الأحد 19 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

المياه الملوثة في الموصل.. موت جديد يهدد حياة الأهالي

المياه الملوثة في الموصل.. موت جديد يهدد حياة الأهالي

قسم التقارير – نينوى

بعد نحو عام على انتهاء العمليات العسكرية في الموصل، لا تزال المدينة تشكو دمارًا هائلًا، في مقابل ضَعف الأداء الحكومي في استيعاب حجم الكارثة، لاسيما دمار المدينة القديمة، وما فيها من جثث متفسخة باتت مصدرًا رئيسًا للأمراض الانتقالية والأوبئة، ولاسيما تلوث المياه بآلاف الجثث الملقاة في نهر دجلة.

وتعد كارثة تلوث المياه من أخطر الكوارث التي حلت بأهالي الموصل لاسيما جانبها الأيمن، ليس مياه الشرب فحسب؛ بل حتى مياه الغسل والتنظيف وغيرها.

ماء الموصل له طعم ولون ورائحة

يَعتبر الموصليون المياه الملوثة شبحًا جديدًا حَوَّل حياتهم إلى كابوس، في ظل صمت حكومي أو تجاهل متعمد -كما عبّر عنه مواطنون- تجاه مدينتهم المنكوبة.

وخلال جولة لمراسل “وكالة يقين” في الموصل القديمة التقى خلالها الأهالي، والذين بدورهم عبروا عن استيائهم من تلك الظاهرة، منتقدين الأداء الحكومي الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه.

“أبو محمد 54 عامًا” تحدث للوكالة قائلًا: “الماء كدر، يصل البيت لا يُشرب، حتى الحيوان لا يشربه، غالبيته طين ووسخ، أمراض أصابتنا وأصابت أطفالنا، ابني عمره خمس سنوات أصابه إسهال شديد لازمه ثلاثة أيام، ولم يفلح معه الدواء حتى أبقيناه في المستشفى لمدة يوم كامل على أكياس التغذية، أنهكنا شراء علب المياه الجاهزة في ظل الضعف الاقتصادي الذي نعيشه”.

“حذّرت أوساطٌ طبية في مدينة الموصل من الإصابة بأمراض مختلفة جراء تلوث مياه نهر دجلة الناتج عن انتشال عشرات الجثث منه”

أما “أبو مروان 43 عامًا” فيعتقد نفسه انه أفضل حالًا من غيره، حيث ابتكر خطة بديلة لتنقية المياه، تحدث عنها لـ”وكالة يقين”: “تعلمنا طرق تصفية المياه من خلال مقاطع الفيديو المنتشرة في وسائل التواصل، حيث نأخذ قنينة صغيرة فارغة، ونقطع رأسه ونقلبه، ونضعه داخل فتحة قنينة الماء الكبيرة ذات العشرين لترا، ونضع في أسفله قطنًا وشاشًا، ونسكب الماء داخل القنينة ليبدأ بالتصفية والترشيح، وأضاف، رغم ذلك لا نحصل على ماء صافٍ، حتى هذا الماء سبّب لنا مشاكل مرضية وجلدية”.

ومن جهتها أكدت “أم لطيف” إصابة إحدى بنتيها بمرض جلدي نتيجة المياه الملوثة، رغم أنها حريصة على غليه وتبريده سواء قبل شربه أو استخدامه للغسل والتنظيف، وقالت في حديثها للوكالة: “كنا نقرأ في العلوم أن الماء لا طعم له ولا لون ولا رائحة، ولكن هذه الصفات لا تنطبق على مياه الموصل، حيث له طعم قبيح، ولون خليط بين الماء والطين، ورائحة كريهة”.

انتشار الأمراض بسبب تلوث المياه

وحذّرت أوساطٌ طبية في مدينة الموصل من الإصابة بأمراض مختلفة جراء تلوث مياه نهر دجلة الناتج عن انتشال عشرات الجثث منه، ودفن أخرى على ضفافه في المدينة القديمة، فضلا عن ضَعف الإجراءات المتّبعة لمعالجة مخاطر التلوث.

وفي تصريحه لـ”وكالة يقين” قال الدكتور “محمود حامد” مسؤول الأمراض المعوية في دائرة صحة نينوى: إن “تلوث المياه أدى إلى الإصابة بأمراض التيفوئيد والنزلات المعويّة والإسهال والملاريا وبعض حالات الكوليرا”، مطالبًا الأهالي بغلْي المياه قبل استخدامها، منعًا للإصابة بالأمراض التي قد تظهر أعراضها فورًا أو لاحقًا.

“يجتاح مرض النكاف مدارس الموصل بأعداد هائلة قد تنذر بكارثة تهدد حياة أطفال المدارس

وعن عمليات فحص المياه والتأكد من سلامتها ودور الرقابة الصحية عليها، قال حامد: “نأخذ نماذج من مياه البيوت لفحصها، ونذهب بها لأقرب مركز صحي لاختبارها، ويكون ذلك من البيوت بشكل عشوائي، وبالأخص من المناطق التي تشتكي تلوث مياهها”.

ويضيف أنه “يتم نقل المياه إلى مختبر الصحة العامة الذي بدوره يقوم بزرع عينات المياه تلك وإجراء نوعين من الفحوصات عليها، الأول: فحوصات كيماوية لمعرفة نسبة المعادن في الماء، والثاني: وهو الفحص الجرثومي، الذي يهمنا كدائرة صحية، للتأكد من خلو هذا الماء من الميكروبات، وتخرج النتيجة بعد يومين أو ثلاث، إما يكون صالحا للشرب أو غير صالح”.

ويتابع الدكتور في صحة نينوى حديثه قائلًا: “كان لدينا عمل كبير في شهر نيسان الماضي لفحص عينات كثيرة من المياه، أظهر كثير منها عدم صلاحيته للاستخدام البشري وأنه مضر بالصحة العامة، ولكن الجزء الأكبر كان صالحًا للشرب، ولكن الأهالي لا يستسيغوه، ربما بسبب ما يُشاع عن الأمراض والجثث الملقاة في نهر دجلة، والمدفونة على شواطئه”.

مرض “النكاف” يجتاح مدارس الموصل

ويجتاح مرض النكاف مدارس الموصل بأعداد هائلة قد تنذر بكارثة تهدد حياة أطفال المدارس، وتعزو الجهات الطبية في المدينة أبرز أسبابها إلى وجود الجثث وما تنشره من أمراض، فضلًا عن المياه الملوثة بسببها، والتي يشربها الأطفال من دون حيطة كحيطة الكبار.

“فقدان إسالة المدينة السيطرة على تعقيم المياه الصالحة للشرب القادمة من نهر دجلة”

وتحدث الدكتور “وليد الصراف” اختصاصي الأمراض الوبائية والانتقالية لـ”وكالة يقين”: “شاهدت حالات إصابة بمرض النكاف بمدينة الموصل في هذا العام أكثر مما شاهدته منذ أن تخرجت وحتى اليوم، الجثث هي السبب الرئيس ويليه تلوث المياه، ولو استمر الحال على ما هو عليه من دون معالجة فسيؤدي إلى وباءات، وليس إلى مرض النكاف وحده”.

وسجّلت المدارس ورياض الأطفال في الموصل مئات حالات الإصابة بمرض النكاف، فيما أبدت الجهات التربوية تخوفها من انتشار أكبر للمرض بالتزامن مع الجثث المتفسخة القابعة تحت الأنقاض. وفي هذا السياق يقول “محمد مهدي” المعلم في إحدى مدارس الموصل للوكالة: إن “الفترة الأخيرة انتشر مرض النكاف بشكل كبير، لاسيما بين الأطفال، وهو مرض مُعْدٍ، وينتقل من طالب لآخر، وأثّر هذا بشكل سلبي على المسيرة التعليمية، نجد أحيانًا في الصف الواحد سبعًا أو ثمانية حالات إصابة بمرض النكاف، ونطالب الحكومة المحلية والمركزية ووزارة التربية بالتدخل لوضع حد للانتشار الرهيب للمرض”.

معالجة المياه تفوق طاقة الحكومة المحلية

إلى ذلك فإن عضو المجلس المحلي لمدينة الموصل “زهير الجبوري” أكد في تصريحه لـ”وكالة يقين” فقدان إسالة المدينة السيطرة على تعقيم المياه الصالحة للشرب القادمة من نهر دجلة، جرّاء رمي الأوساخ والمخلَّفَات ووجود جثث في المياه أو دفنها على حافة النهر، إضافة إلى عدم وجود عمليات تنظيف للنهر وحافته.

ويبين “الجبوري” أن “توفير ماء صالح للشرب هو أمر يفوق حاليًا قدرة الأجهزة المعنية في المدينة بسبب ما حلّ في الموصل من دمار قد تعاني سنين حتى تعود إلى طبيعتها”، منتقدًا أداء الحكومة المركزية وضَعفها في إغاثة الموصل والإسراع في إعمارها، لاسيما مرافقها الحيوية، وعلى رأسها الماء”.

“نقص المياه سيكون التحدي الأكبر للبشرية خلال القرن الراهن بعد انخفاض وفرة المياه العذبة في أماكن عدة حول العالم”

من جهتها أكدت مديرية ماء نينوى ارتفاع نسبة تلوث مياه نهر دجلة إلى أكثر من ثمانية أضعاف قدرة الأجهزة المستخدمة في التصفية، داعية الأهالي إلى تقديم الإبلاغات عن المناطق التي تصلها مياه ملوثة لمعالجة الأمر بالسرعة الممكنة.

وفي إفادة خصّ بها “وكالة يقين” يقول “طاهر عبدالله” المنتسب في مديرية ماء نينوى: “لدينا فحوصات دورية في المختبر على مشاريع الماء المنتج في المحافظة، ولدينا أجهزة متخصصة لذلك، ونقوم بالفحص بشكل يومي وأحيانًا أسبوعي، فحوصنا تقريبا 14 فحصًا، أهمها: العكورة والتوصيلية، وهناك فحص تريولوجي، ويتم بزراعة عينات الماء ومعرفة مقدار التلوث فيه، وحاليا الماء المنتج جيد وليس فيه إشكال”

ويضيف أن “المشاريع الإستراتيجية التي تغذي مدينة الموصل بالمياه الحد الأقصى لطاقتها الاستيعابية هو 500 إن تي يو، وهي وحدة قياس عكورة المياه، ولكنها تجاوز ال4000 إن تي يو، بسبب السيول والحفريات التي تجرى في الجانب التركي حيث زادت من عكورة نهر دجلة،  مع حرارة الجو وغيرها من العوامل، تؤدي إلى صعوبة تقنين الضخ، ويأخذ وقتًا طويلًا”.

“ناسا” تحذر من تلوث مياه العراق

وقد أشارت وكالة ناسا في دراسة جديدة إلى أن وفرة المياه العذبة قد تناقصت بشكل ملحوظ في 19 منطقة حارة حول العالم وخاصة في سوريا والعراق.

“ما يحدث بين إيران وتركيا من “حرب مياه” قد انعكست آثارها سلبًا على العراق بشكل كبير”

وقالت الدراسة: إن “كلًا من العراق و سوريا قد عانتا من نقص كبير في المياه العذبة وذلك بسبب بناء تركيا لـ 22 سدًا على مجاري نهرَي دجلة والفرات خلال 30 عامًا من الزمن، حيث اعتبرت “ناسا” أن هذين البلدين هما الأكثر تضررًا في العالم كله، وذلك بعد أن خسرا 30% من مياههما العذبة خلال العقود القليلة الماضية”.

وحذرت وكالة الفضاء الأمريكية إلى أن “نقص المياه سيكون التحدي الأكبر للبشرية خلال القرن الراهن بعد انخفاض وفرة المياه العذبة في أماكن عدة حول العالم، وخاصة المحاذية منها لخط الاستواء”.

وصنفت الدراسة كلًا من: الهند، الشرق الأوسط، ولاية كاليفورنيا، وأستراليا، أكثر المناطق المتضررة من نقص المياه العذبة الذي بدأت إشكالياته تظهر في زمننا المعاصر.

كما لفتت “ناسا” إلى ضرورة معالجة الحكومات العالمية للمشكلة في هذه المناطق قبل غيرها، وذلك قبل أن يسوء الوضع أكثر.

“وجود أنفاق وسدود إيرانية هدفها تدمير الزراعة في الإقليم”

كما تعتبر هذه الدراسة الشاملة، الأولى من نوعها في العالم حيث استخدم فيها قمر ناسا الاصطناعي “GRACE” المخصص تكنولوجيًا لأبحاث المياه العذبة، والذي بدأ عمله في عام 2002.

وفي هذا السياق أكد خبير المياه والسدود “محمد السوداني” في حديثه لـ”وكالة يقين”، أن “ما يحدث بين إيران وتركيا من “حرب مياه” قد انعكست آثارها سلبًا على العراق بشكل كبير، بل حتى العاصمة بغداد مهددة بتلوث المياه وانحسارها، فضلًا عن الطاقة الكهربائية، مشيرًا إلى أن تركيا قد قننت من مجاري المياه، وهي في طور بناء 22 سدًا على نهرَى دجلة والفرات؛ وهذا من شأنه أن يُدخل العراق في نقص وشح كبير في المياه، بل يحرمه من حصته المائية”.

وبخصوص إقليم كردستان العراق؛ أشار السوداني إلى “وجود أنفاق وسدود إيرانية هدفها تدمير الزراعة في الإقليم، وهذا ما يفسر دعوات حكومة الإقليم للتحرك لمواجهة مخاطر إقامة إيران لتلك السدود والأنفاق، وتابع، أمريكا وإيران تخوضان حرب مياه أدت إلى حرمان العراق من حصته المائية القانونية”.

الإهمال الحكومي والعجز عن مطالبة العراق للدول الإقليمية بوضع حد للانتهاكات المائية التي تضر بمصلحة العراق كله، ناهيك عن إهمال مدينة الموصل وتلوث مياهها، الأمر الذي بات يهدد حياة الأهالي وينذر بكارثة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات