الثلاثاء 21 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » سياسة وأمنية »

فقراء يؤجرون أطفالهم لعصابات التسول مقابل 20 دولارا

فقراء يؤجرون أطفالهم لعصابات التسول مقابل 20 دولارا

ارتبطت ظاهرة التسول عامة وتسول الأطفال خاصة بالمنظومة الشاملة للمجتمع بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والأخلاقية والدينية. كل جانب يتحمل جزءاً من تفشي وانتشار هذه الظاهرة الاقتصادية التي تحمل انعكاسات الحروب وسوء الإدارة والتخطيط لموارد الدولة من غياب الرؤى والخطط القانونية البعيدة المدى.

وسط شارع الربيعي يقف أحمد (16 عاماً) ، تاركاً للدراسة يتيم الأبوين يسكن عند أخيه الأكبر في أحد أطراف بغداد. يحمل أحمد كيسه متنقلاً بين جهتي الشارع أينما توقف السير. يطرق زجاج نوافذ السيارات التي غالباً ما تكون حديثة. من استجاب منهم وفتح النافذة يعطيه الهدية كما يسميها هو.

هدية “أحمد” عبارة عن حرز أو دعاء يلفه بطريقة متقنة جداً بقطعة قماش خضراء أو بيضاء، ويضعها على (دشبول) السيارة وهو يقول: “ربي يحفظك ويحفظ عائلتك وبيتك وسيارتك، هذا الحرز والدعاء هدية أنتَ تستاهل إيبين مالك حلال.” وحسب قوله فإن هناك من يقبلها ومن يرفضها وهم قليلون جدا. أحمد يجمع يومياً قرابة 50 الف دينار. صافي الأرباح كما يسميه. بعد استقطاع ثمن قطعة القماش وورقة الدعاء التي يشتري كمية منها من أحد المكتبات مع أجرة زوجة أخيه التي تتقن عمل الحرز أو الحجاب.

الابتكارات لم تتوقف عند هذا الحد، فقد استغل بعض الأطفال المطبات (الطسات) وما أكثرها في شوارع بغداد، والتي تجبرالسائق على الإبطاء. إذ يسارعون إلى عرض بضاعتهم والتي غالباً ما تكون (علكة / جكليت / حامض حلو).

الوقت يشير إلى الظهيرة ، ساعات الذروة والاختناق المروري، خاصة منطقة الباب الشرقي، ما أن تخرج من النفق حتى تصطدم بفتاتين تتحدثان اللهجة السورية. على مقربة منهن رجل معاق وابنته يلوح بيده بجواز السفر السوري. بعد الساعة الثالثة تأتي مجموعة أخرى تأخذ مكانهم وهذه المرة من المهجرين أو النازحين. وطبعاً في الصباح كان المكان من حصة أشخاص آخرين.

إحدى الفتاتين تقول: لم يكن أمامنا سوى هذا الحل مجبرون ولسنا مخيرون فالحال صعب ولا عمل للرجال وإن وجد فلا يسد الحاجة. وعن المشاكسات أو المضايقات التي يتعرضن لها قالت: في البدء كنا نسمع كلاماً كثيراً وترمى علينا أرقام هواتف وما شابه لكن بمرور الوقت تلاشت.

من العوامل المؤثرة في معالجة ظاهرة التسول والانحراف عند الأطفال الوضع القانوني الذي تتبناه الدولة للحد من هذه الظاهرة، من خلال استخدام الأسلوب الأوفق وليس المعالجة، فقد ثبت أن التشريعات وحدها لا تفي بالمعالجة ما لم تسبقها استعدادات تعبوية شعبية و توعية مفهومة. وأثرها الاجتماعي السلبي على الجميع كي يمكن للتشريعات أن تفعل فعلها بعد ذلك التشريع الوحيد للحد من هذه الظاهرة وكان في عام  1969 من قانون العقوبات العام المرقم 111 المعدل والمتضمن المواد التالية: المادة ـ  290/ 1ـ يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر واحد ولا تزيد على ثلاثة أشهر كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره وجد متسولاً في الطريق العام والأسواق والأحياء السكنية وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة إذا تصنّع المتسول الإصابة بجروح أو عاهة أو استعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الخداع لكسب إحسان الجمهور أو كشف عن جرح أو عاهة أو في الاستجداء . 2 ـ إذا كان مرتكب هذه الأفعال لم يتم الثامنة عشرة من عمره تطبق بشأنه أحكام مسؤولية الأحداث في حالة ارتكاب مخالفة .

المادة ـ 291/ يجوز للمحكمة بدلاً من الحكم على المتسول بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة، أن تأمر بإيداعه مدة لا تزيد عن سنة داراً للتشغيل من كان قادراً على العمل أو بإيداعه ملجأ أو داراً للعجزة أو مؤسسة خيرية معترفا بها إذا كان عاجزاً عن العمل ولا مال لديه يقتات منه، متى كان التحاقه بالمحل الملائم له ممكناً . أما المادة ـ 292 فقد نصت على أنه ، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أغرى شخصاً لم يتم الثامنة عشرة من عمره على التسول، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر والغرامة التي لا تزيد عن مئة دينار أو إحدى هاتين العقوبتين إذا كان الجاني وليا أو وصيا أو مكلفاً برعاية أو ملاحظة ذلك الشخص.

مع أن هذه المواد القانونية عالجت مشكلة التسول والاستجداء من عدة جوانب اجتماعية وعقابية إلا أنها لم تطبق بشكل فعلي لأسباب عدة تقف في مقدمتها الظروف الآنية التي يمر بها البلد منذ الحرب الأولى إلى يومنا هذا. مع غياب الأجهزة الرقابية والتنفيذية المتابعة والأوامر الخاصة حسب الظروف الآنية والمستعجلة، إلا أن صعوبة تفعيلها بسبب ضعف الأجهزة التنفيذية وعدم الجدية في التنفيذ  جعل من هذه المواد حبراً على ورق، كما أن عملية التقادم على هذه القوانين وعدم سن قوانين وتعليمات مواكبة لتطور هذه الظاهرة أفرغها من كل فاعلية أو أهمية، وما زالت هذه المعالجات تخضع للظروف الآنية في تفعيلها أو العكس ما أدى إلى انتشار ظاهرة التسول بشكل غير مسبوق، وقد ساهم تعاطف الرأي العام مع ظاهرة التسول في إخفاق تفعيل هذه القوانين باعتبار أن التعرض لهم عمل غير أنساني.

البعض من النساء تجدهن وفي حر بغداد القائظ صيفاً يحملن طفلاً ويتخذن منه وسيلة للاستجداء والتسول وهو ليس طفلها. الطريق من النجف إلى بغداد انقضى بقرابة ساعة ونصف وبضع دقائق بسيارة (البهبهان). ومن العلاوي إلى ساحة النصر بساعة ونصف، وسط حر قائظ إذ تشير الساعة إلى الواحدة ظهراً. وسط جسر السنك بين صفي السيارات تقف إمراة تدفع بعربة أطفال تجلس بداخلها طفلة بعمر أربع سنوات تقريباً. كانت تدور بها بين السيارات. بعد نصف ساعة تقربياً وصلت السيارة إلى ساحة الوثبة وبالمصادفة قبل دخول التكسي إلى النفق شاهدت المرأة والطفلة يعبرن إلى جهة الشارع الأخرى. ترجلت من السيارة. المرأة تدخل الزقاق بعد دقائق تخرج منه بدون الطفلة. حديث لدقائق تبين إنها تستأجر الطفلة يومياً بمبلغ 25 ألف دينار. حيث وصفتها بـ (وجه خير مرزوقة). علماً أن أرباحها اليومية ما بين (70 الى 80 ) ألف دينار.

وتشير دراسة أعدها باحثون عراقيون خلال جولة ميدانية عن التسول وحقيقته وخفاياه في المجتمع العراقي إلى أن نحو 90% من المتسولين لديهم الخبرة والقدرة على العمل من دون مد اليد وطلب المساعدة من الناس وإن 10% المتبقين هم فقط من يحتاجون إلى المساعدة فعلاً، وإن نسبة 50 % من التسعين يتاجرون بالأطفال ويتسولون بهم، وتشكل النساء النسبة الأعلى منهم. الأمر الذي يشير هنا إلى أهمية الوعي في مكافحة هذه الظاهرة ومنع المتاجرة بالأطفال.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات