الأحد 22 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الخُلاصَة »

تخريب المواصلات العامة.. السكك الحديد تلفظ أنفاسها الأخيرة

تخريب المواصلات العامة.. السكك الحديد تلفظ أنفاسها الأخيرة

قسم التقارير – العراق

يؤكد أغلب المختصين في مجال السكك الحديد أن هذه الوسيلة المهمة والحيوية توشك على التوقف التام في العراق، بعد أن انحسرت شبكة تغطيتها إلى نسبة متدنية للغاية؛ بسبب حجم الدمار الذي لحق بها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، فيما يبدو الأمل شبه منعدم في إعادتها إلى سابق عهدها بسبب السياسات الحكومية الخاطئة التي جعلت معظم العاملين في هذا المجال يفضلون مغادرته أو عدم الانخراط فيه أصلًا.

وتعد السكك الحديد العراقية هي ثاني أقدم سكك في المنطقة العربية حيث تأسست سنة 1916 تحت الإدارة البريطانية، وتحولت بعدها إلى الحكومة العراقية التي قامت بافتتاح خطوط إلى معظم المحافظات قبل أن تدشن خط سفر إلى اسطنبول في تركيا، وحتى فترة الاحتلال الأمريكي كان معظم العراقيين قد استخدموا هذه الوسيلة في تنقلاتهم بين المدن قبل أن تتوقف معظم هذه الخطوط أو يتم إلغاؤها.

خطوط مزدهرة وقطارات مريحة.. في السابق

“تعد السكك الحديد العراقية هي ثاني أقدم سكك في المنطقة العربية حيث تأسست سنة 1916 تحت الإدارة البريطانية”

ويعتبر الأستاذ الجامعي المتقاعد جلال “عباس المهداوي” نفسه واحدًا من جيل القرن الماضي الذين استخدموا القطارات في السفر بين أغلب المحافظات العراقية انطلاقا من العاصمة بغداد، على العكس من أبنائه الأربعة الذين لم يركب أي منهم في قطار أو يسافر فيه؛ لأنهم مارسوا حياة البلوغ في فترة بعد الاحتلال الأمريكي، حيث لم يعد يستخدم هذه الوسيلة سوى عدد قليل جدًا من العراقيين، ولا يكررون التجربة مرة ثانية، على حد تعبيره.

ويبين “المهداوي” لــ”وكالة يقين” أن أول قطار استقله في حياته كان قطار الموصل في فترة دراسته الجامعية، حيث اعتاد مع زملائه على الذهاب في فصل الربيع إلى غابات الموصل في كل سنة، وبعدها استخدم قطارَي البصرة والمنطقة الغربية أثناء الخدمة العسكرية، وكذلك قطار الشمال عند تعيينه في المعهد التقني في مدينة كركوك في نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

ويضيف “المهداوي” أن السفر في القطارات كان يناسبه ويستهويه تمامًا، فهو آمن بشكل أكبر من غيره من المواصلات العامة، ومتوفر في جميع الظروف، وفي مواعيد محددة، وتكون أسعاره شبه رمزية، وتتوفر فيه سبل الراحة من تكييف ومطعم ونظام صارم يمنع الضوضاء، مضيفًا بأنه أدمن هواية المطالعة و قرأ عشرات الكتب بفضل رحلات القطار، وأنه غالبًا ما كان يجد كتبًا ومجلات وصحفًا متروكة على المقاعد من قبل مسافرين آخرين.

رحلة واحدة كل يومين

على العكس من صورة “المهداوي” الحالمة، وعلى أبواب المحطة العالمية للسكك الحديد في منطقة “العلاوي”، تصادف الكثير من المسافرين الذين تبدو عليهم أمارات الغضب، ويتسابقون في التنفيس عن مشاعرهم بعد رحلة متعبة انطلقت من البصرة، و استغرقت أكثر من 10 ساعات للوصل إلى بغداد.

ومن هؤلاء “إبراهيم حسن البزوني” الذي أمضى أقل من يومين في انتظار اكتمال عدد المسافرين حتى ينطلق بهم القطار من البصرة، والذي كان يبطئ من سرعته أو يتوقف تمامًا ولعشرات المرات في الرحلة؛ لتجنب السيارات العابرة على السكة، أو قطعان المواشي أو حتى المنازل العشوائية المنتشرة بمحاذاة السكة الحديد، وعلى مسافة لا تتجاوز المتر ونصف عنها .

“لا تمتلك الجهات الحكومية حتى الوقت الحاضر دراسة ميدانية لتقييم حجم الضرر الذي لحق بشبكة السكك الحديد في عموم العراق

ويبين “البزوني” لــ”وكالة يقين” أن النظام الجديد في انطلاق الرحلات بالقطار بات يعتمد على الانتظار حتى الحصول على أكبر عدد ممكن من المسافرين، وهو مشابه للسفر بسيارات القطاع الخاص في الكراجات، ويختلف تمامًا عن النظام السابق الذي كان يحدد مواعيد ثابتة للرحلات ينطلق بها القطار حتى لو لم يكن على متنه سوى راكب واحد .

ويصف “البزوني” الحالة على متن القطارات وداخل محطَّتَي البصرة وبغداد بالمأساوي من حيث غياب نظام الحجز والصعود، و انعدام النظافة أو وسائل الراحة، فضلًا عن حالة الهرج التي تسود الرحلات، مشيرًا إلى أنه ركب القطار بعد انقطاع طويل، وعلى سبيل التجربة التي يؤكد أنها لن تتكرر ثانية .

شبكة التغطية تقتصر على خط واحد

تشير المعلومات التي حصلت “وكالة يقين” عليها إلى أن من بين أكثر من 450 قاطرة كانت تعمل في العراق قبل الاحتلال الأمريكي، فإن أقل من ربع هذا العدد يعمل في الوقت الحالي، بعد أن تراجعت الخطوط من خمسة كانت تعمل قبل 2003 إلى خط واحد مستمر في الخدمة حاليًا، وآخر تمت تجربته قبل فترة قصيرة، بينما تبدو فرصة تشغيل باقي الخطوط مستبعدة نتيجة الدمار الذي لحق بها بفضل العمليات العسكرية، وممارسات النهب التي رافقتها .

وفي هذا السياق يوضح مدير عام السكك الحديد “علي عبدالحسين” إلى أن شبكة السكك العراقية كانت تشمل معظم المناطق، وعبر محور البصرة الذي يغطي مناطق الفرات الأوسط والجنوب، ومحوَرَي الموصل وكركوك، ويغطي مناطق الوسط والشمال، ومحور القائم الذي يغطي جميع المناطق الغربية، مستدركًا بأنه لم يعد هناك بعد عام 2003 سوى خط واحد وهو: بغداد_ البصرة.

“شهدت منظومة السكك الحديد في العراق أكبر حملة نهب بعد الاحتلال الأمريكي”

ويبين “عبدالحسين” في حديث لــ”وكالة يقين” أن الرحلات سابقًا كانت تنطلق بشكل يومي، وبواقع 3 رحلات إلى الموصل، وواحدة إلى كركوك، و2 إلى القائم في الأنبار و2 إلى البصرة، وهي مخصصة فقط للمسافرين، فضلًا عن رحلات نقل البضائع للقطاعَيْن الخاص والعام، والتي كانت تساهم بشكل كبير في ازدهار العائدات المالية لشركة السكك الحديد.

ومع امتلاك الشركة لأسطول ضخم من العربات المخصصة لنقل مختلف البضائع، وبحمولات كبيرة جدًا، وتكاليف مناسبة، إلا أن مديرها يستغرب من عدم قيام الوزارات العراقية -ومنها: النفط والزراعة والتجارة- على التعاقد معهم لنقل بضائعهم، خصوصًا وأن النقل باستخدام السكك الحديد يعد الأكثر أمنًا، والأقل كلفة، والأعلى حمولةً من باقي وسائل النقل الداخلي.

ولا تمتلك الجهات الحكومية حتى الوقت الحاضر دراسة ميدانية لتقييم حجم الضرر الذي لحق بشبكة السكك الحديد في عموم العراق، والمتوقفة منها عن الخدمة على وجه الخصوص، ففي الوقت الذي تقدر مصادر محلية في الأنبار حجم الضرر لديهم بأكثر من 80% من عموم شبكة السكك في المحافظة؛ فإن النسبة تكون مقاربة في محافظة صلاح الدين، بينما لم تعلن محافظة نينوى عن أي تفاصيل بهذا الخصوص، وسط ترجيحات بأن تكون معظم الشبكة لم تعد صالحة للاستخدام.

نقص الكوادر يهدد حركة القطارات

من جانبه ينتقد المهندس “عيسى لازم العكيلي” مسؤول تنظيم مسارات في السكك الحديد، الخطوات التي تم اتخاذها بعد عام 2003، ومنها: إلغاء معهد السكك الحديد وتحويل شركة السكك إلى التمويل الذاتي، ومنع تعيين أي درجة وظيفية على ملاك السكك الحديد، مبينًا أن هذه الخطوات ساهمت في انقراض الكثير من التخصصات الضرورية لتسيير الرحلات، ومنها: تخصص سائق القطار وموظف المفصل والتحويلات ومفتش عام السكك وغيرها .

ويضيف “العكيلي” في حديث لــ”وكالة يقين” أنهم يعملون حاليًا بالخبرات القديمة المتبقية لديهم، وهي في تناقص مستمر بسبب التقاعد، أو العجز، أو الوفاة، محذرًا من عجزهم عن تسيير القطارات في المستقبل بسبب عدم وجود الملاكات المتخصصة، وهو ما يعني توقفًا تامًا لحركة السكك الحديد في العراق.

والى جانب نقص الكوادر البشرية؛ فإن المهندس “العكيلي” يشتكي من عموم النظام الذي تعمل به السكك الحديد في العراق، سواء في التحويل وفتح المسارات التي تعمل بطريقة التعابر في فتح السكك، وتنظيم حركة القطارات عليها، مبينًا أن هذا النظام المتخلف لا يسمح سوى بحركة قطار واحد فقط، ولا يعطي الضوء الأخضر للقطار الثاني بالتحرك، إلا بعد وصول إخلاء القطار الأول للسكة ووصوله إلى هدفه.

“ينتقد المهندس “عيسى لازم العكيلي” مسؤول تنظيم مسارات في السكك الحديد، الخطوات التي تم اتخاذها بعد عام 2003″

وشهدت منظومة السكك الحديد في العراق أكبر حملة نهب بعد الاحتلال الأمريكي، حيث تعرضت المحطة العالمية في بغداد ومحطات المحافظات لسرقة معظم محتوياتها القابل للاستخدام، بالتزامن مع دخول قوات الاحتلال إلى بغداد في نيسان 2003، في وقت استمرت عمليات التخريب طيلة الفترة اللاحقة التي شهدت عمليات عسكرية مستمرة دمرت الباقي من المنظومة، في وقت اقتصرت عمليات الإعمار على عقود شراء لقاطرات وعربات تبين لاحقًا أنها ذات أسعار مرتفعة، و مواصفات رديئة غير مطابقة لمواصفات الاستخدام العراقية.

ولا تقتصر هموم “العكيلي” على الكوادر والنظام فقط؛ لأن هناك معضلة أخرى غير قابلة للحل، وهي التجاوزات على السكك الحديد، التي يؤكد بأنها باتت المكان المفضل لبناء منازل التجاوز ورعاية قطعان المواشي، بينما يصر أصحاب السيارات على مزاحمة القطارات في المعابر، وهي جميعًا مظاهر يصر على أنها تبدي قلة أو عدم احترام من المواطن تجاه العامل في قطاع السكك.

سائق قطار: القانون لا يحمينا والعشائر تلاحقنا

إلى ذلك يقول “مهدي عماش الشمري”- سائق قطار: إن هذه التجاوزات تجبر سائق القطار على تهدئة السرعة لعدة مرات بعد الانطلاق من المحطة الرئيسة، أو أثناء المرور بالمدن؛ لأن هناك مزاحمة لهم من قبل سائقي السيارات على المعابر، تجبرهم -في بعض الأحيان- على التوقف، وهو عكس القانون الذي يفترض بأن سائق السيارة يتوقف لحين عبور القطار .

ويتابع “الشمري” في تصريح لــ”وكالة يقين” أن متاعبهم تستمر مع مناطق التجاوز التي تم بناؤها على تماس مع سكة القطار، حتى أن بعض المنازل لا تبعد أكثر من متر عن السكة، فضلًا عن عدد لا ينتهي من قطعان الأغنام والماعز التي يفضل أصحابها التواجد فوق أو على مقربة من السكة، وهي جميعًا عوائق تجعل من حوادث الدهس محتملة وقائمة في أي لحظة، محذرًا من التبعات الخطيرة التي يتحملها سائق القطار في حال دهسه طفلًا أو سيارة أو خروفًا يصر على العبور من أمام القطار.

ويضيف السائق “الشمري” أن العديد من زملائه تركوا المهنة بعد ملاحقتهم عشائريًا على خلفية هذه الحوادث، وهي حالة تتكرر بشكل مستمر، بينما لم تكن موجودة أبدًا قبل الاحتلال -بحسب الشمري-، حيث كان القانون يحمي موظف السكك الحديد، ويحاسب بشدة كل من يتجاوز على السكك أو الموظف.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات