الجمعة 22 يونيو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

الميليشيات تسيطر على "المدائن".. وأهلها يُمنعون من العودة

الميليشيات تسيطر على “المدائن”.. وأهلها يُمنعون من العودة

قسم التقارير – بغداد

لم تسلم مدينة من بطش الميليشيات وممارساتها التي تخلو من الإنسانية، وكان قضاء “المدائن” أحد ضحايا هذه الميليشيات التي نفذت فيه أجندتها الخارجية، ولجأت لتهجير سكان القضاء بهدف التغيير الديموغرافي، شأنها في ذلك شأن مدن حزام بغداد بصورة عامة، حيث تعرض أهالي هذا القضاء إلى التهجير القسري والتهديد والاستيلاء على أملاكهم، والاعتقالات العشوائية لأبنائهم حتى خلت المدينة من سكانها الأصليين، لتسكنها جماعات لم تستطع المدينة التعرف عليهم، ولم يكنّوا لها أي انتماء سوى أن قياداتهم أمرت بذلك، لتحويل هذه المدينة إلى صبغة طائفية مغايرة تماما لصبغتها الأصلية.

اعتقالات تحول المدائن إلى مدينة خالية من أهلها

المواطن “حسان راضي” 36 عاما، أب لثلاثة أبناء، تم اعتقاله مرتين، وتعرض في كل مرة لكافة أشكال التعذيب والانتهاك، لم يكن هناك سبب لاعتقاله غير إرغامه على الرحيل من مدينة نشأ وترعرع فيها.

“تعرض أهالي هذا القضاء إلى التهجير القسري والتهديد والاستيلاء على أملاكهم”

“حسان”، يسكن حاليا في بغداد بمنزل مؤجر، ويعمل حارسا ليليا في أحد مصارف العاصمة، بعد أن كان يملك منزلا في المدائن، ومحلا لبيع الهواتف النقالة، تحدث لـ”وكالة يقين”: “جاءت عناصر الميليشيات إلى المحل أول مرة، واقتحموه بطريقة عنيفة، واتهموني ببيع هواتف مسروقة، تم اعتقالي وبقيت في السجن سبعة أشهر، من دون أن يثبت عليَّ أي جرم، بعدها أطلقوا سراحي بعد تعذيب شديد كان يُمارَس عليَّ في السجن، وضغوط للاعتراف بجريمة لم ارتكبها”.

ويضيف: “بعد سنه ونصف تم اعتقالي مرة أخرى؛ بحجة أنني التقي بأشخاص ينتمون لمجموعات مسلحة أثناء ترددي على المسجد لأداء الصلاة، وبعد سنتين من الاعتقال والتعذيب والضرب المبرح والأشغال الشاقة؛ تم إطلاق سراحي، لكن هذه المرة كانت الخسارة كبيرة، حيث فوجئت باستيلاء هذه الميليشيات على المحل الذي كان يحوي بضاعة بقيمة عشرين ألف دولار، والخسارة الأعظم كانت بموت والدتي التي لم تتحمل غيابي”.

ويتابع “حسان” حديثه قائلا: “خرجت من السجن ولم أجد زوجتي وأبنائي في المنزل، حيث اضطرت زوجتي للتوجه إلى بيت أهلها في الأنبار، والعيش هناك بصحبة أبنائي؛ بسبب الابتزاز والمضايقات التي تعرضت لها من قبل الميليشيات، ومنزلي سكنته عائلة لم أحاول حتى استعادته، بل قررت الخروج من المدينة والعيش في بغداد، وجمع عائلتي في مكان آمن نسبيا”.

خلت مدن حزام بغداد من أي تنوع اجتماعي، فاصطبغت بصبغة واحدة وفق خطة كانت الميليشيات ومن يدفعها لتغيير ديموغرافي، تمكنت من تحقيقه بتهجير وتهديد الأبرياء.

تهجير واستيلاء على منازل وأملاك المواطنين

ولم تتمكن الميليشيات من السيطرة على مدينة “المدائن” من خلال تواجدها فيها فقط، فأهالي هذه المدينة واجهوا تواجد هذه الميليشيات وممارساتها بكل قوة وإرادة، لكي لا يغادروا مدينتهم التي ولدوا وترعرعوا فيها، لكن القتل العشوائي والاغتيالات التي طالت أبناء هذه المدينة كانت ناقوسا دق خطره ليرعب الأهالي، ويجعلهم أكثر تنبها من نوايا هذه الميليشيات، كما أن الاعتقالات التي تعرض لها العديد من أبناء المنطقة والاختفاء القسري كان سببا لهجرة أهالي المنطقة خوفا على حياتهم وكرامتهم.

الناشط في مجال حقوق الإنسان “سعد جواد” تحدث لـ”وكالة يقين” عن الحالات التي رصدها أثناء عمله، والانتهاكات التي وثقها في هذه المدينة، فأثناء دراسته حول التغيير الديموغرافي الذي طال مناطق حزام بغداد والوقوف على أسباب هذا التغيير، كشف عن انتهاكات كبيرة طالت سكان هذه المناطق، تحدث عن بعضها قائلا: “بعد عام 2003 تعرضت مناطق عديدة في العراق إلى تغيير ديموغرافي وبشكل ملحوظ، بشكل أثار انتباه منظمات حقوق الإنسان والعاملين فيها، مما دفعنا لعمل بحوث حول هذا الموضوع”.

“لم تتمكن الميليشيات من السيطرة على مدينة “المدائن” من خلال تواجدها فيها فقط”

ويضيف “جواد”، “أثناء البحوث التي أجريناها وقفنا على قصص عديدة، وخصوصا في منطقة المدائن، حيث تعرض سكانها إلى انتهاكات دفعهم لترك مدينتهم، والنزوح إلى مدن أخرى، وتعرضوا لتهجير قسري، ولو كان هذا التهجير حدث في بلد آخر لفتحت فيه العديد من التحقيقات، فمن غير الممكن يمر من دون محاسبة، وبكل وضوح يتم تهجير سكان المدائن منها، وبكل وضوح يتم الاستيلاء على المنازل والمحال التجارية من قبل الميليشيات، وفي أحسن الأحوال يتم شراء العقارات بأسعار منخفضة جدا”، مشيرا إلى أن “تستر الدولة على الميليشيات، ووجود من يدعمها تحت قبة البرلمان وفي المناصب الحساسة في الدولة؛ يجعل التحقيق بهذه القضايا أمرا مستحيلا”.

ويتابع الناشط حديثه للوكالة، قائلا: “تحدث لنا من تعرض للاعتقال من أهالي المدائن عن التعذيب الذي كانوا يتعرضون له داخل السجن، والذي أدى إلى إعاقات جسدية للكثير منهم، كما كشفت تسريبات من داخل وزارة الداخلية عن إرغام المعتقلين على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، لكن التعذيب والتهديد دفع العديد منهم للاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وبعضهم تم تصويره وعرضه على شاشات التلفزيون وتم تلقينه قصصا يرويها عن أعمال العنف التي قام بها، لكن حقيقة الأمر أن هذه القصص عارية عن الصحة، وهو مرغم على روايتها، وتعرض الكثير من المعتقلين إلى التهديد بتصفية ذويهم خارج السجن، أو اعتقال زوجاتهم أو أخواتهم، بهذه الطرق كان يتم الضغط عليهم”، بحسبه.

بطش وقتل وتصفية جسدية

وكان المواطن “أبو احمد” 55 عاما، لديه دكان صغير لبيع المواد الغذائية، يعيل أسرة مكونه من ثلاثة بنات وولد وزوجته وأمه المقعدة، كان تعليم أبنائه وإيصالهم إلى الجامعات أقصى طموحاته، لكنه لم يتمكن من رؤيتهم خريجين، فرصاصة غدر حولته إلى جثة تصارع الموت للحظات وبعدها تلاقيه، من دون ذنب سوى أنه من سكان “المدائن”، أثناء خروجه من صلاة المغرب كانت هذه الرصاصة بانتظاره، لتقتل حلم أسرة بأكملها تحولت حياتها إلى كابوس مرعب.

ابنه “أحمد”، تحدث لـ”وكالة يقين” عن والده: “لم يكن لوالدي أي عداوات أو مشاكل مع أحد، كان يحب الجميع ولا يلتقي إلا بصديق واحد رافقه طوال حياته، خبر مقتل والدي كان صدمة لكل المدينة وليس لنا فقط، حيث لم يكن له أي خلاف مع أحد، لكن بعد فترة اخبرنا جاره في السوق أن مجموعة مسلحة كانت قد جاءت إلى المحل”.

“عندما يكون للميليشيات غطاء حكومي تتحول إلى سلطة تفوق القوانين وبنود الدستور

ويضيف، أن “المسلحين طلبوا منه إخلاء المحل، لكنه قال لهم: إنه مصدر رزقي الوحيد، وتحدث معهم بكل احترام، ولم تحدث أي مشاجرة بينهم؛ بل كان الحديث وديا جدا، لدرجة أنه لم يشعر به أحد سوى جيرانه في السوق، والذي رفض الحديث أمام أحد بسبب خوفه من مصير مماثل لمصير والدي، لكنه تحدث لنا عن هذه القصة كي يحذرنا من فتح المحل مرة أخرى، وفعلا قام عمّي بتصفية البضاعة التي كانت داخل المحل وتركناه فارغا، بعد فترة ليست بالطويلة قرر عمي ترك المدينة بسبب مضايقات مماثلة، وقرر أن يأخذنا معه إلى الموصل، قبل أن تخضع لسيطرة تنظيم الدولة”.

ويتابع “أحمد”، “عملت أنا في محل لبيع الملابس الرجالية لكنني لم أترك دراستي لأنني قررت تحقيق ما كان والدي يحلم به، وأمي عملت في الخياطة في المنزل لكي نتمكن من إعالة أخواتي”.

ويختتم حديثه قائلا: “عوائل كثيرة غادرت المدينة تاركة خلفها قصصا مروعة، وأبناء تم اعتقالهم لم يُعرَف مصيرهم، ومنازل تم الاستيلاء عليها، الميليشيات تتصرف في هذه المدينة من دون رادع”.

الميليشيات تسيطر على الشارع

عندما يكون للميليشيات غطاء حكومي تتحول إلى سلطة تفوق القوانين وبنود الدستور، وحتى شرعات حقوق الإنسان، فالسطوة في هذه الحالات تكون لمن يملك سلاحا يوجهه إلى الأعزل الذي لا يملك سوى قوت يومه، ويحاول تأمينه لعائلته التي تنتظر غدا أفضل، ولم تجده بسبب بطش هذه الميليشيات.

الخبير الأمني “ماجد العواد” وفي حديثه لـ”وكالة يقين”؛ أكد أن انفلات السلاح بيد ميليشيات وعشائر وأفراد يحول البلاد عموما إلى غابة تكون السطوة فيها للأقوى، فاستيلاء هذه الميليشيات على مخازن سلاح الجيش العراقي السابق والسلطة التي يملكها مكنته من السيطرة على الشارع، فالضابط في وزارة الداخلية أو الدفاع لا يتمكن من توجيه أي عقوبة، أو إصدار أي مذكرة اعتقال بحق أي فرد من هذه الميليشيات؛ لأنه بالتأكيد سيتعرض إلى التصفية أو خسارة وظيفته على اقل تقدير”، بحسبه.

“علت أصوات من مناطق حزام بغداد للمطالبة بحقوق أبناء هذه المناطق التي لم تكتفِ الميليشيات بتهجير أهالي هذه المناطق”

ويضيف “العواد”، “حتى المسؤولين الكبار في الوزارات الأمنية لا يجرؤون على مواجهة هذه الميليشيات، أو توجيه أي اتهام لهم؛ لأنهم يدركون أنها مدعومة من الأحزاب المتنفذه في الدولة، وهي تسير ضمن خطة ومنهجية رسمتها لها أطراف خارجية، إيران لن تسمح بالتعايش داخل العراق، والتغيير الديموغرافي شبح يهدد جميع المدن التي تتمتع بنسيج اجتماعي مختلط، هذه الميليشيات تملك سجونا خاصة، يكون فيها اسم المعتقل أو بمعنى أدق المختطف خارج سجلات الدولة، فهو يعيش ضمن قوانين خارجة عن الدولة وحتى حقوق الإنسان”، مؤكدا أن “هذه السجون يسيطر عليها أشخاص تعلموا أن يكونوا وحوشا، دربوا لهذا الغرض، سجون كانت سرية في السابق، لكن اليوم هي موجودة بعلم أجهزة الدولة، لكن الدولة عاجزة عن القضاء عليها أو حتى التحقيق في أمرها”.

مناشدات لم تجد لها صدى

علت أصوات من مناطق حزام بغداد للمطالبة بحقوق أبناء هذه المناطق التي لم تكتفِ الميليشيات ومن يساندها من الجهات الحزبية المتنفذه في الدولة بتهجير أهالي هذه المناطق؛ بل عملت على تضييق الخناق عليهم من خلال منعهم من إدخال الأسمدة إلى مدنهم بشكل يحرمهم من زراعة محاصيلهم التي يعتمدون عليها في الحصول على رزقهم.

النائب عن حزام بغداد “عبد الكريم عبطان”، وفي تصريحه لـ”وكالة يقين” أكد أن “حزام بغداد يعاني من نقص حاد بالمبيدات والأسمدة، وحرمان مناطق بأكملها من إدخال السماد”، مؤكدا أن “نواب المنطقة ناشدوا الجهات المعنية لإيجاد حلول لهذه المشكلة، التي تهدد قوت المواطنين لكن من دون جدوى”،.

“يؤكد “عبطان” “وجود المئات من سكان هذه المناطق لم يُعرَف مصيرهم بعد”

وشدد “عبطان” على أهمية سيطرة القوات الحكومية من وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، ومسك الأرض من قبلهم، وعدم السماح لجهات أخرى السيطرة على هذه المناطق، مضيفا أن “أمن بغداد يعتمد على أمن حزامها، ولا يمكن أن يفرض الأمن في العاصمة؛ ومناطق حزام بغداد لا تزال تعيش وضعا امنيا قلقا”.

ويشير “النائب”، أن “وجود عشائر في هذه المناطق قدمت تضحيات من أجل الحفاظ على أمن مناطقهم”، محذرا من الاعتقالات العشوائية التي تعرّض لها سكان هذه المناطق، والعنف الذي يتعرضون له بشكل مستمر من قبل عناصر تسيطر على هذه المناطق.

ويؤكد “عبطان” “وجود المئات من سكان هذه المناطق لم يُعرَف مصيرهم بعد، وأن هناك أعدادا كبيرة من المعتقلين لم يتم العثور على أسمائهم في وزارة الداخلية أو أي جهة حكومية، مما يؤكد اعتقالهم بطريقة خارجة عن القانون ولأهداف انتقامية، مطالبا إلى إعادة فرض القانون في هذه المناطق، وحصر السلاح بيد الدولة فيها”، بحسبه.

وهكذا لا تزال منطقة “المدائن” حبيسة لدى الميليشيات، ويُمنع أهلها من العودة إليها، ولا تزال صيحات الأهالي تتعالى لاسترداد حقوقهم وممتلكاتهم، من دون مجيب من حكومة أو مسؤول.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات