الأربعاء 21 نوفمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الموصل »

جرحى ومعاقو "الموصل".. بين المعاناة وتدني القطاع الصحي

جرحى ومعاقو “الموصل”.. بين المعاناة وتدني القطاع الصحي

قسم التقارير – نينوى

لم يستطع “فراس محمد” ذو الثمانية عشر عامًا من أن يتمالك نفسه، وقرر أن يذهب إلى بيت صديقه الذي يبعد عنه 400 متر ليتفقده وأهله، بعد أن سمع أن طائرات حربية استهدفت منزلًا في الشارع الذي يقبع فيه بيت صديقه، لكن “فراسًا” لم يكن يعلم أن ذهابه لبيت صديقه سيتسبب له بإعاقة دائمة، وسيفقد أحد ساقيه بعبوة ناسفة انفجرت في الشارع الذي يقع فيه بيت صديقه.

ويروي الحاج أبو فراس لــ”وكالة يقين” عمّا ألم بابنه “فراس”، ويقول: إن القوات الحكومية متمثلة بجهاز مكافحة الإرهاب استعاد نصف حَيِّهم في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وأن منزل صديق “فراس” في حي القادسية الثانية في “الموصل”؛ يقع على خط النار بين القوات الحكومية ومقاتلي “تنظيم الدولة”، ويضيف “أبو فراس” أن ابنه فقد ساقه اليسرى نتيجة عبوة ناسفة، وأنهم ذهبوا به إلى إحدى مستشفيات مدينة “أربيل”، وأجريت له عملية جراحية في حينها.

ويؤكد أن ابنه “فراس” لم يتلقَّ أي دعم حكومي منذ ذلك الوقت، وأنه لم يستطع أن يوفر لابنه ساقًا اصطناعية تعينه على الحركة، برغم مراجعاتهم المستمرة لدوائر الصحة في الموصل، ويختم “أبو فراس” حديثه للوكالة -والحزن بادٍ على وجهه-؛ أنه يتمنى أن يرى ابنه يمشي من دون استخدام الركائز “العكازات”.

حيث تعرضت “الموصل” لدمار شامل في بُناها التحتية، وتعد المستشفيات الأكثر تضررًا، مدير صحة “نينوى” السابق “ليث حبابة” كان قد أعلن في تصريح صحفي له -في وقت سابق- من هذا العام أن نسبة الأضرار التي أصابت مستشفيات الموصل متفاوتة، وأوضح “حبابة” أن أكبر مستشفيين في “الموصل”، وهما: “المستشفى الجمهوري” و”مستشفى السلام” دُمِّرا 100%، في حين بلغت نسبة الأضرار في مستشفى ابن سينا التعليمي والأورام 90%، فيما تتفاوت نِسَب الدمار في المستشفيات الأخرى، لكن جميع المستشفيات تضررت بصورة عامة، بحسبه.

قصص حزينة لا تنتهي

“تشهد “الموصل” -ثانية كبريات المدن العراقية بعد العاصمة بغداد-، وضعًا صحيًا مزريًا”

“زيد يونس”، طفل في السادسة من عمره، أُصيب في رأسه نتيجة القصف العشوائي الذي تعرضت له منطقته في حي الموصل الجديدة في الجانب الغربي من “الموصل” إبان الحرب، وفقد على إثرها حاسة البصر، والدة “زيد” تقول متحدثة لــ”وكالة يقين”: إن طفلها زيدًا يعاني من تلف جزئي في العصب البصري، وأنه بحاجة لتدخل جراحي معقد ومكلف في الخارج.

وتضيف أنهم -أي عائلة الطفل زيد- ليست لديهم القدرة المادية على السفر به للخارج؛ لكون العملية الجراحية مكلفة جدًا، وقد تتطلب منهم ستة عشر ألف دولار إن كان العلاج في الأردن.

وعن سعيها في علاجه داخل العراق، تقول “أم زيد”: إن جميع الأطباء أكدوا لها أن هذه العملية غير ممكنة في العراق حاليًا، مشيرة إلى أن طفلها يبلغ الآن السابعة من العمر؛ إلا أنها لم تذهب به إلى المدرسة؛ لكونه فاقدًا للبصر.

تدهور القطاع الصحي

وتشهد “الموصل” -ثانية كبريات المدن العراقية بعد العاصمة بغداد-، وضعًا صحيًا مزريًا، حتى وصل الحال بمستشفى “ابن سينا التعليمي” الذي يتخذ من مستشفى “الشلل والنخاع الشوكي” مقرًا له في منطقة “الرشيدية” في الجانب الأيسر من المدينة، إلى وجود جهاز إنعاش واحد فقط في المستشفى، وأن المرضى ينتظرون حتى يحين دورهم في الإنعاش رغم الحالات الحرجة، هذه المعلومات أفادت بها الدكتورة “إيناس عبدالله”، وهي طبيبة بصفة مقيمة دورية في المستشفى، وأضافت متحدثة لــ”وكالة يقين”، أن المستشفى يعتمد في عمله على ما يجود به أهل الخير في “الموصل”، وعلى ما تقدمه بعض المنظمات المحلية والدولية، لكنها لا تفي بالمطلوب، بحسبها.

“يعتمد المرضى في “الموصل” بعد الحرب على العيادات الأهلية المختصة لإجراء فحصَي الرنين والمفراس”

وتضم مدينة “الموصل” مركزًا لعلاج وتأهيل حالات الإعاقة في المدينة، ويقع هذا المركز في حي الوحدة، يقول الدكتور “سعد سالم” أخصائي الإعاقة والعلاج في المركز، متحدثًا لــ”وكالة يقين”، أن المركز أُعيد افتتاحه قبل أشهر، ويقدم الرعاية الصحية للمعاقين.

ويضيف “سالم”، أن المركز يضم أجهزة للتمارين الطبيعية والفيزياوية، لكنه يفتقر إلى معمل صناعة الأطراف الصناعية، بعد أن دُمِّر خلال الحرب، لافتًا إلى أن الحالات المرضية التي تحتاج إلى أطراف صناعية تحال إلى المنظمات المحلية والدولية، ويدخل المريض في طابور طويل في انتظار دوره في الحصول على طرف صناعي. وعن أعداد حالات الإعاقة التي تسببت بها الحرب في “الموصل”؛ أشار الدكتور الأخصائي إلى أنه لا يمكن لهم الإفصاح عن الأعداد إلا بموافقة رسمية من دائرة صحة نينوى، بحسبه.

مستشفيات “الموصل” تفتقد لجهازَي الرنين والمفراس

“اضطررنا إلى أن تبيع زوجتي بعضًا من مهر زواجنا لتسديد ثمن الفحص”، كان هذا كلام “ياسر” وهو ممسك يد زوجته المريضة متجهًا بها إلى باب غرفة الطبيب ليسلمه نتيجة الفحص الطبي، والذي يُعرف بـ”الرنين”، والذي كان قد أجراه لزوجته في عيادة خاصة، بعد أن أتت الحرب على غالبية مستشفيات الموصل، بما فيها من أجهزة ومعدات طبية.

ومن جانبه يقول الدكتور “شيبان المختار” أخصائي الأورام والطب الذري في مستشفى “ابن سينا التعليمي” لــ”وكالة يقين”: إن غالبية مستشفيات “الموصل” كانت تضم جهازَي الرنين “MRI” والمفراس CT SCAN””، وهذه الأجهزة تعد الأساس في عملي، وكل المرضى أطالبهم بالتصوير بأحد هذين الجهازين، وأن غالبية الأمراض الباطنية والإصابات تحتاج إلى الفحص بأحد هذين الجهازين.

وأوضح “المختار” في حديثه، أن بعض هذه الأجهزة ما زالت موجودة في مستشفَيَي “ابن الأثير” و”الخنساء”، ولم تتعرض لتدمير كامل، لكن معوقات فنية ومالية تحول حتى اللحظة دون إعادة تشغيل هذه الأجهزة.

“يعاني المصابون جراء الحرب على “الموصل” ليس فقط من الإصابة، بل من الحالة النفسية السيئة التي ترافق إصاباتهم”

ويعتمد المرضى في “الموصل” بعد الحرب على العيادات الأهلية المختصة لإجراء فحصَي الرنين والمفراس، وتضم الموصل عيادتين مختصتين بهذين الفحصين، أولاهما: مركز الزهراء الطبي في حي الفيصلية، أما ثانيهما: فمركز أم الربيعين التخصصي في حي البريد والذي أفتُتِح حديثًا.

ويقول الأخصائي في الأشعة والسونار “بشار الطائي” متحدثًا لــ”وكالة يقين”: إن أجرة فحص الرنين والمفراس في المراكز الأهلية باهظة جدًا، إذا ما قورنت بالوضع الاقتصادي لأهالي “الموصل”، ويضيف، أن أجرة الفحص بالرنين للمقطع الكامل، أي الظهر والبطن والأطراف تصل إلى أربعمائة ألف دينار “325 دولارا”، لكن هذه الأجور شهدت تراجعًا نسبيًا بعد أن افتتح مركز “أم الربيعين” الأهلي أيضًا، وبصورة عامة يمكن القول: إن أجور فحص الرنين والمفراس للمقطع الواحد لا يقل عن مائة دولار حدًا أدنى.

واختتم “الطائي” حديثه بالقول: إن جميع المستشفيات الحكومية في “الموصل” كانت قبل الحرب تضم جهازَي الرنين والمفراس، وكانت أجرة الفحص في المستشفيات الحكومية لا تزيد عن 25 ألف دينار فقط.

حالات نفسية تزيد معاناة جرحى الموصل

ويعاني المصابون جراء الحرب على “الموصل” ليس فقط من الإصابة، بل من الحالة النفسية السيئة التي ترافق إصاباتهم، خاصة إذا ما تسببت الإصابة بعاهة دائمة، أو فقدان أحد الأطراف، وفي هذا الصدد يقول الدكتور “نبيل الوتار” أخصائي العلاج النفسي متحدثا لــ”وكالة يقين”: إن الطبيعة المجتمعية لأهل الموصل تجعل من الصعوبة بمكان إقناع المرضى الذين يعانون من سوء الحالة النفسية من التوجه إلى طبيب نفسي.

“لا يستطيع أحد الجزم بعودة المؤسسات الصحية إلى سابق عهدها”

ويشير “الوتار” إلى أن حالات قليلة جدًا يؤتى بها إلى العيادات النفسية لتلقي الدعم النفسي، ويؤكد “الوتار” على ضرورة الدعم والعلاج النفسي المرافق للإصابات المتسببة بعاهات دائمة؛ لما لها من دور فعال في تحفيز المريض على المضي قُدُمًا في حياته، والتعايش مع إصابته.

أما عن أعداد الجرحى في الموصل خلال العمليات العسكرية التي شهدتها المدينة على مدى أكثر من تسعة أشهر، فلا توجد إحصائيات دقيقة، ويرجع سبب ذلك إلى عدم توثيق هذه الحالات خلال الحرب، بحسب الدكتور “زكريا العبيدي”، الذي عمل طبيبًا في إحدى المنظمات الدولية خلال فترة الحرب في الموصل، والذي أضاف لــ”وكالة يقين” أن معالجة الجرحى خلال الحرب تمت في غالبيتها خارج مدينة “الموصل”، خاصة في “أربيل”، وفي المستشفيات الميدانية للمنظمات الدولية، والمستشفى الأمريكي في قضاء “برطلة” وجنوب “الموصل”.

وهكذا تستمر معاناة أهل “الموصل”، رغم الجهود المحلية التي يبذلها أطباؤها وكوادرها الصحية، ولا يستطيع أحد الجزم بعودة المؤسسات الصحية إلى سابق عهدها، خاصة إذا ما علمنا أن الميزانية العامة للعراق لعام 2018 -والتي أُقِرَّت قبل أيام- لم تخصص إلا النزر اليسير من الأموال لمحافظة “نينوى”.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات