السبت 20 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

الحملات الانتخابية.. ميزانيات فلكية برائحة المال العام المنهوب

الحملات الانتخابية.. ميزانيات فلكية برائحة المال العام المنهوب

قسم التقارير – العراق

يؤكد أغلب المراقبين للشأن العراقي أن حجم الإنفاق على الحملات الدعائية الخاصة بالانتخابات البرلمانية المقبلة هو الأعلى من بين الانتخابات السابقة ، فيما يفسر محلل سياسي تفوق الحملات الخاصة بالمسؤولين الحاليين على غيرهم من المرشحين بالاستحواذ على المال العام من خلال المناصب التي يشغلونها ، في وقت يعزو خبير قانوني وجود هذه التجاوزات الضخمة إلى عدم تطبيق القانون الخاص بمحاسبة الأحزاب على مصادر تمويلها.

وكانت المدن العراقية قد شهدت في منتصف شهر نيسان/ ابريل الحالي انطلاق الحملات الانتخابية للمرشحين لشغل عضوية البرلمان العراقي، والتي من المقرر أن تجري يوم 12 من شهر أيار/ مايو المقبل، والبالغ عددهم أكثر من 6500 مرشح، وهو أكبر عدد من المرشحين قياسًا بالانتخابات الماضية في مؤشر على حجم التنافس للفوز بعضوية البرلمان ذات الامتيازات الكبيرة، والتي يرى المراقبون أنها الأضخم على مستوى العالم.

200 ألف دولار لأقل حملة

وتزدهر خلال هذه الفترة أعمال المكاتب المتخصصة بالدعاية والإعلان للمرشحين في جميع المحافظات، وخصوصًا في العاصمة بغداد، وتحديدًا في مناطق “المنصور” و”الكرادة” و”البتاوين”، ومن هؤلاء “أحمد المرسومي” صاحب “مكتب الوهج”، والذي يبين أن عملهم في السابق كان يقتصر على طباعة البوسترات والبطاقات التعريفية للمرشحين وغيرها من المنشورات المحدودة الكلفة والانتشار.

ويوضح المرسومي لــ”وكالة يقين” أن عمل المكاتب تغير في الانتخابات الحالية -وبشكل جذري-، حيث باتوا يوفرون مختلف الخدمات الدعائية من ترويج في مختلف وسائل الإعلام، وفي مقدمتها التلفزيون، فضلًا عن إنشاء وإدارة حسابات قوية على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك عقد تجمعات التأييد والمناصرة الانتخابية في أرقى قاعات وفنادق العاصمة أو المحافظات ، مبينًا أن الخدمات القديمة متوفرة أيضًا، وتتضمن تصميم وطباعة الملصقات الدعائية وبأحجام غير محدودة، مع إمكانية حجز الأماكن المهمة في الشوارع والمناطق السكنية لتعليقها.

“أكثر من نصف ميزانية الكتل والمرشحين تذهب إلى الدعاية التلفزيونية والإعلانات الممولة على مواقع التواصل الاجتماعي”

وبشأن توزيع ميزانية الحملة الانتخابية على الدعاية؛ يشير “المرسومي” إلى أن أكثر من نصف ميزانية الكتل والمرشحين تذهب إلى الدعاية التلفزيونية والإعلانات الممولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتراوح سعر الثانية الواحدة في الإعلانات التلفزيونية  بين الــ50 و 200 دولار، بينما يبدأ سعر كل منشور على مواقع التواصل بـ20 دولارًا، في وقت تستهلك الملصقات والبوسترات الحصة الثانية في ميزانية الحملة، وتأتي أخيرًا كلفة التجمعات والاحتفالات الانتخابية والمسيرات التي يطلبها البعض، وخصوصًا في اليومين الأخيرين قبل الانتخابات.

ويتابع “المرسومي” المتخصص بشؤون الحملات الانتخابية؛ أن الكلفة ممكن أن تبدأ بمبلغ 20 دفترًا “200 ألف دولار” للمرشح الواحد، ولكنها لا تنتهي عند رقم معين؛ لأن البعض يريد الإعلان في أكثر من أربع قنوات تلفزيونية ذات انتشار واسع، وكذلك الحال في عشرات الحسابات المشهورة والقوية في مواقع التواصل، أو يريد لافتات بأحجام مميزة جدًا، أو تجمع انتخابي في القاعات الكبرى للفنادق الفخمة، وهي جميعًا نفقات تجعل من الصعب تحديد سقف معين للإنفاق في الحملات الانتخابية.

وتشكل الحملات الانتخابية موسم رواج للكثير من المِهَن والسلع التقليدية، وفي مقدمتها: المطابع ومعامل الحدادة والفنادق والشعراء والمطربين، بالإضافة إلى مِهَن جديدة، ومنها: فرق المؤيدين والمباركين، والمؤلفة من شخصيات تنتحل صفة شيوخ ووجهاء للحضور في كل تجمع انتخابي مقابل مبلغ مادي معين ، في وقت سجل السوق المحلي صعودًا واضحًا في أسعار المواشي؛ بسبب الطلب المتزايد عليها لتحضير الولائم الانتخابية.

“المالكي” و”الحكيم” الأكثر إنفاقًا

إلى ذلك يؤكد المراقب لشؤون الأحزاب في العراق “علي مؤمل أبو الهيل” صعوبة تحديد رقم للمبالغ المُنْفَقة على الحملات الانتخابية الخاصة ببرلمان 2018، وبالتحديد من الكتل الضخمة الممثلة للأحزاب المسيطرة على المشهد السياسي في العراق بعد 2003 ، لافتًا إلى أن التقديرات التخمينية ستصل إلى رقم لن يقل أبدًا عن 500 مليون دولار، وذلك باحتساب القدرات المالية لهذه الأحزاب.

ووفق المعلومات المستقاة من مصادر داخل هذه الأحزاب، وكُلَف تخمينية -بحسب ضخامة الحملات الانتخابية-؛ فإن المراقب “أبا الهيل” يبين لــ”وكالة يقين” أن قائمتي “القانون” و”الحكمة” لـ”المالكي” و”الحكيم” تأتيان في المقدمة من حيث الموازنات المالية المخصصة للدعاية، وبعدها قائمة الفتح لـ”هادي العامري”، ثم النصر بزعامة “العبادي” ، مشيرًا إلى أن بقية القوائم ومنها التابعة لـ”أياد علاوي” و”التيار الصدري” و”أسامة النجيفي” والقوائم الكردية تتفاوت في حجم الإنفاق بحسب تمثيلها الحكومي الحالي، أو قوة الشخصيات الممولة لها.

“الجهة التي تقوم بالإنفاق الباذخ على حملتها الانتخابية وبدون حدود معينة للصرف؛ لابد أنها حصلت على الأموال من السرقة”

ويشير “أبو الهيل” إلى معادلة ثابتة في التمويل، وتتلخص بأن الحزب الأكثر تمثيلًا في الحكومات الحالية أو السابقة هو الأكثر إنفاقًا على الحملات الدعائية، وهي معادلة تنطبق على الأشخاص الذين دخلوا بصفة مستقلين وغير تابعين للأحزاب ، مبينًا أن هذه المعادلة لا يمكن تفسيرها سوى بطريقة منطقية واحدة، وهي أن هذه الأحزاب أو الأشخاص يستخدمون المال العام في تمويل نفقاتهم الدعائية.

ويتابع “أبو الهيل” بأن الوزير أو النائب التابع للحزب الممثل في الدولة يستلم راتبًا رسميًا معروفًا، ولا يمكنه أن يمول حملة بنصف مليون دولار في أقل تقدير للشخص، و 10 مليون دولار بأقل تقدير للقائمة ، مؤكدًا أن حملات التمويل الخاص لا يمكنها أن تغطي كل النفقات الباهظة للقوائم المضمونة، وبالتالي فإن استخدام المال العام هي حقيقة واضحة في جميع الانتخابات السابقة، وأكثر وضوحًا في الانتخابات الحالية.

وتشير المصادر المتطابقة إلى أن رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” بدأ الحملة الدعائية لقائمة “دولة القانون” التي يتزعمها بافتتاح 12 قناة فضائية موجهة للمحافظات التي يطمح للفوز بها، في وقت باشر بتوزيع هدايا ثمينة على زعامات عشائرية، ووجهاء في الجنوب والفرات الأوسط، بينما تتمثل الحملة الانتخابية لـ”هادي العامري” على وعود توزيع قطع الأراضي والوحدات السكنية ومضاعفة رواتب ومستحقات عناصر ميليشيا الحشد الشعبي.

برلماني: 3 طرق لتمويل الحملات،

وفي السياق فإن النائب “فائق الشيخ علي” يستغرب من النفقات الهائلة التي تقوم الكتل والاحزاب بإنفاقها في مجال الحملات الانتخابية، مؤكدًا بأن مصادر هذه الأموال لا تزيد عن 3 طرق معروفة، وتبرر المبالغة في الصرف على هذه الحملات.

واشار الشيخ علي في تصريح لـ”وكالة يقين” أن الجهة التي تقوم بالإنفاق الباذخ على حملتها الانتخابية وبدون حدود معينة للصرف؛ لابد أنها حصلت على الأموال من السرقة، سواء كانت بالاستيلاء على المال العام مباشرة، أو بيع العقود والمقاولات إلى الشركات، وهناك الاحتمال الثالث، وهو: التمويل الذي يحصلون عليه من التجار وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يقومون بالصرف على القائمة الانتخابية مقابل العوائد التي يحصلون عليها من الفائزين.

مسؤول انتخابي: تلقينا عشرات الشكاوى

غير أن عضو مفوضية الانتخابات “معتمد نعمة الموسوي” يؤكد أنهم لا يتهاونون أبدًا مع أي شبهة تخص استخدام الأموال غير المشروعة في الحملات الانتخابية، والتي ينص القانون على معاقبة مرتكبها بالسجن أو الغرامة المالية -بحسب نوع المخالفة-.

استخدام المال العام خلال الحملات الانتخابية -ولأغراض التمويل والمنفعة الشخصية- يعود لعدم الجدية في تنفيذ قانون الأحزاب”

وبين “الموسوي” في تصريح لـ”وكالة يقين” أن قانون الانتخابات الذي تتعامل به المفوضية كان واضحًا في مجال الإنفاق على الحملات الانتخابية، ومنع -بشكل قاطع- توظيف المال العام أو اموال الأوقاف والدعم المالي الخارجي في تنظيم الحملات الانتخابية وتمويلها، مضيفًا بأن المنع يشمل منح المبالغ المالية إلى الناخبين، أو منحهم الوعود الرامية الى التأثير وتغيير نتائج العملية الانتخابية .

ويتابع “الموسوي” بأنهم يتسلمون -وبشكل منتظم- شكاوى تخص الخروق التي ترتكبها الكتل والاحزاب في العملية الانتخابية، ومن كل الأنواع ، موضحًا بأنهم تلقوا أكثر من 70 شكوى، تتوزع بين طرق وأشكال الحملات والتجاوزات على المرشحين، فضلًا عن أخرى تخص التنظيم ونفقات الحملات ، مشيرًا إلى أن المفوضية تتعامل مع جميع هذه الشكاوى وفق القانون.

خبير: الأحزاب عطلت القوانين والقضاء لا يتحرك

من جانبه يعتقد الخبير القانوني “أكرم فرهاد الجاف” أن التجاوز في استخدام المال العام خلال الحملات الانتخابية -ولأغراض التمويل والمنفعة الشخصية- يعود لعدم الجدية في تنفيذ قانون الأحزاب، الذي صوت علية مجلس النواب عام 2015، والذي من شأنه أن يكشف طبيعة الموارد المالية لكل حزب، ويراقب الإنفاق في النشاطات ومنها الدعاية الانتخابية.

“يُستخدَم المال العام والأجنبي –وبقوة- في تمويل الحملات، من دون خوف من قانون”

ويشرح “الجاف” لــ”وكالة يقين” أن الحالة الطبيعية لنفقات الأحزاب تأتي من اشتراكات الأعضاء بالدرجة الأساس، أو المبلغ التشجيعي المقدم من الدولة إلى الأحزاب الأساسية، أو بنسبة تمويل محدودة للغاية من بعض الشركات ورجال الأعمال ، مؤكدًا أن هذا الحال يسري في جميع دول العالم باستثناء العراق، الذي ينفق الحزب الواحد أموالًا طائلة بدون محاسبة أو مساءلة من القضاء والجهات المختصة.

الخبير القانوني يؤكد أن النص موجود، سواء في قانون الانتخابات الذي يمنع -بشكل قاطع- تمويل الدعاية الانتخابية من المال العام، أو من موازنة الوزارات، أو أموال الوقف، أو من أموال الدعم الخارجي، وكذلك الحال بالنسبة لقانون الأحزاب لعام 2015، والذي يفرض على كل حزب أن يكشف عن جميع مصادر تمويله ، مشددًا على أن المشكلة في عدم التطبيق لهذه المواد والنصوص القانونية.

ويتابع “الجاف” أن المتعارف عليه في الحملات الانتخابية ضرورة أن تخضع الأموال المستخدمة فيها لضوابط صارمة، ومنها أن تكون الأموال مشروعة، ومن طرق قانونية، وأن تكون الأموال من مصادر وطنية وليست أجنبية، وأن تتميز جميع أموال الحملات بالشفافية والمراقبة من قبل الجهات القضائية لمعرفة المشروع، والوطني منها، وتمييزه عن المشبوه والخارجي ، معربًا عن أسفه لعدم وجود أي من هذه المعايير في الانتخابات العراقية، حيث يُستخدَم المال العام والأجنبي –وبقوة- في تمويل الحملات، من دون خوف من قانون، أو حياء من الناخب.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات