سياسة وأمنية

تفاقم الصراعات السياسية بين الأحزاب الكردية يهدد كردستان العراق

رغم غياب الحماسة للمشاركة في انتخابات نهاية (سبتمبر/أيلول) المنصرم، وهو ما بدا واضحا بنسبة مشاركة لم تصل حتى إلى 60%؛ وفي ظل هذه الأجواء السياسية المتوترة التي تظهر بجلاء فارق الاهتمامات ما بين القواعد الشعبية والنخبة السياسية، وبالدخول في هذه المرحلة الفارقة بتجاوز اتفاق مشاركة السلطة؛ لا تمثل الانتخابات البرلمانية اختبارا للديمقراطية الكردية بإمكانية حل النزاعات سلميا بشكل واقعي في أول انتخابات بعد الاستفتاء وحسب؛ وإنما تمثل كذلك اختبارا فعليا للحياة السياسية الكردية، بقياس قوة الحزبين الكرديين الكبيرين، إضافة للأحزاب الصغيرة الناشئة في مناطق نفوذ هذين الحزبين المشكلان للحكومة، وسط اتهامات لاذعة بالتزوير من جميع الأطراف.

ولكن الانتخابات انتهت بسلام، وظهرت النتائج غير الرسمية بعد فرز غالبية الأصوات، والتي لا يتوقع أن تتغير كثيرا مع فرزها جميعا واستلام الطعون على التزوير الذي تم تسجيل بعض حالاته؛ ولم تخرج النتائج الرئيسة عن المتوقع، بسيطرة رئيسية للحزبين الكبيرين مع صعود طفيف لـ”الوطني”، لكن المفاجئات كانت في التفاصيل؛ حيث صعد الحزب الجديد “الجيل الجديد”، مع تراجع حزب المعارضة الكبير “جوران”، المنبثق من رحم “الوطني” والذي حاول أن يقدم نفسه بديلا له في مناطقه، اعتراضا على سياساته وعلى احتكار السلطة من قبل الحزبين الكبيرين.

 

وتتفاوت السيناريوهات الأكثر احتمالا وصولًا لاثنين، الأول والمستبعد وهو تشكيل الحكومة بحسب عدد المقاعد، أي استمرار الحالة القائمة بين الحزبين الرئيسين مع مشاركة طفيفة بمقاعد هامشية لأحزاب المعارضة، أما السيناريو الثاني الذي يبدو أكثر اتساقا مع أجواء التوتر الراهنة فهو سعي “الديمقراطي” لتشكيل ائتلاف برلماني، مع أحزاب المعارضة، لتشكيل حكومة ائتلافية يُقصى منها “الوطني”، وهو تصعيدٌ، رغم أنه يضع استقرار الإقليم على المحك؛ إلا أنه يبدو الناتج الأكثر المنطقية للسياسات الداخلية المذكورة، إضافة إلى الاستقطاب الخارجي ما بين إيران، التي تفضل “الوطني”، والولايات المتحدة الأقرب لـ “الديمقراطي”، والذي بدا أكثر وضوحا في الصراع الجديد على منصب رئيس الجمهورية.

رغم أن منصب رئاسة العراق منصب رمزي لا يحمل كثيرا من الصلاحيات، بل يبدو أقرب لجسر لتجاوز الخلافات الطائفية بين السنة الذين يملكون الناطق باسم البرلمان، ورئيس الوزراء الشيعي، بحسب الاتفاق السياسي العراقي؛ إلا أنه هذه المرة سيكون ذا تأثير عملي خصوصا داخل مناطق أكراد العراق، الذين وللمرة الأولى طرحوا أكثر من مرشح لهذا المنصب، نتيجة لوفاة جلال طالباني من ناحية، ونتيجة لإلغاء منصب رئاسة الإقليم إثر إلغاء الاستفتاء، مما دفع “الديمقراطي”، الذي يبرر موقفه بامتلاكه أصواتا أكبر داخل البرلمان العراقي في بغداد، لما يمكن تسميته بـ”الانقلاب” على الاتفاق السياسي بين الحزبين.

 

ففي مقابل مرشح “الاتحاد الوطني الديمقراطي” برهم صالح، الشخصية السياسية المرموقة الذي كان يحمل منصب رئيس الوزراء والذي كان قد انشق عن الحزب ثم عاد إليه بغرض ترشحه للرئاسة تحديدا؛ أعلن “الحزب الديمقراطي الكردستاني” أنه طرح مرشحه فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان السابق، والأبعد، مثل حزبه، عن الأجواء في بغداد.

 

وبقدر ما اختبرت -ومازالت- الانتخابات البرلمانية الكردية قوة الأحزاب الكردية داخل كردستان، مثل صراع الرئاسة اختبارا حقيقيا لها حول مدى قدرتها على حشد القوى العراقية السياسية الكبرى داخل البرلمان العراقي الذي يختار الرئيس، إضافة لاختبار مدى علاقاتها الدولية مع الدول الحليفة والعدوة على حد سواء؛ ففي الوقت الذي مثل به برهم صالح، مرشح “الوطني”، محل اتفاق إلى حد ما بين إيران بمبعوثها العملي إلى العراق “قاسم سليماني”، والولايات المتحدة بمبعوثها الأثير “بريت ماكجورج” ، بدت الأجواء في أربيل على مدار الأيام الماضي رافضة لمرشح أقرب لإيران، خاصة مع التصعيد الذي مارسه الحرس الثوري الإيراني ضدها ممثلًا بقصف مواقع للمعارضة الكردية الإيرانية داخل مناطق قرب أربيل بصواريخ أرض -أرض.

 

في النهاية؛ أعلن البرلمان العراقي فوز برهم بالرئاسة، بـ ٢١٩ صوتا مقابل ٢٢ صوتا فقط لمرشح “الديمقراطي” ، وهو ما كان متوقعا كونه يمتلك الشروط الأساسية المتمثلة بتوافق طهران وواشنطن ، بما يعني استمرارا للحالة السياسية السابقة دون تغيرات جوهرية في بغداد.

 

إلا أن المشهد من السليمانية إلى أربيل لم يُحسم بعد، فقد كان رد الفعل الأول المعلن لبارزاني هو رفضه للآلية التي تم بها انتخاب الرئيس، متوعدا بأن حزبه «سيعلن موقفه قريبا بخصوصها»، بالتوازي مع بالانتخابات البرلمانية الكردية التي قد تؤدي بالمقابل لتهميش بل وإقصاء لـ”الوطني” من البرلمان والحكومة، بما يعني انقساما جذريا في المكاسب السياسية بين القطبين الكبيرين واستعدادا للانقلاب على الاتفاقات السياسية القائمة على مستوى النخبة، بالترافق مع ظروف معيشية وحوكمة سيئة طويلة الأمد، ضاعفت الفقر في الإقليم الغني بالنفط خمسة أضعاف خلال ثلاثة سنوات فقط، من ٣% عام ٢٠١٣ إلى ١٥% عام ٢٠١٦)، ليمثل ذلك كله حضورًا لعناصر المزيج الأمثل المولد للعنف: انقسام سياسي واجتماعي، وظروف معيشية سيئة، وبيئة مشحونة، ومجتمع مسلح، بما يجعل الحالة القائمة، كرها، هي الاستقرار، ولكن مؤقت على الأرجح، وحتى حين.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق