الإثنين 20 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الخُلاصَة »

قصار القامة في العراق.. 90% منهم يعانون الأمية والبطالة

قصار القامة في العراق.. 90% منهم يعانون الأمية والبطالة

تعاني شريحة قصار القامة في العراق من التهميش والإهمال، برغم العشرات من الفعاليات التي نظموها، ومنها: تظاهرات ووقفات احتجاجية وتجمعات في سبيل لفت أنظار المسؤولين وصناع القرار إلى قضيتهم، في وقت بقي القانون الذي كان من المفترض به أن ينصفهم؛ حبرًا على ورق، وسط تحذيرات رئيس الجمعية المختصة بهم من تفشي الأمية والبطالة بينهم، بعد أن اقتصر الاهتمام بهم من قبل المسؤولين على المجاملات والتقاط الصور الجماعية.

ويشكو معظم أفراد هذه الشريحة من تمييز واضح يُمارَس ضدهم من ناحية عدم توفير فرص العمل والعلاج، وحتى التعليم الذي يضطرون إلى تركه؛ بسبب نظرة التمييز التي تلاحقهم، وألفاظ الاستهزاء والسخرية التي أجبرت عددًا كبيرًا منهم على الاعتكاف وعدم الاختلاط بالآخرين، وحرمتهم من ممارسة حياتهم الطبيعة.

السخرية تبدأ من رجل الأمن

ومع أن “علي سلمان الفريجي” 33 عامًا، يحمل شهادة البكالوريوس في التربية وبتقدير جيد جدًا؛ إلا أنه يفضل البقاء بمهنة عامل في محل لبيع المواد الغذائية في مدينة “الحرية” غرب بغداد، بعد يأسه من الحصول على وظيفة “معلم”، التي تقدم إليها لأكثر من 10 مرات، وكان دائمًا يُجابَه بالسخرية من الجميع، وفي مقدمتهم من رجال الأمن، الذين يقومون بحراسة مديرية التربية في جانب “الكرخ”.

“تعاني النسبة المتعلمة منهم -والبالغة 10%- من عدم إيجاد وظائف سوى لــ3% فقط منهم”

ويبين “الفريجي” لـ”وكالة يقين”، أنه في كل مرة يذهب إلى التقديم؛ يعاني من الاستهزاء، وخصوصًا من رجال الأمن الذين يسخرون منه عندما يرونه يحمل وثائق التعيين ويرتدي البذلة الرسمية، ويبادرونه بعبارات مثل “سنفور” و”قزوم”، بينما اقترح عليه أحدهم أن يتم تعيينه بوظيفة مسند مكتب “رجل ميز” بدلًا من معلم، وغيرها من العبارات التي كانت كفيلة بامتناعه عن التقديم إلى الوظيفة الحكومية، والبقاء في عملة في المحل التجاري الذي أمضى فيه أكثر من 10 أعوام.

ويضيف “الفريجي” أن نظرة السخرية لم تحرمه من الوظيفة فقط؛ وإنما تعدتها إلى الحرمان من الزواج، بالرغم من قدرته الجسدية وحتى المادية على ذلك، ولكن معظم العوائل ترفض أن تصاهر قصير القامة خوفًا من نظرة المجتمع إليهم، وأن يقوم بنقل الجينات الوراثية إلى أحفادهم، مبينًا أن هذا الأمر لم يزعزع من إيمانه بأن الخالق عز وجل أراد له أن يكون قصير القامة، وهو قَدَره الذي يصر البعض على عدم فهمه، رغم ادعائهم الإيمان والتقوى -بحسب تعبيره-.

تحصيلهم العلمي لا يعني شيئًا للحكومة

وباختلافات بسيطة عن حالة “الفريجي”؛ فإن “أزهر عواد الزهيري” 35 عامًا، متزوج من امرأة طويلة القامة، ولديه ولد وبنت أصحاء، ولا يعانون من قِصَر القامة، ولكنه يعاني أيضًا من البطالة التي لم ينجح بالتغلب عليها؛ رغم حمله لشهادة دبلوم في الإدارة، وامتلاكه خبرة جيدة في هذا المجال، فضلًا عن إجادة اللغة الانكليزية، واستخدام عدة برامج متخصصة في الحاسوب.

ويشير “الزهيري” في حديث لـ”وكالة يقين”، أنه مارس العمل في القطاع الخاص لفترة طويلة، ولكن عدم استقرار الأوضاع كان يجبره على ترك هذه الشركة أو المؤسسة، والانتقال إلى غيرها، وهي حالة غير مضمونة دفعته إلى السعي وراء الوظيفة الحكومية، خصوصًا وأنه يمتلك المؤهلات التي يؤكد أنها لا توجد لدى عدد كبير من الموظفين الموجودين حاليًا، وحتى الذين يشغلون مناصب قيادية كبرى في الدولة العراقية.

ويتكرر مشهد الاستهزاء وعدم التعامل الجدي، مع طلبات التوظيف المعززة بشهادات الخبرة التي تقدم بها “الزهيري” إلى وزارات عديدة، ومنها: الصحة والتربية والزراعة والتعليم والتجارة، ويلاقي أحد الردود الجاهزة، وهي: “عدم وجود تعيينات في الوقت الحاضر”، أو “سوف نتصل بك”، مع ملامح سخرية واضحة على وجه الموظف، الذي لا يعلم بحاجة “الزهيري” الماسة للعمل من أجل إعالة أسرته، والحيلولة بينهم وبين طلب المساعدة والمعونة من الآخرين.

رئيس جمعيتهم: لا نجد سوى المجاملات والصور التذكارية

“دَفَع ضعفُ الحالِ بالبعض من قصار القامة إلى القبول بالوظيفة الوحيدة المتاحة في وسائل الإعلام المحلية، وهي: القيام بالأدوار التمثيلية التي تسخر منهم”

إلى ذلك يبدي رئيس جمعية قصير العراقية “محمد عيدان جبار”، استغرابه الشديد من عجز الحكومة عن توفير فرص العمل لعدد بسيط من قصار القامة، في وقت تعج الوزارات بآلاف الموظفين الفضائيين، الذين يتسلمون الرواتب من دون القيام بأي عمل يُذكَر.

ويوضح “جبار” لـ”وكالة يقين”، أنه ليس هناك حتى الوقت الحاضر إحصائية رسمية لعدد قصار القامة في العراق، ولكن التقديرات تشير إلى أن العدد لا يتجاوز الـــ8 آلاف شخص، ومعظمهم لم يحصلوا على التعليم، بينما تعاني النسبة المتعلمة منهم -والبالغة 10%- من عدم إيجاد وظائف سوى لــ3% فقط منهم، وهؤلاء حصلوا على الوظيفة مقابل دفع مبالغ مالية، أو عن طريق الواسطة.

ولا يرى “جبار” أي سبب مقنع لعدم توفير فرص العمل لهم، خصوصًا وأن هناك قانون يلزم الوزارات والدوائر الحكومية بتوظيف نسبة معينة من كادرها من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، وكذلك الحال بالنسبة للقطاع الخاص، مبينًا أن عددهم ليس كبيرًا حتى يقال إنه يثقل كاهل الدولة، وأن الحل لمعاناتهم المستمرة هو بتطبيق القانون بشكل حقيقي؛ من أجل الحصول على حقوقهم، ولأنهم لا يبحثون عن العطايا والهبات.

وعن مدى التجاوب مع مطالبهم يشير “جبار” إلى أنهم -وفي كل لقاء وزيارة إلى مسؤول- يسمعون كلامًا عن الاهتمام، وضرورة اتخاذ خطوات فعلية وقرارات، ولكنهم على أرض الواقع لا يجدون التفاعل؛ مما يدفعهم مجددًا إلى المطالبة وتنظيم الفعاليات المختلفة لإيصال صوتهم، ولكن الشيء الوحيد الذي يحصلون عليه هو المجاملات والتقاط الصور الجماعية، التي بات يمتلك منها كمية كبيرة جدًا.

يمتهنون كرامته مقابل 20 ألف دينار

“أصحاب القنوات، والفِرَق المسرحية في العراق؛ لا يجدون في قصر القامة سوى مادة للسخرية والتهريج.”

ودَفَع ضعفُ الحالِ بالبعض من قصار القامة إلى القبول بالوظيفة الوحيدة المتاحة في وسائل الإعلام المحلية، وهي: القيام بالأدوار التمثيلية التي تسخر منهم، وتجعلهم مادة للضحك والتهريج، ومن هؤلاء (م س)، الذي اضطر إلى إخفاء اسمه حتى لا يعاقب بالفصل من العمل المسرحي، الذي يقدمه منذ شهرين مع مخرج اعتاد على الاستعانة بقصار القامة في العروض الساخرة.

ويبين محدثنا، أنه يضطر يوميًا إلى تلقي عدد غير محدود من الصفعات، وكلمات الشتائم والاستهزاء، على خشبة المسرح وأمام الجمهور؛ من أجل الحصول على مبلغ 20 ألف دينار “16 دولارًا” ينفقها على أمه وأخته الطالبة في المدرسة الابتدائية، مستدركًا بأنه لم يقبل بهذا العمل المهين إلا بعد غلق جميع فرص العمل الأخرى بوجهة.

ويتابع الممثل الكوميدي في حديث لـ”وكالة يقين”، أن قصار القامة العاملين في التمثيل أصبحوا نجومًا في بلدان العالم وفي الوطن العربي، يقتصر عملهم في التمثيليات والمسرحيات المقدمة للأطفال وبطريقة لا تحط من كرامتهم، لافتًا إلى أن أصحاب القنوات، والفِرَق المسرحية في العراق؛ لا يجدون في قصر القامة سوى مادة للسخرية والتهريج.

مطالبات بالرعاية الصحية

“لا يوجد أطباء مختصون بأمراض قصار القامة، وهو ما يضطرهم إلى طبيب غير مختص بحالتهم”

وفي الجانب الصحي، فإن “الحسن علي الرفاعي” رئيس تجمع قصار القامة في محافظة “ذي قار“، يؤكد بأن قصير القامة يعاني من تفاقم الأمراض وتعددها، ومنها: أمراض العظام والمفاصل والقلب وضعف البصر ومشاكل الجهاز التنفسي، وغيرها من الأمراض المرتبطة بشكل مباشر بمرض قصر القامة.

ويعرب “الرفاعي” عن أسفة للحال في العراق، حيث لا يوجد أطباء مختصون بأمراض قصار القامة، وهو ما يضطرهم إلى طبيب غير مختص بحالتهم، موضحًا أن الطبيب العراقي في العادة يتعامل مع قصير القامة من حيث الفحص والتشخيص وصرف العلاج بشكل مشابه ذوي القامة الطبيعية؛ مما يؤدي إلى حصول مضاعفات نتيجة حجم الجرعة ونوعها، ويقود تدهور حالة المريض في كثير من الأحيان.

ويطالب “الرفاعي” الحكومة بتوفير الخدمات الطبية لهذه الشريحة المظلومة، من خلال إنشاء مراكز صحية مختصة بحالتهم، فضلًا عن استحداث قسم طبي مخصص لهم في كل مستشفى عام في العراق، على أن يكون مجهزًا بتقنيات ومواد خاصة بفحص ومعالجة قصار القامة.

امتيازات على الورق فقط

“الحقوق التي يمتاز بها ذوو الإعاقة والاحتياجات الخاصة، ومنهم قصار القامة في العراق تعد مثالية ومتطورة، ومشكلتها الوحيدة أنها مكتوبة فقط”

غير أن الخبير القانوني والإداري “أكرم الجاف”؛ يؤكد بأن الحقوق التي يمتاز بها ذوو الإعاقة والاحتياجات الخاصة، ومنهم قصار القامة في العراق تعد مثالية ومتطورة، ومشكلتها الوحيدة أنها مكتوبة فقط وغير مُطَبَّقة على أرض الواقع، الذي لم يشهد أي تنفيذ فعلي لقانون رقم 38 الصادر عن البرلمان، والمصادق عليه من رئاسة الجمهورية سنة 2013.

ويوضح “الجاف” في حديث لـ”وكالة يقين”، أنه وفقًا لهذا القانون؛ فإن وزارة الصحة تتولى -ومجانًا- تأمين كل أنواع الرعاية الصحية لهم في الداخل والخارج، بينما تتولى وزارتا التربية والتعليم توفير فرص التعليم لهم، وتهيئة كوادر متخصصة لهم، وحتى مقاعد في الدراسات العليا، على أن تتكفل وزارة العمل بتقديم رواتب شهرية لغير القادرين منهم على العمل، وأن تلتزم وزارة النقل بمجانية استخدامهم لوسائط النقل العام، وتخفيض تذاكر الطائرات لهم بنسبة النصف، في وقت تلتزم وزارة الإسكان بتوفير الوحدات السكنية الملائمة لهم.

ويتابع الخبير “الجاف” أن القانون ألزم جميع الوزارات العراقية بتعيين 5% من ملاكاتها الوظيفية من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، ونسبة أخرى ملزمة للقطاع الخاص، فضلًا عن منحهم إعفاءات ضريبية وقروض ميسرة، وتعيين شخص على نفقة الحكومة يقوم بوظيفة المعين لمن يعانون من عجز يحول بينهم وبين تلبية متطلباتهم الحياتية، لافتًا إلى أن هذه الامتيازات راقية، ولا ينقصها شيء سوى أنها على الورق فقط، ولا تجد التطبيق على أرض الواقع.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات