الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الأزمة السياسية في العراق »

الانتخابات العراقية.. فقراء يبيعون أصواتهم والمشتري يشترط ضمانات مؤكدة

الانتخابات العراقية.. فقراء يبيعون أصواتهم والمشتري يشترط ضمانات مؤكدة

قسم التقارير – بغداد

على العكس من جميع الانتخابات التي خاضها العراق سابقًا؛ تأتي الحالية وسط حديث ومساومات صريحة بشأن بيع البطاقات الانتخابية إلى المرشحين، وبمستوى أسعار بات ثابتًا ومحددًا مع خلاف مستمر بشأن الضمانات التي يمكن تقديمها لإتمام الصفقة، خصوصًا وأن المشرفين على الانتخابات الحالية يزعمون أنها الأصعب على المزورين؛ وذلك بفضل الأجهزة والتقنيات الحديثة المستخدمة في عمليات التصويت والعد والفرز وإعلان النتائج.

ومع أن عملية تحديث بيانات الناخب بدأت منذ فترة طويلة في بغداد وباقي المحافظات، إلا أن الملاحظ زيادة الإقبال عليها ارتفع مؤخرًا، وبعد تحرك وكلاء المرشحين ومباشرتهم بشراء الأصوات، وخصوصًا في المناطق الشعبية مستفيدين من حالة الفقر والعوز التي تعاني منها قطاعات واسعة من الشعب العراقي.

البحث عن أعلى سعر

“دفع المبالغ مقابل شراء البطاقات الانتخابية هو تعبير حقيقي عن العملية الانتخابية في العراق”

لا يخفي “أبو ميثم العتابي” بحثه عن أعلى سعر لبيع خمسة بطاقات انتخابية تعود له ولزوجته وثلاثة من أولاده، وهم الذين يحق لهم التصويت من أفراد العائلة، وهو قرار اتخذه مع مجموعة من معارفه العاملين معه في مهنة البناء، معتبرًا أن المبلغ الذي سيحصل عليه هو تعويض له عن يوم الانتخابات، والذي لن يذهب فيه إلى العمل.

“العتابي” الساكن في حي مسقط التابع لقضاء “الحسينية” شمالي العاصمة بغداد قال لـ”وكالة يقين”: إنه يعتقد بأن نتائج الانتخابات محسومة سلفًا، ولن يغير منها شيئًا إذا شارك أو قاطع، وبالتالي فهو يرغب بالاستفادة المادية منها، خصوصًا وإنه حصل على عرض بمبلغ 750 ألف دينار مقابل البطاقات الخمس التي يمتلكها، ولكنه يصر على مبلغ مليون دينار وهو متأكد من الحصول عليه مع اقتراب موعد الانتخابات واشتداد المنافسة بين وكلاء المرشحين الذين يتولون عملية جمع الأصوات.

ويبين “العتابي” أن وكيلًا لحزب إسلامي متنفذ زار منطقتهم الفقيرة مؤخرًا، وتحدث مطولًا عن أهمية مساعدتهم لمرشحي الحزب، من أجل أن يتمكنوا بدورهم من خدمة أهالي المنطقة، وهو خطاب قوبل بالاستهزاء والسخرية من الحاضرين، الذين طالبوا أن يكون الحديث صريحًا، وأن يعلن عن سعره لشراء بطاقة الناخب، مشيرًا إلى أن الزائر استنكر هذا الكلام، نافيًا أن يكون حزبه يتعامل بهذه الأساليب قبل أن يعود للاتصال الشخصي بهم ويعرض عليهم مبلغ 150 ألف دينار مقابل كل بطاقة انتخابية.

وكلاء المرشحين يتفقون على سعر موحد

إلى ذلك يؤكد “أبو روان المفرجي” أن سعر البطاقة الانتخابية في حي المهدية الأولى بمنطقة “الدورة” جنوبي بغداد استقر عند مبلغ 200 ألف دينار، ولن يرتفع إلى أكثر من هذا بسبب اتفاق غير معلن بين وكلاء المرشحين في المنطقة، موضحًا أن السعر الحالي هو النهائي، ولن تتم زيادته بسبب قلة المتبقين من الناخبين في الحي الذي يعد واحدًا من أكثر الأحياء شعبية وفقرًا في العاصمة بغداد.

ويشير “المفرجي” في حديث لــ”وكالة يقين” إلى أن المرشحين ووكلاءهم لم يعيدوا هذا العام الطرق التقليدية السابقة مع المواطنين، سواء كانت توزيع بطانيات ومدافئ، أو حصص غذائية، أو حتى الوعود بالدرجات الوظيفية، معتبرًا أن دفع المبالغ مقابل شراء البطاقات الانتخابية هو تعبير حقيقي عن العملية الانتخابية في العراق، حين يعمد المرشح إلى شراء الكرسي البرلماني وامتيازاته بالمال -وبطريقة مباشرة-، بعيدة عن شعارات خدمة الوطن والمواطن.

ويضيف “المفرجي” أن العملية لو لم تكن مربحة لما وجدنا هذا الطوفان من المرشحين ووكلائهم، الذين يزورون حَيَّهم الفقير بشكل يومي طالبين من الوجهاء وشيوخ العشائر أن يقوموا بإعداد الولائم والدعوات التي يدفعون تكاليفها مسبقًا، وأن يعلقوا اللافتات التي تعلن “تأييد العشيرة لابنها البار”، ساخرًا من أحد الشيوخ الذي يعلق يوميًا لافتة تأييدًا لمرشح مختلف عن الذي سبقه، حتى بات المواطن لا يميز بين الأسماء والألقاب والأحزاب.

صفقة رابحة للمرشح

“مساومات صريحة بشأن بيع البطاقات الانتخابية إلى المرشحين، وبمستوى أسعار بات ثابتًا ومحددًا”

من جانبه يؤيد المحلل السياسي “عدنان الحاج” ما ذهب إليه “المفرجي” بشأن الصفقة الرابحة في بيع وشراء الأصوات، مبينًا أنه لو افترضنا أن المرشح اشترى 100 ألف صوت وهو العتبة الانتخابية اللازمة للحصول على مقعد في البرلمان، وبمبلغ 200 دولار للصوت الواحد لتطلب الأمر 20 مليون دولار، معتبرًا أن هذا الثمن يبدو مناسبًا للمرشح الفائز الذي يمكنه تعويض هذه التكاليف خلال أقل من سنة واحدة في البرلمان.

وبعيدًا عن الراتب الضخم الذي يحصل عليه النائب البرلماني، معززًا بالمنافع الاجتماعية، وطاقم الحماية الكبير، والتأمين الصحي الشامل للمعالجة في خارج العراق؛ فإن الحاج يوضح لـــ”وكالة يقين” أن المكاسب الحقيقية للنائب تأتي من عدد الاستجوابات التي يقدمها بحق الوزير، أو المسؤول الفلاني، ويتخلى عنها لاحقًا بعد التوصل إلى تسوية مالية مناسبة، فضلًا عن حجم المقاولات التي يحصل عليها ويحيل تنفيذها إلى الشركات المملوكة من قبل داعميه، والذين مولوا حملته الانتخابية.

ويستشهد المحلل “الحاج” على كلامه بحجم الإصرار الذي يبديه من ذاقوا طعم الكرسي البرلماني وهم النواب السابقون والوزراء الحاليون، والذين فضل بعضهم اختصار الموضوع وشراء تسلسل متقدم في القوائم القوية، وهؤلاء ضمنوا الفوز منذ الآن، بينما اختار البقية الطريق الأطول، والمتمثل بشراء الأصوات الانتخابية الكافية لاجتياز العتبة الانتخابية.

المفوضية تتوعد البائع والمشتري والمروج

إلى ذلك عد رئيس مفوضية الانتخابات “معن الهيتاوي” الحديث عن بيع البطاقات الانتخابية بأنه دعايات مغرضة، يطلقها البعض ولم تثبت لديهم حتى الآن وجود شكوى حقيقية بهذا الخصوص، متهمًا أحزابًا سياسية بترويج هذه الإشاعات والحديث عنها أمام وسائل الإعلام من دون وجود دليل حقيقي.

واستغرب “الهيتاوي” في تصريح لــ”وكالة يقين” من الترويج لهذا الموضوع في الانتخابات المقبلة، والتي تشهد أكبر عملية لاستخدام التكنولوجيا، ابتداءً من مرحلة تحديث سجل الناخبين، والتحقق من هوية الناخب، وإيداع الورقة الانتخابية، حتى مرحلة العد والفرز التي ستتم جميعها بطريقة الكترونية، وبدون تدخل الموظف، وكذلك الحال بالنسبة لإعلان النتائج الذي من المقرر أن يتم بعد 24 ساعة من انتهاء عملية التصويت، وهي تقنيات لم يكن أغلبها موجودًا في آخر عملية انتخابية جرت عام 2014.

وأضاف “الهيتاوي” أن المفوضية وفي اجتماعها الأخير مع مجلس الوزراء؛ تم التطرق -وبالتفصيل- إلى القرار الذي أصدروه، والمتضمن إحالة أي موظف أو مرشح أو ناخب إلى المحاكم المختصة في حال ثبوت استغلالهم البطاقات الانتخابية لغير الغرض المخصص لها وهو التصويت، مشيرًا إلى أن المادة القانونية المتعلقة بهذه الجريمة تصل مدة العقوبة فيها إلى السجن 15 عامًا.

ناشط: هذه ابرز طرق الشراء

غير أن الناشط المدني “كريم عاشور البهادلي” يؤكد بأن المرشحين ووكلاءهم يجدون دائمًا الحلول للتغلب على التكنلوجيا الحديثة التي ستمنع قيام أي شخص باستخدام بطاقة الانتخابات للتصويت عن شخص آخر، ومنها: طرق التعيين مراقبَ كيان سياسي، أو أخذ تعهدات على الناخب، ومنها: أداء القسم، أو تصوير البطاقة الانتخابية.

“سعر البطاقة الانتخابية في حي المهدية الأولى بمنطقة “الدورة” جنوبي بغداد استقر عند مبلغ 200 ألف دينار”

ويشرح “البهادلي” لـ”وكالة يقين” أن شراء الصوت لا يعني أخذ البطاقة والاحتفاظ بها لدى المرشح أو وكيله، ولكن تعني مثلًا أن يقوما بتعيين الشخص مراقبَ كيان سياسي، وفي منطقته السكنية ؛لضمان قيامه بعملية التصويت لهذا المرشح، أو أن يتم أخذه للقَسَم سواء على القرآن الكريم أو في العتبات المقدسة في كربلاء أو النجف، ليقوم بأداء القسم على انتخاب المرشح الفلاني، وبصوت مسموع، وهي طريقة رائجة جدًا في بغداد والمحافظات الجنوبية.

ويتابع “البهادلي” أن الطريقة الأحدث في العام الحالي تتلخص بقيام الناخب باستخدام هاتفه المحمول في تصوير بطاقته الانتخابية داخل كابينة الاقتراع، وبدقة توضح علامة التصويت للمرشح الذي قام بشراء الصوت، وهو شرط يضعه بعض المرشحين ووكلائهم طريقةً وحيدةً لإتمام عملية الشراء.

وينوه الناشط المدني بأن بعض المحافظات قامت بخطوة مختلفة في هذا الخصوص، حين أجبرت المواطنين على تحديث سجلهم الانتخابي، وجعلوا بطاقة الانتخابات المحدثة واحدة من المستمسكات المطلوبة في إتمام أي معاملة أو مراجعة رسمية، لافتًا إلى أن الحكومة المحلية في محافظة أربيل وضعت هذا الشرط أمام جميع الراغبين بعمل الوكالات القانونية في دوائر كاتب العدل، أو نقل الملكية العقارية في دوائر الطابو، أو بيع وشراء السيارات وغيرها من المعاملات، في خطوة لإلزام المواطن بتحديث سجله الانتخابي من دون أن يكون لها أي سند قانوني سوى إرغامهم على استخراج البطاقات الانتخابية، على أمل التصويت لأحزاب المنطقة.

ومن المقرر أن يتنافس 6986 مرشحًا، بينهم 2014 مرشحة من النساء في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتي ستجري في 12 أيار/ مايو من العام الحالي، بعد نيلهم المصادقة على ترشيحهم من مفوضية الانتخابات العليا، والتي استبعدت 337 مرشحًا قالت: إنهم مشمولون بإجراء هيئة المساءلة والعدالة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات