الخميس 18 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » العشائر العراقية »

الفصل العشائري.. من تقليد للصلح وحقن الدماء إلى "تجارة مربحة"

الفصل العشائري.. من تقليد للصلح وحقن الدماء إلى “تجارة مربحة”

قسم التقارير – العراق

بقيت الأعراف العشائرية حتى فترة قريبة في العراق تلعب دورًا تكميليًا، ولا حق لسلطة القانون، ويتم التركيز فيه على تحقيق الصلح وحقن الدماء بين الأطراف المتنازعة عبر تسويات مالية أو ودية، قبل أن تتسلم زمام الأمور بعد الاحتلال الأمريكي حيث أصبحت لغة البنادق القبلية هي السائدة، والصوت الأعلى في المجتمع، بينما تتجنب الأجهزة الأمنية التدخل وحتى القضاة باتوا ينصحون المتخاصمين بتسوية مشاكلهم عشائريًا.

ومع أن العرف العشائري ينص على أن صاحب المشكلة يجب أن يستعين بشيوخ أو وجهاء قبيلته لحل القضية موضع النزاع، على أن يكون للأطراف الأخرى حق النصح والإرشاد من أجل التسوية، غير أن الواقع الحالي يشير إلى ظهور مهن تعتاش على المشاكل العشائرية، ومنهم الوسطاء والمساندون الذين يتقاضون نسبة محددة من كل مبلغ يتم الاتفاق علية لتسوية النزاع العشائري.

طبيب يدفع 5 ملايين للوسطاء

الملاحقات العشائرية كانت السبب في هجرة العديد من الكفاءات العراقية، ومنهم الدكتور “أنس حاتم الصفار”، الذي فوجئ بموفد يبلغه بأنه مطلوب للقضاء العشائري؛ بسبب وفاة أحد المرضى بين يديه في قسم الطوارئ بمستشفى “الكرامة”، وأن عليه أن يستعين بعشيرته من أجل تحديد جلسة المحاكمة التي لم يكن مستعدًا لها، ولا يعرف عنها شيئًا؛ لانشغاله طيلة حياته بالدراسة، وتوزيع وقته بين المستشفى وعيادته الخاصة.

“الفصل العشائري في أصله هو رادع لكل من يحاول التجاوز على الآخرين”

ويبين أحد أبناء عمومة الدكتور “الصفار” أن عائلتهم ليست لها باع في هذه القضايا، ولم يسبق لهم الدخول بمشاكل من هذا النوع، وهو ما دفع ابن عمه إلى اللجوء إلى الوسطاء عبر أحد الأصدقاء، الذي جمعهم في جلسة عمل بمنزله، مبينًا أن الوسيط يمتلك مجموعة عروض مختلفة، وبأسعار متنوعة، يتم استيفاؤها بشكل نسبة مئوية من المبلغ الذي يتم الاتفاق عليه مع العشيرة المقابلة.

وتتضمن أول عروض الوسيط توفير مجموعة من الشيوخ والوجهاء فقط، ويتقاضون ربع المبلغ المخفض، بينما يشمل العرض الثاني شيوخًا ومسؤولين في الأجهزة الحكومية، ومنهم ضباط في جهاز ما يسمى بـ”الأمن الوطني”، ويتقاضون ثلث المبلغ، في حين كان العرض الثالث هو الأغلى، والذي يحتوي على الصنفين السابقين؛ بالإضافة إلى عناصر يمثلون فصائل مسلحة، وهؤلاء يحضرون بملابسهم الرسمية وحراساتهم، ويوفرون وجاهة إضافية لصاحب المشكلة، ويضمنون تخفيض المبلغ المطلوب منه “الدية” إلى أقل سعر، ويتقاضون 40% من التخفيض.

ويتابع قريب الدكتور “الصفار” في حديث لــ”وكالة يقين”، أن فريق الوسطاء في حالتهم -وهم من الصنف الأول- قاموا بالمساومة مع العشيرة المقابلة من أجل تخفيض المبلغ، حتى وصل به إلى 20 مليون دينار، وحصلوا هم على ربع المبلغ وهو 5 ملايين دينار، مضيفًا بأن رئيس فريق الوسطاء -وبعد انتهاء المشكلة- أبدى استعداده للتخفيض من نسبته في المستقبل، في حال استمرار التعامل بينهم، مع وعد بمنح نسبة مالية لكل من يأتيه بقضايا مشابهة.

شيخ: الوسطاء يتربحون من تضخيم المشاكل

إلى ذلك يؤكد الشيخ “محمد راضي العلواني” من قضاء “المحاويل” جنوب بغداد، أن ازدهار هذه المهنة “الوسطاء” يكاد يقتصر على العاصمة بغداد، وخصوصًا سكانها القدماء الذين لم يهتموا كثيرًا بالروابط العشائرية، مما يجعلهم يقعون فريسة للوسطاء عند مواجهتهم لهذه المشاكل، مبينًا أنه وفي الوقت الذي يعمل القانون العشائري على حل المشاكل وتبسيطها؛ فإن هؤلاء الوسطاء يبذلون جهدهم لتعقيد المشاكل وتضخيمها؛ من أجل زيادة أرباحهم.

“الملاحقات العشائرية كانت السبب في هجرة العديد من الكفاءات العراقية

ويعرب “العلواني” لـ”وكالة يقين” عن أسفه لحجم الإساءة التي لحقت بمؤسسة العشيرة بسبب هؤلاء أو غيرهم، من الذين يحولون أبسط المشاكل إلى منازعات تستوجب التهديد بالسلاح “الدكة”، وبعدها منح المهنة الزمنية “العطوة”، قبل أن يخضع الشخص المقابل ويرسل “الفرشة”، وهي التجهيزات المالية اللازمة لعقد جلسة الحق “مجلس الفصل”، حيث يتم التراضي على مبلغ من المال أو بالحل الودي، وبعدها تكون المشكلة محلولة عشائريًا، ولا يحق لأي من الطرفين أن يقدم على أي عمل عدائي ضد الطرف الثاني.

ويشدد الشيخ “العلواني” على أن الفصل العشائري في أصله هو رادع لكل من يحاول التجاوز على الآخرين، وحافظ للدم والعرض والكرامة، وفي العديد من المجالس ينتهي بالتراضي الودي وبدون مقابل مادي “الدية”، والتي يبين أنها بالأساس تكون مساعدة لأهل الضحية سواء كانوا زوجته وأطفاله أو والديه وإخوته، خصوصًا إذا كان هو المعيل لهم.

ومع دفاعه عن القوانين العشائرية المسماة بالـ”سنينة” وقناعته بأنها في الأصل مُنصِفة للمظلومين ومعاقبة للمسيئين؛ إلا أن الشيخ “العلواني” يؤكد بأنها تُستخدَم حاليًا بشكل مغاير لحقيقتها، مستغربًا من مقاضاة الطبيب في عمله، والمدرس ورجل الأمن ومحاولات اصطياد الزلات والهفوات من الأغنياء، حتى يتم ابتزازهم ماليًا من قِبَل ضعاف النفوس، والغرباء على الأصول العشائرية.

ضعف القانون يسمح بتضخم الفصل العشائري

وفي السياق فإن مسؤول لجنة فض النزاعات في “البصرة” الشيخ “يعرب المحمداوي” يأسف لتحول النزاعات إلى ثقافة لدى العديد من العشائر، وخصوصًا في المناطق ذات الموارد المالية الغنية، مثل: محافظة “البصرة”، التي يبين أن هناك من يعمل للسيطرة عليها باسم العشيرة.

ويوضح “المحمداوي” لــ”وكالة يقين” أنه في الماضي كانت النزاعات العشائرية تنشب على خلفية الثأر، أو ملكية الأراضي الزراعية، أو قضايا اجتماعية مختلفة ، مستدركًا بأن النزاعات في الوقت الحالي يكون السبب فيها هو الخلاف على الأراضي الاستثمارية والمشاريع، وأموال التعويضات المقدمة من الشركات العاملة في محافظة “البصرة”.

ويشدد “المحمداوي” على أن التضخم الحاصل في قضايا الفصل العشائري في الوقت الحالي يعود إلى تقاعس القيادات الأمنية عن أداء واجبها في الحماية، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، مذكرًا بأن الإجراءات العشائرية ومن ضمنها: “الفصل” و”العطوة” هي حلول مؤقتة، ولا يمكنها أن تحل بدلًا من القانون الذي يجب أن يطبق على الجميع من دون استثناء.

خيبة أمل من القضاء

من جهته يبين الأستاذ الجامعي “م ، ن” –رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية-، أن القانون أصابه بخيبة أمل غير مسبوقة، حين نصحه قاضٍ في قصر القضاء بالرصافة؛ بأن يتوصل إلى حل عشائري مع الشخص المعتدي عليه، في حين اعتذر ضابط شرطة برتبة نقيب عن عدم قدرته على مسح عبارة “مطلوب دم”، التي كتبها أقارب المعتدي على السياج الخارجي لمنزله.

“التضخم الحاصل في قضايا الفصل العشائري في الوقت الحالي يعود إلى تقاعس القيادات الأمنية عن أداء واجبها في الحماية”

الأستاذ الجامعي الساكن في منطقة “زيونة” شرق بغداد قال لــ”وكالة يقين”: إن مشكلته تتلخص ببيع سيارة إلى أحد الأشخاص الذي عاد إليه بعد ثلاثة أشهر مطالبًا إياه برغبته في إعادة السيارة واسترجاع نقوده؛ لأنه اكتشف بها عيبًا خطيرًا في المحرك، مضيفًا أن العيب حصل لدى المشتري، وأنها كانت سليمة في وقت البيع، وبشهادة ميكانيكي معروف قام بفحصها من جميع النواحي.

ويتابع الأستاذ الجامعي أنه رفض إعادة المبلغ، واستهان بالتهديدات التي أطلقها المشتري، قبل أن يباغته بهجوم مسلح مع عدد من أقربائه، حيث أطلقوا النار على منزله، وكتبوا عبارات التهديد على السياج الخارجي، الأمر الذي اضطره إلى نقل عائلته إلى بيت أخيه في جانب “الكرخ” من بغداد، ورفع دعوى على المعتدين مستعينًا ببياناتهم الشخصية الموجودة في عقد بيع السيارة.

وبخيبة أمل كبيرة يضيف “الاكاديمي” البالغ من العمر 52 عامًا، أنه وبعد سماع كلام القاضي وضابط الشرطة؛ رضخ للتهديد وجلس للصلح مع المشتري، وأعاد له 20 ألف دولار ثمن السيارة التي باعها –بصعوبة- بنصف المبلغ، بعد أن تعرضت لمجموعة حوادث، فضلًا عن علامات على عطل في المحرك، وهي تسوية سمحت له بالعودة إلى منزله بعد زوال الخطر.

خبير: مكاتب تدير تجارة التوسط العشائري

وبعرض قضية الأستاذ الجامعي على الخبير القانوني والإداري “أكرم الجاف”؛ فإن المعتدي ارتكب جريمتين، هما: الشروع بالقتل من خلال إطلاق الرصاص على المنزل الذي تسكنه العائلة، وهي جريمة يعاقِب عليها قانون العقوبات العراقي بالسجن بين 7 سنوات والمؤبد، بينما تمثل كتابة عبارات التهديد على المنزل جريمة تهديد صريحة، يعاقِب عليها القانون بالسجن من سنة واحدة وحتى 7 سنوات، مع الغرامة بحسب نوع التهديد وطريقته.

“تحول النزاعات إلى ثقافة لدى العديد من العشائر، وخصوصًا في المناطق ذات الموارد المالية الغنية”

ويوضح “الجاف” لــ”وكالة يقين” أن هناك خلط كبير بين جرائم يمكن أن يتم تسويتها بالصلح، مثلما يحصل في القانون العشائري، وهي لا تتعدى المشاجرة أو دخول المنازل بالإكراه والخيانة الزوجية، بينما هناك جرائم أخرى لا ينطبق عليها أبدًا القانون العشائري، وهي: القتل والسرقة بالإكراه، وهتك الأعراض وجرائم أخرى، لا يخلى سبيل المُتَّهَم فيها حتى بعد الصلح، أو التنازل عن الحق الشخصي؛ لأن الحق العام الذي يطبق فيها يكفل -وبموجب القانون- حقوق الملكية والحياة والشرف، ويعاقب عليها بمعزل عن حق الشخص الذي وقع عليه الضرر.

ويعزو الخبير “الجاف” التداخل الحاصل حاليًا بين العرف العشائري من جهة، والقانون من جهة أخرى إلى جهات متنفذة؛ تدفع باتجاه سيادة قِيَم الاعتبارات الطائفية والعشائرية والمناطقية، وتغليبها على القانون من أجل ضمان السيطرة، متابعًا بأن هذه الجهات سمحت وشجعت على ظهور المهن المرتبطة بالأعراف العشائرية، وهم الوسطاء الذين باتوا يمتلكون مكاتب ومساعدين، ويوزعون بطاقات شخصية بالقرب من مباني المحاكم ومراكز الشرطة ومكاتب المحامين، من أجل تحويل الشكاوى والقضايا من مسارها القانوني الطبيعي إلى طريق الجلسات العشائرية، التي يجنون منها الثروات بغير حق.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات