الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الخُلاصَة »

العنف المدرسي في العراق.. ظاهرة تتسع من دون حلول

العنف المدرسي في العراق.. ظاهرة تتسع من دون حلول

قسم التقارير – العراق

بالرغم من التصريحات الرسمية التي تشدد على منع استخدام العنف في التعامل مع الطلبة في المدارس العراقية، إلا أن واقع الحال يشير إلى إصرار متزايد على استخدام هذا الأسلوب غير الحضاري، وسط تأكيدات من نتائجه السلبية، والمتمثلة في نفور الطلبة وكراهيتهم للمدارس، وخصوصًا في المرحلة الابتدائية، ولجوئه إلى سلوكيات وتصرفات غير محمودة العواقب.

وكانت وزارة التربية العراقية قد أعلنت -ولعدة مرات سابقة- عن تشكيلها لجانًا تحقيقية في مجموعة حوادث عنف، جرت لطلبة في مختلف المراحل الدراسية، وانتهت بتوجيه عقوبات متفاوتة إلى الكوادر التدريسية، التي تقوم بهذه التجاوزات، غير أن المؤشرات الصادرة من أولياء الأمور؛ تذهب باتجاه عدم تراجع نسبة العنف المدرسي، والتي يعزوها البعض إلى عدم إتباع الآليات السليمة، في توظيف الكوادر التعليمية.

ولي أمر: نساند المعلمين في حدود المعقول

عائلة “علي حسن الزيادي” في محافظة “المُثَنَّى”- جنوب العراق، تعد إحدى ضحايا العنف المدرسي، بعد تعرض ولدهم “محمد”، البالغ من العمر 10 سنوات، لكسر في ذراعه نتيجة ضربة من قبل معلمته، وذلك بحسب تقرير طبي تم تسليمه لاحقًا إلى ممثلة وزارة التربية في المحافظة.

“المؤشرات الصادرة من أولياء الأمور؛ تذهب باتجاه عدم تراجع نسبة العنف المدرسي”

ويبين “الزيادي” أن المعلمة المذكورة دأبت على ممارسة الأساليب العنيفة في معاقبة ولده وزملائه؛ بسبب التلكؤ في حضور الاصطفاف الصباحي، أو حل الواجبات المنزلية، أو حتى بسبب المشاكسات التي يقومون بها داخل الصف أو الساحة، مبينًا أن العقوبات السابقة كانت تقتصر على الضرب باليد أو المسطرة الخشبية، ولكنها في المرة الأخيرة تجاوزت كل الحدود، حين عاقبتهم باستخدام لوح خشبي ثقيل؛ تسبب بكسر في ذراع ولده، وإصابة بليغة في رأس أحد زملائه.

وأضاف “الزيادي” في حديث لــ”وكالة يقين”، أنهم كانوا حتى فترة قريبة يساندون الكادر التدريسي في اتخاذ أي أسلوب أو خطوة يرونها مناسبة لتعليم الأطفال وتهذيبهم، ولكن الأمور تجاوزت المعقول -بحسب “الزيادي”-، ولم يعد من الممكن السكوت عليها، بعد أن وصل الأمر إلى إلحاق الضرر البدني بالأطفال، وهو ما دفعه وولي أمر تلميذ آخر إلى مقاضاة المعلمة المتسببة بهذا الضرر، وبشهادة كادر طبي أشرف على علاج حالة ولده، وزوده بتقرير طبي يبين حجم الضرر الذي لحق به.

كسور ورضوض بواسطة معاون المدير

وفي سياق مماثل شهدت مدينة “الأعظمية” في بغداد حالة عنف مدرسي غير مسبوقة، كان ضحيتها طالب في الصف الثالث الابتدائي، تم نقله إلى المستشفى بعد غيابه عن الوعي نتيجة الضرب الذي تعرض له من قبل معاون مدير “مدرسة الآمال الابتدائية”، وهي حالة تكررت عدة مرات، ولم تفلح الشكاوى المستمرة في مديرية تربية المنطقة في إيقافها.

“الشاب الذي يتعامل مع رفاقه ومجتمعه بعنف وقسوة؛ فمن الطبيعي أن يستمر على المنوال نفسه حين يتم تعيينه”

وأوضح “عبد الستار العبيدي” وهو والد الطفل “إبراهيم” أن أحد التلاميذ أخبره بأن ولده تم نقلة إلى “مستشفى النعمان” في المنطقة، بعد تعرضه للضرب من قبل معاون مدير المدرسة، مضيفًا بأن ولده أُصيب بكسر في الساق، وآخر في الفك مع رضوض في منطقة الصدر، نتيجة ضربه بشكل عنيف من قبل معاون المدير.

وبين “العبيدي” في حديث لـ”وكالة يقين“، أن إدارة المدرسة زعمت في البداية بأن ولده أُصيب أثناء حادث لعب مع زملائه في المدرسة، ولكنها تراجعت عن هذه الرواية بعد شهادات مجموعة من الطلبة، الذين كانوا حاضرين وشاهدوا الحادثة، مشيرًا إلى أنه لم يكتفِ بالشكوى لدى وزارة التربية، وقدم شكوى مماثلة لدى مركز الشرطة بحق معاون المدير، الذي كان يُفترَض به أن يكون تربويًا وليس شقاوة -بحسب تعبير “العبيدي”-.

مشرف سابق: الخلل في التعيينات

إلى ذلك يرى المشرف التربوي السابق “حمزة سلمان الجنابي”، بأن استخدام العنف أو بعض السلوكيات السيئة الأخرى من قبل المعلمين يعود بشكل أساس إلى آلية التوظيف المتبعة في وزارة التربية، والتي سمحت بدخول أعداد كبيرة إلى هذا المجال من دون أن تكون هناك لجان مخصصة بفحص السلوك والسيرة لهؤلاء، أسوة بِلِجان فحص النظر والمؤهل العلمي.

“وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع نشرها معلمون، وهم يعاقبون تلاميذهم باستخدام الضرب والعنف اللفظي”

“الجنابي” الذي عمل لأكثر من 35 سنة في مجال الإشراف التربوي في محافظة “بابل” “جنوب بغداد” أوضح لــ”وكالة يقين” أن تفشي المحسوبية والرشاوى في تعيينات وزارة التربية أوجدت كوادر لا تحسن أساليب التعليم والتربية الصحيحة، وتستخدم العنف البدني وسيلة أساسية مع التلاميذ، وهي حالة مغايرة لما كان موجود سابقًا، حين كان المعلم يكتسب احترام الطلبة وطاعتهم له من قوة شخصيته.

ويتابع “الجنابي” بأن الشاب الذي يتعامل مع رفاقه ومجتمعه بعنف وقسوة؛ فمن الطبيعي أن يستمر على المنوال نفسه حين يتم تعيينه معلمًا أو مدرسًا في وزارة التربية، وبالتالي ينقل هذه السلوكيات إلى داخل أسوار المدرسة، لافتًا إلى أن بعضهم لا يكتفي بهذه الممارسات فقط؛ وإنما يعمد إلى تصويرها ونشرها على مواقع التواصل نوعًا من التباهي والفخر بين أصدقائه.

وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع نشرها معلمون، وهم يعاقبون تلاميذهم باستخدام الضرب والعنف اللفظي، وفي المقابل ينشر أولياء الأمور محتويات مماثلة لإصابات لحقت بأبنائهم؛ نتيجة العنف الذي تمارسه الكوادر التدريسية.

وزارة التربية تتوعد

من جهتها تؤكد “سلامة الحسن” المتحدثة باسم وزارة التربية؛ أن ضرب الطلبة واستخدام العقوبات اللفظية هي أشياء مرفوضة تمامًا، في أنظمة وقوانين وزارة التربية، وهناك عقوبات مخصصة لكل من يقوم بهذه الأفعال.

استخدام العنف أو بعض السلوكيات السيئة الأخرى من قبل المعلمين يعود بشكل أساس إلى آلية التوظيف المتبعة في وزارة التربية”

وقالت “الحسن” في تصريح لــ”وكالة يقين”، أن الوزارة توجه أوامر صارمة إلى جميع مديريات التربية، تنص على منع أي شكل من أشكال العنف ضد الطلبة، مضيفةً بأنهم لا يترددون في اتخاذ عقوبات بحق الكوادر التدريسية التي تقوم بمثل هذه الأفعال، وتصل إلى حد العزل الوظيفي، الذي تم تطبيقه بحق إحدى المعلمات، وبحسب المادة الثامنة من قانون موظفي الدولة لسنة 1991.

وتحذر المتحدثة “الحسن”، بأن استخدام الضرب والعنف اللفظي، وغيرها من الأساليب المرفوضة، من شأنها أن تولد حالة من النفور لدى الطلبة، وبالتالي قد يقود إلى عزوف الطالب المُعَنَّف عن الحضور إلى المدرسة، وهو ما يؤدي به إلى ينتهي بالشارع.

وتقر “الحسن” بتلقيهم شكاوى متفاوتة من أولياء الأمور، تخص حالات العنف التي يمارسها الأساتذة ضد أبنائهم، متوعدةً كل من يقوم بهذه الأفعال بتلقي عقوبات تتناسب وحجم الأفعال التي يقومون بها.

خبير: القانون يمنع وبشكل قاطع

إلى ذلك يوضح الخبير الإداري والقانوني “فرهاد الجاف”، أن القانون وضع عدة طرق وأساليب لتأديب الطلبة، ولم يجعل الضرب من بينها، مشددًا على أن النص القانوني كان صريحًا وواضحًا بمنع العنف البدني وبشكل قاطع.

“استخدام الضرب والعنف اللفظي، وغيرها من الأساليب المرفوضة، من شأنها أن تولد حالة من النفور لدى الطلبة”

ويبين “الجاف” في حديث لــ”وكالة يقين” بأن نظام المدارس ذا الرقم 30 لعام 1978، والساري المفعول؛ نَصَّ على أن تستخدم الهيئة التعليمية عدة أساليب في تأديب الطلبة وتوجيههم، ومنها: النصح والتوجيه الفردي، أو استدعاء ولي الأمر إلى المدرسة من أجل التداول معه في سبيل إرشاد التلميذ، لافتًا إلى أن هذه الأساليب تتطور إلى الإنذار أو التوبيخ في مرحلة لاحقة، وتسمح بنقل التلميذ إلى مدرسة أخرى.

ويتابع الخبير الإداري بأن القانون حدد عقوبة النقل، وجعلها مناطة بقرار من قبل مجلس المعلمين، على أن يتم تبليغ ولي الأمر بها تحريريًا، وله حق الاعتراض على عقوبة النقل لدى مدير التربية المختص، وخلال مدة لا تتجاوز الأسبوع الواحد من قرار النقل، مضيفًا بأن المدرسة الناقلة مُلزَمة بتزويد المدرسة المنقول إليها الطالب بتقرير يوضح الأسباب الداعية لهذه العقوبة.

ويخلص “الجاف” إلى أن القانون وضع أمام الكوادر التعليمية كل هذه العقوبات وجعل تطبيقها يتم بالتدريج في سبيل تحقيق المراد منها في مرحلة معينة، ومن دون الحاجة إلى العقوبة التي تليها، حتى يتم المراد منها في إصلاح وضع التلميذ وتقويم سلوكه، مستدركًا بأن القانون واضح، وينص في مادته الثانية على “منع العقوبة البدنية بأي شكل من الأشكال منعًا باتًا”.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات