الخميس 13 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الشتات العراقي.. الهجرة والنزوح »

"صلاح الدين".. استفزازات الميليشيات تجبر الأهالي على النزوح العكسي

“صلاح الدين”.. استفزازات الميليشيات تجبر الأهالي على النزوح العكسي

قسم التقارير – صلاح الدين

نزوح جديد تشهده محافظة “صلاح الدين” بعد سيطرة الميليشيات على مناطق فيها، حيث شهدت مخيمات إقليم كردستان نزوحا عكسيا لأهالي “صلاح الدين”؛ بسبب غياب الأمن في المناطق التي سيطرت عليها الميليشيات، بالإضافة إلى التهديد الذي يعيشه سكان مدن المحافظة، والاعتقالات العشوائية، والقتل الممنهج، والابتزاز الذي تقوم به الميليشيات التي تمسك زمام الأمور في المحافظة.

ويتعرض سكان المحافظة للمساومة؛ بين ترك منازلهم مجددا، أو إجبارهم على تطويع أحد أبنائهم في تلك الميليشيات، أو دفع أموال مقابل حمايتهم المزعومة، وتعتبر هذه الممارسات ضمن محاولات لإخضاع السكان، وإحداث تغيير ديمغرافي في تلك المناطق.

“استولت الميليشيات على آلاف الدوانم من الأراضي الزراعية العائدة ملكيتها للعشائر في بعض مناطق “صلاح الدين””

وتسيطر ميليشيا ما يسمى بـ”عصائب أهل الحق” على ناحية يثرب التابعة لقضاء بلد في محافظة “صلاح الدين”، والتي عُرفت بضراوة مقاومتها للاحتلال الأمريكي ما بعد عام 2003، وتقوم هذه الميليشيا بمنع الأهالي من العودة إلى مدينتهم ما لم ينضمّ الشباب إلى صفوفهم، ويتعرض الشخص الذي يمتنع عن الانضمام للتهديد، وتبلغه بأنها عاجزة عن توفير الأمن له ولعائلته.

كما يخضع “قضاء الدور” أحد أكبر مدن محافظة “صلاح الدين” إلى سيطرة ميليشيا بدر عليه منذ استعادته من “تنظيم الدولة” في آذار 2015، حيث قامت الميليشيا بخطف نحو 160 مدنيا من أهالي القضاء، ولم يُعثر عليهم، أو معرفة مكان تواجدهم؛ رغم المناشدات التي أطلقها ذويهم.

استيلاء على الأراضي وتهديد بالقتل

واستولت الميليشيات على آلاف الدوانم من الأراضي الزراعية العائدة ملكيتها للعشائر في بعض مناطق “صلاح الدين” بطريقة غير شرعية لمنع الأهالي من العودة لمساكنهم ثانية، كما شرعت بتشييّد العديد من المقارّ العسكرية، وحولت غالبيتها إلى معتقلات سرية تضم بداخلها الآن المئات من المختطفين، في وقت تتواصل عمليات هدم المنازل وتدمير البُنى التحتية وأعمال التجريف للبساتين؛ بحجة انتماء أهالي تلك المدن لـ”تنظيم الدولة” أو التورط في معاونته.

“يتعرض سكان المحافظة للمساومة؛ بين ترك منازلهم مجددا، أو إجبارهم على تطويع أحد أبنائهم في تلك الميليشيات”

أحد وجهاء عشائر منطقة “جويزات”، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه؛ بسبب التهديدات التي قد تلحق به قال لـ”وكالة يقين”: “كل اللقاءات والوساطات العشائرية مع جميع قادة ميليشيات الحشد الشعبي وشيوخ ووجهاء عشائر قضاء بلد طيلة الشهور الماضية لم تثمر عن أي نتائج إيجابية تسمح بعودة آلاف العوائل لمناطقهم في “صلاح الدين”؛ بسبب الشروط التعجيزية لقادة الحشد، فهم اشترطوا على العشائر دفع مبالغ مالية طائلة تسمى: “دية الدم”، باعتبار أن هذه المناطق كانت حواضن لـ”تنظيم الدولة”، بحسب قادة ميليشيا الحشد.

أما الصحفي “مقداد الجبوري” الذي غادر محافظة “صلاح الدين”؛ بسبب ما تعرض له هو وأسرته من مضايقات من قبل ميليشيا الحشد، وتوجه إلى “تركيا” لتبقى عينه شاخصة على مدينته التي حرم منها، بعد أن سيطرت عليها الميليشيات، واستولت على الأراضي الزراعية لسكانها.

حيث يتحدث الجبوري لـ”وكالة يقين” عما جرى له أثناء عودته إلى قريته بعد أن استعادت السيطرة عليها من القوات المشتركة والميليشيات، قائلا: “عدت إلى القرية مع اثنين من أخوتي، لم أجرؤ على اصطحاب عائلتي معي بسبب سيطرة الميليشيات عليها، والأخبار التي كنت أسمعها عن تجاوزات هذه الميليشيات على المواطنين، ثم دخلت إلى منزل أهلي فوجدته تعرض للسرقة بشكل كامل، وتعرض للتخريب وحرق ما تبقى من أثاثه، وأثناء محاولتي لترميم المنزل وجعله صالحا للسكن؛ جاءت عناصر مسلحة كانت تستقل سيارات تحمل لوحات حكومية، وبدأوا بابتزازي بحجة أن أحد إخوتي متهم بالانتماء لـ”تنظيم الدولة”، وطلبوا مني اللحاق بهم إلى مقر قريب لهم”.

ويضيف الصحفي: “نصحني أصدقائي بالخروج من المدينة فورا؛ لأن ذهابي لمقرهم سيجعلني عاجزا عن الخروج من المقر أساسا، استمعت لنصيحتهم وخرجت من المدينة سرا -وبمساعدة بعض الأصدقاء-، ولم أعد لها ثانية، لكنّ أصدقائي وجيراني اخبروني أن عائلة أحد عناصر الميليشيات استولت على المنزل، وسكنت فيه من دون أن يتمكن أحد من منعهم”.

استفزازات تثير سخط الأهالي

“لم تقتصر معاناة الأهالي على سوء أوضاعهم الإنسانية والاقتصادية، بل جاءت ميزانية عام 2018 لتزيد من هذه المعاناة،”

المواطن “بكر الناصري” -36 عاما-، صاحب محل للألبسة في إحدى أسواق ضواحي تكريت، تحدث لـ”وكالة يقين” عن واقع المدينة قائلا: “الميليشيات لا تدعنا نعمل بسلام، فهم يجوبون السوق كل شهر لأخذ الأموال من أصحاب المحلات بحجة توفير الأمن لهم، ويجبر الجميع على الدفع بغض النظر عن طائفته واعتقاده، وعمد الكثير من أصحاب المحلات على وضع رايات معينة على محالهم أو منازلهم، وذلك تجنبا لمضايقات هذه الميليشيات”.

وأضاف، “حاولت بيع محلي ومنزلي لأتمكن من المغادرة خارج العراق، لكن أسعار المنازل والمحال أصبحت رديئة للغاية، كما أن هذه الميليشيات -ومن خلال سماسرتها- تعمل على شراء المنازل والمحال بأسعار بخسة، فالميليشيات لديها من يجلب لها أخبار من يريد بيع عقار، ويقومون بالضغط على صاحب العقار وشرائه منه بأقل الأثمان”، بحسب الناصري.

ويحاول الأهالي إيجاد مخرج لهم، والتخلص من حياة لم يعتادوا عليها، فالتغيير الثقافي والفكري الذي تحاول الميليشيات فرضه على سكان هذه المناطق؛ يجعلهم بين خيارين، إما ترك مدينتهم وحياتهم للحفاظ على أفكارهم وكرامتهم، أو الخضوع إلى أفكار لم يتقبلوها، ولا يعرفون منشأها أصلا.

منع الأهالي من العودة

إلى ذلك فقد حُرم عدد كبير من العائلات من العودة بعد سيطرة ميليشيا الحشد على مدن محافظة “صلاح الدين”، ولأسباب ظاهرها عدم استقرارها أمنيا، أو وجود مخلفات حربية، أو تردي الخدمات، ولكن باطن الأسباب يعلمها من عايش الواقع هناك، وهو إحداث تغيير ديمغرافي في تلك المناطق، وفرض عقوبات جماعية على سكانها.

من جانبه، أكد “سبهان ملا جياد” -عضو مجلس المحافظة عن ناحية الصينية التابعة لقضاء “بيجي”، في تصريحه الذي خصّ به “وكالة يقين”- منع القوات الحكومية أهالي الناحية من العودة؛ بحجة عدم استتبابها أمنيا، كاشفا عن وجود تقاعس من قبل الحكومة المحلية في المحافظة، بالمطالبة بعودة سكان هذه المدن، مشيرا إلى وجود ما يقرب من 36 ألف شخص من أهالي الصينية لا يزالون  خارج منازلهم.

منازل مدمرة وانعدام الخدمات الضرورية

لم يعد مصطلح “الأطلال” متعة القرّاء الذي تتضمنه أدبيات الشعراء؛ بل باتت واقعًا مؤلما فوجئ به العائدون وهم يشاهدون ركام منازلهم –لاسيما في أطراف المحافظة-، فضلًا عن خلو محافظتهم من خدمات، وبُنى تحتية، وضرورات الحياة، وأسباب المعيشة.

واقع مؤلم، وأفئدة مكلومة.. باتت تعانيها محافظة “صلاح الدين””

وفي إفادته لـ”وكالة يقين” أكد أمين سر مجلس محافظة “صلاح الدين” “خالد الخزرجي”؛ رغبة المواطنين بالعودة رغم تهدم منازلهم وانعدام الحياة في مدنهم، ورغم الدمار الكبيرة الذي أصاب الممتلكات بسبب العمليات العسكرية، مشيرا إلى وجود عدد من الألغام والمخلفات الحربية لا تزال موجودة في بعض المناطق.

ولم تقتصر معاناة الأهالي على سوء أوضاعهم الإنسانية والاقتصادية، بل جاءت ميزانية عام 2018 لتزيد من هذه المعاناة، حيث خلت من مخصصات مالية تساعدهم على تسيير أمورهم ومواجهة مشاكلهم الاقتصادية.

حيث كشف وزير الهجرة والمهجرين “جاسم الجاف” -خلال تصريح صحفي-، عن عدم تضمين منحة النازحين في ميزانية عام 2018، مؤكدا عدم توفر منح مالية للنازحين هذه السنة، كما أكد وجود ما يقرب من مليوني ونصف مليون نازح، لا يزالون خارج مدنهم؛ بسبب انعدام الخدمات والأمن فيها.

واقع مؤلم، وأفئدة مكلومة.. باتت تعانيها محافظة “صلاح الدين”، فما بين إهمال حكومي متعمّد، وسطوة ميليشيات لا ترحم، وصمت دولي عالمي إزاء ما يحدث، أما نداءات الاستغاثة التي يطلقها الأهالي والناشطون؛ لم تكد تعدو أكثر من صيحات حناجر قد بَحَّت وسط صحراء قاحلة ووديان جرداء، اكتفت بردّ صداها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات