الأحد 19 يناير 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة الأدوية »

تفاقم ظاهرة الانتحار في العراق ما بعد الغزو

تفاقم ظاهرة الانتحار في العراق ما بعد الغزو

حتى سنوات قليلة لم يكن مألوفاً أن تسمع في مجتمع شرقي كالعراق عن حالات إنتحار، بإستثناء حوادث متفرقة على مدار سنوات عدة، لكن الأمر لم يعد كذلك اليوم، فالمستشفيات العراقية أصبحت تستقبل بإنتظام جثثاً لمنتحرين أو أشخاص حاولوا الإنتحار، في ظاهرة يبدو أنها تتزايد يوماً بعد آخر.

وتتداول صفحات مواقع التواصل الإجتماعي بإستمرار قصصاً جديدة عن شبان وفتيات قرروا إنهاء حياتهم بالقفز من فوق جسر أو تناول السم أو قطع الأوردة أو شنق أنفسهم أو الحرق، والقاسم المشترك بينهم جميعاً هو ظروف إجتماعية قاسية وصعبة قادتهم إلى هذا.

وبصعوبة بالغة وفي اللحظات الأخيرة إستطاعت مجموعة من المارة على جسر الجادرية في بغداد إنقاذ الشاب “مصطفى”، بعد أن قرر إنهاء حياته إنتحاراً برمي نفسه في نهر دجلة ليلاً.

“مصطفى” البالغ من العمر 21 عاماً قادم من عائلة تعاني التفكك والفقر، وقد قرر إنهاء حياته بهذه الطريقة هرباً من واقع لا يستطيع تغييره أو تقبله، فيما يبدو أنها باتت طريقة عشرات الشباب العراقيين الذين أصبحوا غير قادرين على التعايش مع مشاكلهم وظروفهم الخاصة والعامة.

وقالت المفوضية العليا لحقوق الإنسان أنها رصدت نحو 3000 حالة إنتحار في الفترة بين 2015 و2017 لدوافع مختلفة، كما أن مستشفى الشيخ زايد في بغداد أعلنت عن إنقاذ نحو 18 حالة إنتحار خلال أغسطس/آب الماضي.

وتتصدر محافظة ذي قار نسب المقدمين على الإنتحار في العراق، تليها ديالى ثم نينوى وبغداد والبصرة، إضافة إلى الحالات الموجودة في إقليم كردستان، التي غالباً تحاط بالسرية والكتمان.

وقد بلغ عدد الذين قرروا إنهاء حياتهم خلال عام 2017 في ذي قار 119 شخصاً و76 وفي ديالى و68 وفي نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة، وفقاً لتقرير المفوضية.

ويتحول إنتحار البعض إلى حوادث عرضية، كما يقول المتحدث السابق بإسم وزارة حقوق الإنسان “كامل أمين”، والذي يوضح أن عشرات حالات الإنتحار تسجل على أنها حوادث تفادياً للحرج الإجتماعي، ثم تكتشف السلطات الأمنية بعد ذلك أنها كانت إنتحاراً.

ومكمن الصعوبة هنا أن الجهات المختصة تضطر أحياناً للبحث بسجلات المرضى في المستشفيات الحكومية للتأكد من حجم الظاهرة لأنها تحاط بالكتمان عادة، على حد قوله.

وقد اتخذت وزارة الصحة قبل بضع سنوات قراراً بإستحداث وحدات في المراكز الصحية لمعالجة الإضطرابات والأمراض النفسية، وأفتتحت بالفعل تسع وحدات منها داخل بغداد، لكنها توقفت بعد تغيير الوزير لاحقاً.

ويرى أستاذ علم النفس بجامعة بغداد “حيدر الدهوي” أن العوامل السياسية والضغوط الإجتماعية والإقتصادية ولدت عدم إتزان لدى الكثير من العراقيين أدى إلى فقدان السيطرة على الذات، مما يدفع بعضهم للإقدام على هذه الخطوة.

وحسب الدهوي فإن أكثر الحالات المسجلة هي في أوساط النساء، لأن المجتمع ما زال “ذكورياً عشائرياً” يضغط على المرأة ولا يمنحها حقوقها كاملة، فبعضهن فقدن المعيل ولم يحصلن على شيء من الدولة، وهن يخضعن لضغوط إجتماعية كثيرة ومعقدة.

ويضرب مثالاً بحالة حصلت قبل عدة أسابيع، لإمرأة كانت تعيل خمس بنات بعد أن قتل زوجها، وعاشت بعده لسنوات حالة من الفقر المدقع الشديد، مما دفعها للإنتحار خوفاً من المستقبل وهرباً من واقعها المزري، بحسب تعبيره.

وهناك أيضا حالات بسبب تعاطي المخدرات والبطالة، وعدم الإحساس بقيمة الحياة أو جدواها، والضغوط التي يتعرض لها بعض الطلبة من قبل أسرهم.

ويضيف الدهوي أن الأمراض النفسية قد تكون دوافع مهمة للإنتحار، لأن العائلة العراقية ليس لديها بشكل عام ثقافة تفهم وإستيعاب الاضطرابات النفسية، مما قد يؤدي إلى تفاقمها.

وهذه الأمراض تتمثل غالباً بالإكتئاب وإضطراب “ثنائي القطب”، والذي يؤدي إلى تقلبات مزاجية مفرطة، تصل بالمصابين إلى الهوس والغرق في الحزن والمشاعر السلبية لفترات طويلة، والإفراط بتناول بعض العقاقير، مما يولد الرغبة بالإنتحار في أحيان كثيرة.

ويعتقد الدهوي أن توفير فرص عمل للشباب والقضاء على العنف والتمييز الطائفي ودعم قطاع التعليم من شأنه أن يسهم في الحد من هذه الحوادث، إضافة للدور الذي يمكن أن تمارسه منظمات المجتمع المدني والمساجد في التصدي للظاهرة.

المصدر:وكالات

تعليقات