السبت 15 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

فقراء الأنبار.. عائدون يعيشون في "الهياكل" ويحلمون بالتعويض

فقراء الأنبار.. عائدون يعيشون في “الهياكل” ويحلمون بالتعويض

قسم التقارير – الأنبار

“أبو أحمد” 50 عاما، قرر العودة مضطرا هو وأسرته إلى مدينته الرمادي بعد نزوح استمر ثلاث سنوات في كردستان، كان “أبو أحمد” يقطن في داره في حي الشهداء جنوبي الرمادي قبل الحرب، لكنه نزح عن مدينته بداية عام 2015، يقول “أبو احمد” لــ”وكالة يقين”: إن داره في حي الشهداء مهدم بنسبة 75%، وأنه يحتاج إلى أكثر من 35 مليون دينار عراقي حتى يعيده إلى ما كان عليه قبل الحرب.

“وعود كثيرة كان المسؤولون في حكومة العبادي والحكومة المحلية في الأنبار قد أطلقوها إبان العمليات العسكرية”

ويضيف، أنه ليست لديه القدرة على إعمار داره في الوقت الراهن، اضطر “أبو أحمد” للعودة إلى الرمادي بعد أن صدر إنذار بحقه من الدائرة التي يعمل فيها، والتي تنذره بوجوب العودة إلى مدينته والعمل فيها، أو الفصل النهائي من الوظيفة، يضيف “أبو أحمد” أنه استطاع ترميم غرفتين من داره فقط، ليستظل تحتها إلى أن ييسر الله أمره.

حرب مدمرة

هكذا أتت الحرب على كل شيء في محافظة الأنبار، ولا يكاد يخلو شارع في مدن المحافظة من مشاهد الدمار والخراب، بحسب تصريحات صحفية لعضو مجلس محافظة الأنبار “أركان الطرموز” الذي قال: إن أكثر من 90 ألف وحدة سكنية مدمرة كليا أو جزئيا في المحافظة، وإن المحافظة تعاني نقصا حادا في الموارد المالية اللازمة للإعمار.

حرب مدمرة أثرت في أرزاق الناس، وفقدوا على إثرها ممتلكاتهم من محلات وأراض زراعية وماشية، “فرحان إبراهيم” رجل ستيني يعمل مزارعا، يقول متحدثا لــ”وكالة يقين”: إن الحرب التي امتدت ثلاث سنوات بين مسلحي تنظيم الدولة والجيش الحكومي أثرت في كل شيء، يقول الحاج “فرحان”: إن الحرب أدت إلى فقدانهم أرزاقهم وخسارة آلاف الفدانات التي كانت صالحة للزراعة قبل عام 2014، ويضيف أيضا، أن النزوح وترك الأرض من دون رعاية حوّل مساحات واسعة منها إلى أراض “بُور” لا تصلح للزراعة، بحسبه.

لا تقف خسارة الناس عند ممتلكاتهم أو أراضيهم الزراعية؛ بل تمتد أيضا إلى الماشية، “حمود الدليمي” رجل أربعيني، كان يعمل في تربية وبيع الأغنام والأبقار في مدينة الفلوجة، يقول متحدثا لــ”وكالة يقين” عن الخسارة التي ألمت به وزملاءه، ويضيف أنه اضطر لترك ماشيته وتأمين بعضها عند معارفه، ومع طول فترة الحرب هُرِبت أكثر الماشية في الأنبار إلى سوريا وبيعت بأسعار بخسة. ويؤكد “الدليمي” أنه خسر أكثر من 7500 رأس غنم وبقر يقدر ثمنها بمئات الملايين، وأنه لا يمكن له أن يستعيد مكانته في سوق الماشية على الإطلاق.

وعود كاذبة وتعويضات على الورق فقط

وعود كثيرة كان المسؤولون في حكومة العبادي والحكومة المحلية في الأنبار قد أطلقوها إبان العمليات العسكرية، تفيد بإطلاق تعويضات مالية للمتضررين فور انتهاء المعارك، لكنها وعود فقط لم يرَ الأنباريون منها شيئًا، بحسب المواطن من مدينة الرمادي “فهد عمران”، الذي تحدث لــ”وكالة يقين” قائلا: إنه لم يستلم أي تعويض رغم أنه أكمل الدعوى القضائية الخاصة بالتعويضات منذ أكثر من سنة.

“الأحياء السكنية التي شيدت بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، لا زال قيدها مؤشر على أنه زراعي أو أنها عشوائيات بالأساس”

ويضيف “عمران” أن القروض التي أطلقها المصرف العقاري، والتي تصل قيمتها إلى 45 مليون دينار عراقي لم تشمل كثيرا من المتضررين، وأوضح أنه لم يستطع التقديم على القرض بسبب مبلغ التسديد الشهري الذي يصل إلى 400 ألف دينار، يضيف “عمران” أن القليل من المتضررين استفادوا من القرض بسبب اللوائح والشروط التي وضعها المصرف العقاري والحكومة المحلية، وأضاف أن أحد أصعب هذه الشروط هو شرط “السند” للدار أو البيت المدمر، والذي يُشترط فيه أن يكون سكنيا فقط غير زراعي.

ويستدرك “عمران” حديثه بالقول: إن أكثر من 40% من الدور في مدينة الرمادي ما زال قيدها يؤشر على أنها أراض زراعية، ويضيف “عمران” أن المناطق التي تعرضت لأكبر قدر من الدمار في الرمادي هي المناطق الفقيرة المتطرفة إلى حد ما عن مركز الرمادي، ويؤكد أن غالبية هذه المناطق لا يملك أصحابها سندات سكنية مستقلة؛ بل يشتركون في سند زراعي واحد، وهذا ما يحرمهم من أي مساعدات حكومية أو تعويضات إن وجدت، بحسب قوله.

مدن الأنبار.. وضع كارثي

كان لا بد من الحديث مع دائرة التسجيل العقاري في مدينة الرمادي، والذي أشار أحد موظفيها والذي فضل عدم الكشف عن هويته لكونه غير مصرح له بالحديث لوسائل الإعلام، حيث قال لــ”وكالة يقين”: إن الأحياء السكنية التي شيدت بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، لا زال قيدها مؤشر على أنه زراعي أو أنها عشوائيات بالأساس، وأشار إلى أن غالبية المواطنين يتوجهون إلى الأراضي الزراعية القريبة من مركز المدينة للبناء، وذلك لندرة الأراضي السكنية داخل مركز المدينة، فضلا عن أسعارها المرتفعة مقارنة مع الزراعية.

“تتزايد العوائل الأنبارية العائدة إلى ما تبقى من ديارها يوميا، وتزداد معها القصص المؤلمة”

لا يختلف الحال في بقية مدن الأنبار عن مدينة الرمادي؛ بل يكاد يكون الوضع كارثيا في المدن الأخرى، “أم عبد الله” أرملة في الخمسين من العمر وارت ابنيها “عبد الله” و”محمود” الثرى؛ جراء العمليات العسكرية الأخيرة في مدينة الفلوجة، وهما اللذان كانا يدبران أمر البيت، حيث كانت قد انتشلتهما من تحت أنقاض منزلها، وبعد أن دفنت ابنيها؛ عملت مع ابنها الصغير “أحمد” –الذي نجا من قصف البيت– على ترميم غرفة واحدة من بيتها، وصمدت بوجه البراميل المتفجرة والصواريخ التي استهدفت الفلوجة.

من داخل غرفة واحدة تفتقد لأبسط مقومات العيش الكريم، تقول “أم عبد الله” متحدثة لــ”وكالة يقين”: “أفضل العيش في هذه الغرفة التي لا تكاد تتسع لنا على العيش في الذل والهوان بين أسوار مخيمات النزوح”.

انعدام الجهود الحكومية في تعويض المتضررين

تتزايد العوائل الأنبارية العائدة إلى ما تبقى من ديارها يوميا، وتزداد معها القصص المؤلمة، عائدون لا يجدون مأوى لهم، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، “مهند الكبيسي” موظف في برنامج UNDP التابع للأمم المتحدة، يقول متحدثا لــ”وكالة يقين”: إن الكشوفات التي يقومون بها يوميا في مدن محافظة الأنبار تكشف عن مأساة لا قدرة لمنظمتهم على التعامل معها، وتحتاج إلى جهد دولي كبير، ويشير “الكبيسي” إلى أن مدن الرمادي والفلوجة والخالدية والصقلاوية تعاني جميعها من نِسَب دمار مرتفعة في الوحدات السكنية، وهذه المدن تحتاج إلى تدخل حكومي ودولي مباشر لإعمارها.

وأضاف “الكبيسي” أنهم وثقوا كثيرا من الحالات في هذه المدن، استعان بعض سكانها بالخيام، حيث ثبتوها في بيوتهم المدمرة بديلا عن الجدران والسقوف المتهدمة، بحسبه.

“الإجراءات لم يعوّض معها سوى عدد قليل من المتضررين، وبمبالغ لا ترقى إلى 10% من قيمة العقار المتضرر”

طوابير طويلة يقف فيها المتضررون في محافظة الأنبار أمام المحاكم والمكاتب العدلية؛ أملا في تعويض حكومي لما فقدوه، المحامي “علي الحديثي” يقول متحدثا لــ”وكالة يقين”: إنه لا بد على كل متضرر من إقامة دعوى قضائية يثبت فيها حقه في التعويض عمّا فقده من أموال وممتلكات، ويضيف “الحديثي” أن الإجراءات المتبعة في الدعاوى سلسة وغير معقدة، إلا أن المشكلة تكمن في أن كثيرا من الوحدات السكنية تفتقد لسندات خاصة تثبت ملكيتها لأصحابها بسبب فقدانها في الحرب أو تلفها، وهذا يعقد من الإجراءات التي تتطلب في هذه الحالة دعوى أخرى لإثبات التملك.

وعن السندات الزراعية والمتجاوزين يضيف “الحديثي”، أن البيوت المتجاوزة -والتي بنيت على أراضٍ حكومية- غير مشمولة بالتعويض بتاتا، أما السندات الزراعية فيشمل تعويضها فقط المحاصيل الزراعية والآليات الزراعية من دون الوحدات السكنية، ذلك أن السند العقاري فيها يؤشر على أنها غير سكنية.

أما الوحدات السكنية الأصيلة التي يملك أصحابها سندات عقارية سكنية، فيشير “الحديثي” إلى أنه تكمن فيها مشكلة أخرى تتمثل بأن اللجان المشرفة على تقييم الأضرار، وعلى تقييم ثمن الوحدة السكنية المدمرة، يتلاعبون بقيمة الوحدة السكنية، ويبخسون الناس حقوقهم، وإن رِشى ووساطات شخصية ومحسوبيات تلعب دورا كبيرا في التقييم، بحسبه، وفي ختام حديثه للوكالة يضيف “الحديثي” أن كل هذه الإجراءات لم يعوّض معها سوى عدد قليل من المتضررين، وبمبالغ لا ترقى إلى 10% من قيمة العقار المتضرر، بحسبه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات