سياسة وأمنية

معركة في الموصل أقطابها ميليشيات وجهات تتبع طهران وواشنطن

كشف تقرير لوكالة رويترز الدولية عن معركة جديدة تدور في الموصل حاليا، مؤكدة ان المعركة جديدة تتمثل بصراع على النفوذ بين أحزاب وساسة ورجال فصائل مسلحة. بعضهم تدعمهم إيران وآخرون يفضلون الولايات المتحدة.

وقال التقرير: إن “وقائع هذه المعركة تدور إلى حد كبير خلف الكواليس، من قاعات الحكومة المحلية التي تطل على شوارع خربها القصف في المدينة، إلى قاعات الاجتماعات بفنادق في بغداد”.

وعلى المحك، السيطرة السياسية في محافظة نينوى التي تمثل الموصل عاصمتها وهي منطقة غنية بمواردها الطبيعية وتمثل همزة وصل في طريق إمداد يمتد من طهران إلى البحر المتوسط. ويخدم هذا الطريق فصائل تدعمها إيران وتعد ألد أعداء الولايات المتحدة هنا منذ هزيمة تنظيم الدولة (داعش).

وسجل حلفاء إيران انتصارات في هذه المعركة. فقد عينوا محافظا تفضله إيران قبل عام. لكن النفوذ الإيراني واجه تحديات تمثلت في احتجاجات مناهضة للحكومة وعقوبات أميركية ومقتل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني.

واستطاع المعسكر المؤيد للغرب إبدال محافظ نينوى بحليف قديم للولايات المتحدة، ويعكس هذا التنافس صراعا أوسع على مستقبل العراق نفسه.

على مدار عام حاورت رويترز حوالي 20 مسؤولا عراقيا يشاركون في هذا الصراع السياسي على نينوى. روى هؤلاء كيف كونت إيران وحلفاؤها شبكات لبسط النفوذ على الحكم المحلي وكيف حاول مسؤولون مؤيدون للغرب التصدي لهم وكيف عرقل هذا الشد والجذب نهوض الموصل من كبوتها.

ويعتقد كثيرون من المطلعين على بواطن الأمور أنه إذا كان لجانب من الجانبين أن ينتصر فسيكون في النهاية الطرف المتحالف مع إيران.

وقال علي خضير عضو مجلس محافظة نينوى إن إيران تدعم حلفاءها بالمال والمساندة السياسية ولا تفارقهم. وأضاف أنه على النقيض فإن “سياسة الولايات المتحدة لم تؤثر على العراق”.

وقد أصبح جانب كبير من الموصل عبارة عن أطلال حيث تتعثر حركة السيارات عبر جسور مدمرة ويبيع المعاقون من ضحايا الحرب المناديل الورقية والسجائر والشاي عند التقاطعات. وتلك صورة من البؤس يخشى المسؤولون العراقيون أنها تمثل الأرض الخصبة المثالية لعودة تنظيم داعش للظهور.

وكان من شأن تغيير المحافظ مرتين في 2019 عدم قيام الإدارة المحلية بإحالة عقود مشروعات جديدة لا تقل قيمتها عن 200 مليون دولار في العام الماضي.

ويقول مسؤولون، كما توضح وثيقة من الإدارة المحلية اطلعت عليها رويترز، إن من هذه المشروعات مستشفى جديدا للطواري وشراء عربات لنقل الركام من البيوت التي تهدمت في القصف وتدعيم أسطول فرق الدفاع المدني التي لا تملك المعدات الكافية.

ولم ترد الحكومة العراقية على أسئلة تفصيلية قدمتها رويترز. وقال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لرويترز ردا على سؤال عن الموصل إن الفساد والخلافات السياسية يعرقل النهوض بالمدينة لكنه نفى وجود صراع بالوكالة.

تعد أسرة رشا سعيد الصغيرة واحدة من آلاف الأسر التي تعاني من  مظاهر فشل مجلس المدينة.

وقد عادت الأسرة إلى الحي الذي كانت تقيم فيه بعد تحريره من تنظيم داعش ولا تزال في حالة حداد على مقتل ابنها وهو في التاسعة من العمر في غارة جوية شنها التحالف بقيادة الولايات المتحدة في 2015.

وجدت الأسرة بيتها مدمرا بالقنابل وقد سوي بالأرض. وتعيش رشا وزوجها لؤي شاكر وأطفالهما الثلاثة الباقون بالاستدانة في شقة مؤجرة أجريت بها إصلاحات جزئية على مقربة من البيت.

وتراقب الأسرة العشب ينمو على قطعة الأرض التي كان بيتها القديم قائما عليها. ويقول سكان إن جثث بعض مقاتلي تنظيم داعش مدفونة تحت الأرض.

كان لؤي عاملا يدويا يعمل قبل الحرب في نقل البضائع إلى المتاجر في أسواق المدينة القديمة بالموصل. غير أنه لا يمكنه العمل الآن إذ يمر بمرحلة نقاهة من عملية جراحية لإزالة ورم خلف أذنه.

ولضيق الأماكن في المجمع الطبي في غرب الموصل حيث كان من المفترض بناء مستشفى جديد فإن المتابعة العلاجية متقطعة وبطيئة.

وقالت رشا “أكو (هناك) انتظار بالمستشفى. الطبيب المتخصص بإصابة لؤي يقدر يأخذ فقط 3 مواعيد في الأسبوع مثلا”.

والمجمع الطبي عبارة عن مجموعة من الهياكل سابقة التجهيز مقامة على موقع واسع تعرض للقصف كان به خمسة مستشفيات مجهزة بالكامل بها مئات الأسرة.

ويقول أطباء إن بالمجمع الآن حوالي 80 سريرا لعنابر الطوارئ والعناية المركزة تخدم ما يزيد على مليون شخص يعيشون في المنطقة.

ويتحدث الأطباء عن نقص المعدات والأدوية بما في ذلك الكمامات والقفازات وهو ما يمثل مصدر قلق خاص مع ارتفاع حالات الإصابة بكوفيد-19 في العراق. وعلق متحدث باسم وزارة الصحة في العراق قائلا إن المعدات الواقية متوفرة في جميع المؤسسات الطبية التابعة للدولة.

ويقف البيت الذي تعيش فيه رشا بصفة مؤقتة وسط الدمار على تل يطل على نهر دجلة ويشرف على الموصل.

وقالت رشا مشيرة إلى تنظيم داعش “قبل التنظيم كانت طموحاتنا بسيطة. كنا نريد حياة بدون عنف وحرب وبيت أكبر لنا وتعليم لأطفالنا والآن مستحيل”.

 

تغير في مجلس المدينة

يمثل الصراع السياسي على نينوى جانبا من الصورة الأوسع في المحافظات الشمالية ذات الغالبية السنية.

تحد سهول نينوى الخصبة من الغرب سوريا التي حارب فيها الحرس الثوري الإيراني إلى جانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد. وخلفها يقع لبنان حيث حزب الله المتحالف مع إيران الشيعية.

وتشكل بقية هذا القطاع من الأراضي التي يغلب عليها السنة محافظات الأنبار التي يشقها نهر الفرات وصلاح الدين التي يقع فيها ضريح شيعي مهم وديالى المتاخمة لإيران.

وأشار التقرير إلى أنه وبعد أن ساعدت الفصائل المدعومة من إيران في إخراج تنظيم داعش من الموصل في 2017 بقيت الفصائل في المنطقة.

وترفرف أعلام هذه الفصائل في مختلف أنحاء شمال العراق جنبا إلى جنب مع رايات ولوحات إعلانات تكرم قياداتها بمن فيهم القائد الإيراني المقتول سليماني.

روى 20 من مسؤولي الحكم المحلي والنواب في بغداد والقيادات العشائرية حاورتهم رويترز كيف عملت إيران على تدعيم نفوذها السياسي إلى أن أصبح لها حلفاء في كل إدارة إقليمية تقريبا.

وقالت تلك المصادر إن من الشخصيات المحورية لتلك الجهود في نينوى اثنين من أصحاب النفوذ من السنة هما خميس الخنجر وهو رجل أعمال من محافظة الأنبار اتجه إلى العمل بالسياسة وأحمد الجبوري المعروف على نطاق واسع بكنيته أبو مازن وهو محافظ سابق لمحافظة صلاح الدين وعضو في البرلمان العراقي حاليا.

وفي 2018 انضم الخنجر وأبو مازن على غير المتوقع إلى تكتل من قيادات الأحزاب والفصائل المدعومة من إيران في البرلمان العراقي.

ثم تدخل الخنجر وأبو مازن في مايو 2019 في اختيار محافظ نينوى الجديد وفقا لما قالته تسعة مصادر منها عدد من أعضاء المجلس الإداري الإقليمي وأقارب للاثنين.

وقالت المصادر إن أغلبية من أعضاء مجلس نينوى التسعة والثلاثين المكلفين بانتخاب المحافظ الجديد أيدوا في البداية مرشحا ينتقد إيران. لكن أبو مازن والخنجر وجها الدعوة لنحو 24 عضوا تقريبا من أعضاء المجلس قبل يومين من موعد التصويت لحضور اجتماع في فندق في أربيل التي تقع على مقربة من الموصل وفقا لما قاله عدد من الأشخاص حضر أحدهم الاجتماع.

وقالت المصادر إن أعضاء المجلس حصلوا على وعود بتولي مناصب في الحكومة المحلية أو بتلقي مبالغ تصل إلى 300 ألف دولار للواحد إما من الرجلين أو من مكتبيهما إذا صوتوا لمرشح مختلف هو منصور المرعيد وهو سني كانت تؤيده إيران وحلفاؤها في بغداد.

وقال عضو بالمجلس لرويترز إنه قبل المال واستخدمه في شراء منزل جديد، وتم انتخاب المرعيد بأغلبية 28 صوتا من أعضاء المجلس.

وأكد الخنجر أنه وأبو مازن التقيا بأعضاء المجلس في أربيل للاتفاق على الحاكم والتفاوض على المناصب الإقليمية. كما أكد أنه أيد المرعيد لكنه نفى شراء الأصوات.

وقال “لا أدفع مبالغ من أجل تحقيق مكاسب سياسية … لم أدفع دينارا واحدا”.

وقال المرعيد المرشح الفائز إنه لا علم له بأي رشاوى قدمت لأعضاء المجلس ونفى أنه موال لإيران بأي شكال من الأشكال. وأضاف “ليس لدي علم من هو.. أعضاء المجلس يباعون. لا استغرب حصول شيء من هذا القبيل”.

ولم يكن لقاء أربيل الاجتماع الوحيد الذي انعقد في ذلك الوقت. فقد وصف ثلاثة من أعضاء المجلس حاورتهم رويترز اجتماعات واتصالات أخرى بمسؤولين كبار في الفصائل العراقية كانوا يحاولون كسب التأييد للمرعيد.

وروى عضو آخر بمجلس نينوى أنه وأحد زملائه دعيا إلى فندق في بغداد عقب التصويت للقاء دبلوماسي إيراني رفيع وأحد قادة الفصائل العراقية الموالين لإيران.

وقال العضو الذي سبق أن رفع صوته بانتقاد تعيين المرعيد إنه تلقى عرضا بمنصب في حكومة نينوى إذا تخلى عن معارضته للمحافظ الجديد. وأضاف أنه امتنع عن قبول العرض.

بعد ذلك فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قادة الفصائل المتحالفة مع إيران وعلى حلفائهم العراقيين من السنة ومنهم أبو مازن في يوليو والخنجر في ديسمبر.

وقالت الخزانة الأميركية إنها قررت تجميد أصول أبو مازن لأنه حما “مصالحه الشخصية وتصرف بما يلائم وكلاء تدعمهم إيران يعملون خارج سيطرة الدولة”.

واستهدفت الوزارة الخنجر في جولة من العقوبات على قادة فصائل مدعومة من إيران واتهمته بالرشوة وقالت إنه أنفق “ملايين الدولارات على شخصيات سياسية عراقية من أجل الحصول على تأييدها”.

ونفى أبو مازن والخنجر ارتكاب أي أخطاء في ذلك الوقت ونددا بالعقوبات الأميركية باعتبارها تدخلا في الشؤون الداخلية للعراق.

وقال أحد أقارب أبو مازن وخمسة من أعضاء مجلس نينوى إن أبو مازن شعر بأنه تحت ضغط نتيجة للخطوة الأميركية. وأضافوا أن هذه الإجراءات ساهمت في إقناعه بسحب تأييده للمرعيد وتأييد قائد عسكري سابق حليف للولايات المتحدة هو اللواء نجم الجبوري لكي يحل محله في منصب المحافظ.

وفي نوفمبر صوت 23 من أعضاء المجلس التسعة والثلاثين بالموافقة على عزل المرعيد وتعيين الجبوري.

ويقول مسؤولون محليون إن تعيين الجبوري والضغط على حلفاء إيران في مختلف أنحاء البلاد بالضربات الجوية والعقوبات الأميركية حد من نشاط الفصائل المسلحة في الموصل.

وتقلص وجود الفصائل العسكري في الشوارع الداخلية بالمدينة بعد أن كانت رايات شيعية وأعلام الفصائل ترفرف في وقت من الأوقات فوق المساجد.

ويأمل المسؤولون المؤيدون للولايات المتحدة في الموصل أن تحول حكومة رئيس الوزراء الكاظمي والانقسامات بين الفصائل المدعومة من إيران في أعقاب مقتل سليماني، الدفة عن النفوذ الإيراني. والكاظمي مقبول لدى الولايات المتحدة وإيران.

لكن هؤلاء المسؤولين يشكون أيضا من أن المحافظ الجبوري لا حول له ولا قوة في مواجهة فصائل إيران وحلفائها السياسيين في الموصل.

وقال علي خضير عضو مجلس الموصل “نجم الجبوري ضعيف سياسيا … بسبب قوة فصائل الحشد. هو المفروض يتعامل معهم بالبطء والحذر”.

وقال الجبوري لرويترز إن أي محافظ سيواجه انتقادات، ودافع عن سجله. وسلم بأن المنافسات السياسية تعرقل تحقيق التقدم في إعادة بناء المدينة. وقال “أكيد هناك صراع سياسي كبير وينعكس سلبيا على وضع الإعمار … نعم (عملي) أصعب”.

وقال أربعة مسؤولين محليين إنه تم تبديل شاغلي بعض المناصب الإدارية وإن هذه المناصب لم تعد تخضع لسيطرة حلفاء الفصائل المدعومة من إيران لكن مناصب أخرى لا يزال يشغلها مسؤولون على صلة بجماعات الفصائل.

وللفصائل أيضا مكاتب في الموصل وعقود أعمال أخرى رغم أن هذه المكاتب ألغيت بمرسوم من الحكومة المركزية العام الماضي. ولم ترد الفصائل المسلحة على أسئلة من رويترز عن أنشطتها.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق