال عليها في حال وجود أي شكوى، أو إخبارية أمنية عن واحدة من هذا النوع من السيارات.

ومع أن مديرية المرور توجه جميع مفارزها المنتشرة في مناطق الإقليم، بالتعامل مع هذه السيارات وفق أسلوب الغرامات نفسه، المُطَبَّق على السيارات الأصولية، إلا أن مدير المرور يقر بصعوبة مثل هذا الإجراء في غياب قاعدة البيانات الرصينة الخاصة بسيارات “العلوج”.

وفي تطور لاحق؛ أعلنت مديرية مرور أربيل عزمها على مصادرة جميع السيارات غير الشرعية في المدينة، حيث ستقوم مفارز المرور بمصادرة أي سيارة غير مسجلة بشكل رسمي، وأن جميع هذه السيارات ستذهب ملكيتها إلى حكومة إقليم “كردستان” .

خبير اقتصادي يستعبد مصادرتها

غير أن الخبير و المحلل الاقتصادي “آزاد الهماوندي” يستبعد أن يشمل قرار المصادرة الجديد سيارات “العلوج”؛ وذلك لكثرة عددها، واحتمالية أن يثير تطبيقه حالة من الاستياء والاحتجاج غير المنضبط من قبل مالكي هذه السيارات، وهي خطوة لا تريد حكومة الإقليم أن تقوم بها في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، التي يعيشها المواطن، مرجحًا أن يطال قرار المصادرة السيارات المستوردة حديثًا، والتي لم يقم أصحابها بتسجيلها في دوائر المرور، ودفع رسومها المالية .

وبشأن ازدهار “سوق العلوج”؛ فإن المحلل الاقتصادي يوضح لـــ”وكالة يقين”، أن عمل هذا السوق مَرَّ بمراحل متفاوتة، حيث سجل رواجًا كبيرًا في المبيعات بعد عام 2003، حين أقبل المواطنون على اقتناء سيارات حديثة وفخمة، بأسعار تقل عن نصف أو حتى ربع سعرها الحقيقي، وبعدها شهد السوق تراجعًا كبيرًا في عمله، بعد مرحلة الرخاء الاقتصادي التي عاشها الإقليم، قبل أن تجتاحه الأزمة الاقتصادية الحالية، الناجمة عن التذبذب في صرف رواتب الموظفين، والعقوبات الاقتصادية التي لحقت الإقليم عقب استفتاء أيلول/ سبتمبر 2017.

ويرى “الهماوندي” أن تجارة السيارات غير الرسمية “العلوج” في مدينة أربيل؛ توفر فرص عمل للمئات من الأشخاص، سواء من أصحاب معارض السيارات، والباعة، والوسطاء، والمثمنين، فضلًا عن مجموعة المهن المرتبطة بها، وهي تبدأ من الفاحصين للسيارات ومصلحيها، مرورًا بالأشخاص الذين يقومون بكتابة عقود البيع، حتى أصغر الصبيان الذين يمارسون مهنة غسل السيارات في هذا النوع من المعارض، أو بيع الشاي والأطعمة.

ويعتبر “الهماوندي”، أن الوقت الحالي هو من الأوقات الذهبية في عمل “سوق العلوج”، حيث عاد غلب المواطنين إلى البحث عن السيارات التي تجمع بين رخص الثمن ومتانة المواصفات، من دون الاهتمام بسلامة موقفها القانوني، مذكرًا بأن الظاهرة قديمة، وتمتد لأكثر من 20 سنة، ولكنه شخصيًا لم يسمع إلى الآن بمصادرة أو احتجاز سيارة من هذا النوع، وهذا الأمر يشجع المواطنين على اقتنائها .

المصدر:وكالة يقين

تعليقات