في الوقت الذي خرج مواطنين غاضبين احتجاجاً على سوء ادارة السلطة والخدمات، أقدام مسلحون مجهولون يوم السبت الموافق (٥ تشرين الأول ٢٠١٩) على حرق وتخريب استوديوهات ومعدات عدد من القنوات، فيما اعتدت القوة على الفرق الإعلامية المتواجدة داخل المكاتب وصادرت اجهزة هواتفهم، وسط مطالبات المنظمات الدولية المعنية بحقوق الصحفيين وحرية التعبير بالتدخل من اجل انهاء الانتهاكات المتكررة للحريات في العراق.

وفي هذا السياق قال الصحفي في قناة (TRT) رائد المعموري إنه “تلقينا تحذيرات مسبقة في اليوم الذي سبق اقتحام مكتب قناتنا، وكانت جهة مجهولة يرتدي عناصرها اللباس الأسود، وطلبوا منا الكفّ عن تغطية أحداث التظاهرات”.

وأضاف أن “هذه الفعلة وضعت السلطات العراقية موضعاً محرجاً، وبدّدت ما تبقى من صورتها الحسنة، ففي النهاية هو قمع للحريات وتضييق واستهداف للصحافة”.

وأوضح أنه “في اليوم الخامس من التظاهرات التي خرجت نهار الأول من تشرين الأول أكتوبر، كان هناك اقتحام آخر غير اقتحام مكتبي قناة (TRT) والعربية، وقع على بُعدِ شارعٍ من مقر المكتبين، في منطقة شارع أبي نؤاس أيضاً، لكنه كان أكثر وحشيةً من الأول، حين دخلت القوة المسلحة سوداء الثياب مقرّ قناة NRT عربية واعتدت على كادرها بالضرب وصادرت هواتفهم وأكمل عناصرها فعلَتَهم بتحطيم أجهزة القناة ومعداتها، ولم يسلم حتى أثاثها من هذا التحطيم”.

أحد الصحفيين العاملين في NRT عربية، فضّل عدم كشف اسمه خوفاً من الملاحقة، يصفُ ساعة الاقتحام بأنها “وقتٌ مقتطعٌ من الجحيم” ويضيف: إن المفارقة المريرة في ما جرى أن الاقتحام وقع على مرأى ومسمع من قوات الشرطة الاتحادية التي يقع مقرّها قبالةَ مقر القناة بالإضافة لسيارة لشرطة النجدة متمركزة مقابل القناة مباشرةً أيضاً”.

في نهاية السبت، اليوم الخامس من التظاهر سجلت النقابة الوطنية للصحفيين أكثر من /43/ اعتداءً وانتهاكاً بحق صحفيين ومؤسسات صحفية خلال خمسة أيام فقط من التظاهرات وتغطيتها.

ولم تجرِ جميع هذه الاعتداءات والتضييقات وما لحقها، على نحوٍ قانوني، فهي تمثل انتهاكاً صريحاً لـ الدستور العراقي الذي ينص في المادة /38/ أولا (أ): تكفل الدولة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، و (ب): تكفل حرية الصحافة والطباعة والإعلان والنشر، وفقرات الفقرة أولاً من المادة /37/ التي تكفل جميعها كرامة المواطن وتمنع مساءلته والتحقيق معه واحتجازه إلا بقرار قضائي، وهذا ما لم يكن موجوداً.

إضافة للمادة /40/ التي تنص على أن «حرية الاتصالات والمراسلات مكفولة ولا يجوز مراقبتها أو التنصت عليها أو الكشف عنها إلا لضرورة قانونية وبقرار قضائي» وهذا ما لم يكن موجوداً أيضاً حين تمت مصادرة هواتف العاملين في هذه القنوات وإجبار أصحابها على كشف محتواها.

ولم يعرف أحد حتى الآن مَنْ هذه القوة التي نفذت الاعتداءات، فهناك من ينسبها لرئاسة الوزراء وهناك من يعتقد أنها مليشيات تابعة لـ “الحشد الشعبي” ومرتبطة بإيران، وهذا ما أنكره أحد القادة الذين يعملون في دائرة أمن الحشد، كما لم توضح السلطات والجهات الأمنية طبيعة هذه القوات، ولم تُجب أيةٌ من الجهات الأمنية المسؤولة عن طبيعة هذه القوات.

موظفاً في مكتب قناة العربية، فضّل عدم كشف اسمه، يصف هذه القوات بـ «العصابة» ويقول في تصريح صحفي “كان سلوكهم همجياً ضربونا وشتمونا وصادروا هواتفنا لفترة”.

في المقابل لم يبدر من هيئة الإعلام والاتصالات موقفٌ حازم واكتفت باستنكار هذه الاعتداءات، كما لم يُجب أعضاءٌ ثلاثة فيها على التساؤلات التي طرحت بسبب الإعتداءات وتهرّبت الدائرة الإعلامية للهيئة حينما تم سؤالها عن موقفها من تلك الاعتداءات.

ويقول مدير قناة الرشيد “علي بابان” والتي تم إغلاقها الأحد 6 تشرين الأول أكتوبر في تصريح صحفي إن “هيئة الإعلام والاتصالات كانت تطالبُهم طيلة أيام التظاهرات بكشف مصادر أخبارهم وعواجلهم”.

وعند سؤاله عن مصير كادر القناة بعد إغلاقها بسبب تهديد تلقاه مالك القناة ورئيس مجلس إدارتها “سعد عاصم الجنابي” من وسطاء، قال: “سنعاود الاتصال بكوادرنا وإعادتهم بعد أن تضمن لنا الحكومة حريةً كاملةً بالعمل وحمايةً للقناة وكوادرها”.

وتمثل سلسلة الإغلاقات هذه مشكلة لكوادر هذه القنوات بسبب تسريحهم وعدم ضمان حقوقهم، إذ يقول الصحفي الذي كان يعمل في NRT عربية وتعرّض للضرب أثناء اقتحامها: “ليست رواتبنا كافية أصلاً وهي بالعادة، تأتي متأخرة عن موعدها بشهرين، والآن لنا في ذمة القناة أكثر من راتبين ولا نعرف مصيرها أو مصير وظائفنا بعد أن منحتنا الإدارة إجازة مفتوحة ولم توضح لنا مصيرنا”.