الثلاثاء 17 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الفقر في العراق »

العراق.. تزايد مخيف بأعداد الفقراء في بلد "الذهب الأسود"

العراق.. تزايد مخيف بأعداد الفقراء في بلد “الذهب الأسود”

قسم التقارير – العراق

حين تتجول في شوارع العراق بمختلف محافظاته لا يلفت نظرك طفل يبيع المناديل في إشارة مرور، ولا عشوائيات منتشرة في مناطق عدة، ولا نساء تتسول، لأنها ظاهرة أصبحت طبيعية، وتتسع رقعتها بشكل متزايد من دون اهتمام حكومي للحد منها، حيث خلا هذا البلد من ملاجئ أيتام، ودور مسنين، وكفالة اجتماعية تحمي الفقراء، حيث شرع هذا الإهمال الأبواب أمام عصابات استغلال الأطفال للسرقة والتسول وارتكاب الجرائم، حتى سلبت الطفولة والبراءة من عيونهم، وتحولوا إلى مشروع استغلال جنسي ونفسي ومادي.

وكان لـ”وكالة يقين” حديث مع الناشطة المدنية “سعاد رشيد”، التي عملت لفترة خمس سنوات في إحدى الجمعيات المعنية بتقديم المساعدات للمحتاجين والأيتام، فضلا عن الدعم النفسي، تحدثت الناشطة المدنية عن بعض القصص التي عاشتها أثناء عملها قائلة: “الفقر آفة اجتماعية حولت المجتمع إلى غابة، الفريسة فيها هو الفقير الذي لا يملك قوت يومه، واستغل ضعاف النفوس فقر هؤلاء ليحولوهم إلى مصدر رزق واستثمار لهم، كانت تأتي للمنظمة حالات مؤلمة جدا، وقصص لا يتخيلها العقل، لكن القصة الأبرز -والتي لن أنساها أبدا- كانت لطفل تعرض والده للإعاقة بسبب حادث سير، فاضطرت أمه إرساله للعمل مع ابن جيرانهم عاملًا في محل لبيع الخضروات، وبعد فترة بدأ ابنها يتأخر عن موعد عودته، حتى اكتشفت بعد فترة أن ابن جيرانهم قد استغل ابنها ليعمل بالتسول بعد العمل في محل الخضروات، وأقنعه أن لا يخبر والدته، وأغراه بالمال”.

“خلا هذا البلد من ملاجئ أيتام، ودور مسنين، وكفالة اجتماعية تحمي الفقراء”

وأضافت “رشيد”: “اكتشفت أمه هذا الأمر بالصدفة، حين شاهده أحد أقاربهم في إحدى إشارات المرور القريبة من منزلهم، فقررت الأم منعه من التعامل مع ابن جارهم، وبحثت له عن عمل آخر، حيث عمل بمحل حلاقه رجالي في تنظيف المحل وترتيبه، فعطف عليه صاحب المحل بعد أن شاهد عليه سلوكا غريبا، وهو: الخوف من الاقتراب من الرجال، والهرب من أي شخص يحاول العطف عليه، أو حتى إعطاءه النقود، كما أنه يعاني من قلة الكلام والانطواء والخجل، وكأنه مرتكب لجريمة ما”.

وأردفت قائلة: “تحدث صاحب المحل مع أم الطفل، واتفقا على عرضه على الجمعية التي قدمت خدمات استشارية نفسية، فاكتشفت المعالجة النفسية أن الطفل كان يتعرض للتحرش الجنسي من قبل المارة أثناء عمله في التسول، كما أنه كان يتعرض للاستهزاء والاستخفاف والقسوة والسب أحيانا، وحتى الضرب من قبلهم، مما جعله حاقدا على المحيط، ويعتبر نفسه منبوذا في المجتمع ولا يستحق الحياة”.

الناشطة المدنية -وأثناء حديثها للوكالة- انتقدت الحكومة في إهمال الأطفال والقوانين الخاصة بهم، معتبرة أن هؤلاء الأطفال قنبلة موقوتة ستنفجر حين يكبرون من دون مستقبل، ومُحمّلين بالعقد النفسية والأحقاد على المجتمع، محذرة من تفاقم هذه الظاهرة، واستمرار الحكومة بالانشغال بالمناصب، وزج العراق في مستنقع التخلف والضياع.

عمالة الأطفال

بين الأزقة الضيقة التي تعاني إهمالا حكوميا كمثيلاتها من الأزقة في بغداد وجميع المحافظات، يعيش “مصطفى أحمد” ابن الاثني عشر عاما، يعيل أسرة فقدت معيلها في إحدى انفجارات منطقة الكرادة، حيث كان يملك بسطة لبيع الأحذية والحقائب، مما اضطر “مصطفى” إلى إكمال مسيرة والده الشاقة بإعالة أسرة مكونة من أربعة بنات، وأمهم التي تعمل هي الأخرى في إحدى المكاتب التجارية عاملة نظافة.

بدأ “مصطفى” بالعمل في إحدى بسطات بيع الشاي في شارع المتنبي، ترك مدرسته بعد سنة من التحاقه بها، حيث وجد نفسه أبا صغيرا لأسرة كبيرة مسؤوليتها تفوق طاقته.

“هكذا يملأ أطفال ونساء الشوارع طلبا للرزق، حيث ضاقت بهم سبل العيش بعد أن أصبحوا أيتاما وأرامل”

أثناء جولة ميدانية لمراسل “وكالة يقين” التقى “مصطفى” وبدأ بالحديث عن تفاصيل يومه الشاق قائلا: “يبدأ عملي في تمام الساعة السابعة صباحا، نبدأ بتحضير الشاي وبعض الطعام لرواد الشارع، وأصحاب المحلات المجاورة، ويستمر عملي لغاية الساعة السابعة مساء أو الثامنة، وأحصل على أجر 75 ألف دينار أسبوعيا “60 دولارا”، وبيتنا إيجار، وأخواتي يدرسون، أحلم أن يكملوا أخواتي تعليمهم كي لا يحتاجوا للعمل مثلي ومثل والدتي”.

وبعد زيارة مراسلنا لمنزل “مصطفى” المتهالك في إحدى أزقة منطقة “الفضل” وسط بغداد، أجرى مقابلة مع والدة مصطفى التي تحدثت عن واقعها المأساوي، قائلة: “توفي زوجي، وترك لي خمسة أبناء، اضطررت لترك مصطفى يعمل؛ لأن راتبي لا يكفي لتغطية مصاريف أسرتي، تؤلمني رؤية ابني يترك دراسته ويلتحق ببسطة شاي، ليلتقي جميع الأصناف من البشر وهو بهذا العمر، أخاف عليه من الوضع الأمني المتردي، وأخاف عليه من التحرش الجنسي الذي يتعرض له الأطفال الذين يقضون وقتهم في الشارع، الحكومة تخلت عن مسؤولياتها تجاه أسرتي، كما تخلت عن مسؤولياتها تجاه الشعب بصورة عامة”.

وأضافت “أم مصطفى”: “قدمت على وزراه الشؤون الاجتماعية للحصول على مبلغ قد يساعدني في المصروف، ويغنيني عن عمل ابني وإعادته إلى المدرسة، لكن الوزارة لم تساعدني، وطلبوا مني أن انتظر دوري، ولغاية اليوم أنا أحاول الحصول على أي مساعدة لكن دون جدوى”.

هكذا يملأ أطفال ونساء الشوارع طلبا للرزق، حيث ضاقت بهم سبل العيش بعد أن أصبحوا أيتاما وأرامل، فالدولة غير مهتمة لأمرهم، والجهات المعنية منشغلة بصفقات مشبوهة ومصالح شخصية.

حرب خلفت أيتاما وأرامل

وبحسب الإحصائيات الصادرة من جهات حكومية ومنظمات مختصة؛ فإن العراق شهد زيادة مخيفة في أعداد الفقراء بشكل عام، وأعداد الأرامل والمطلقات بسبب العمليات العسكرية التي شهدتها في السنوات الأخيرة، وقالت “لمى الحلفي” رئيسة لجنة المرأة والأسرة النيابية في تصريح صحفي: إن عدد الأرامل في العراق تجاوز المليوني أرملة، في ظل زيادة ظاهرة الأرامل، والعوانس والمطلقات اللواتي تجاوز عددهن الأربعة ملايين، ويعانين من الإهمال الحكومي لهن، وانتشار الفقر والعوز بينهن.

“مخاطر كثيرة تواجهها أُسَر الأرامل في حال لم يتم احتواؤها، لاسيما أن أغلبهن ترمّلن بأعمار صغيرة”

فيما  أوضحت الباحثة الاجتماعية “هدى النعيمي” لـ”وكالة يقين”، أن مخاطر كثيرة تواجهها أُسَر الأرامل في حال لم يتم احتواؤها، لاسيما أن أغلبهن ترمّلن بأعمار صغيرة، ويواجهن تحديات المجتمع والحياة، خصوصا في ظل الإهمال الحكومي، وعدم تقديم المساعدة لهم ولعائلاتهم، مما يعرضهن للابتزاز والفقر”.

وأضافت “النعيمي”: “أن نساءً تتراوح أعمارهن بين 15 و20 عامًا ترملن، وبعضهن لم يمضِ على زواجهن سوى أشهر قليلة، وأخريات أمهات لأطفال صغار، مشيرة إلى أن بعض تلك الأرامل كانت تعيش في كنف عائلة زوجها، وهي عائلات فقيرة، كما انحدرت من أُسَر فقيرة أيضًا، أو عائلات مفككة ليس بينها روابط أسرية، وهو ما يجعل منهن فريسة للابتزاز والاستغلال من قبل بعض ضعاف النفوس الذين يستغلون حاجتهن للعمل، بهدف إيجاد مصدر دخل لهن ولأطفالهن، في ظل غياب الدور الحكومي الفاعل فيما يتعلق بتوفير حياة كريمة لهن”.

حالات ابتزاز يتعرض لها الفقراء

“سناء الجبوري”- 26عاما، مات زوجها بانفجار استهدف دورية شرطة كان هو يسير بجانبها، وعادت إلى بيت والدها الفقير فاضطرت للعمل في مشغل للخياطة، وبعدها عملت في خياطة الملابس في منزلها لتتمكن من إعالة ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات، وفي حديثها لـ”وكالة يقين” تحدثت “الجبوري” عن معاناتها: “مات زوجي، فوجدت نفسي مضطرة للعودة إلى بيت والدي، حيث إخوتي الستة، وأمي، ووالدي الذي يعمل بصناعة الحلوى لدى إحدى المحلات.

“في بغداد اندلعت احتجاجات، وحرق إطارات، وهتافات منددة بدور الحكومة بتضييق الخناق على الفقراء”

وأضافت: “اضطررت للعمل في مشغل للخياطة لأعيل ابني، وأساعد والدي في مصاريف العائلة، لكنني تعرضت للابتزاز من قبل زميلة لي في المشغل، حيث عرضت علي اللجوء إلى طرق غير أخلاقية، مما اضطرها لترك العمل بسبب الضغوطات التي مارستها زميلتها عليها، وقررت البقاء في منزلها، والعمل في المنزل كخيّاطه لنساء الحي”.

وأردفت “الجبوري”: “ابني سيدخل السنة القادمة إلى المدرسة، لا أستطيع أن أحرم ابني من أي شيء يملكه زملاؤه، أسرتي لن تتخلى عني، لكن وضعهم المادي لا يسمح لهم بمساعدتي، والجهات الحكومية تخلت عني وعن ابني”.

وينتقد مراقبون القرارات الحكومية، حيث خصصت مبالغ مالية طائلة لحماية المسؤولين، وعناصر الميليشيات، وجماعات تنتمي لأحزاب متنفذة، تاركةً جيوشا من الأيتام والأرامل بلا دعم، فتحولوا إلى رقم في قوائم الانتخابات، من دون أن يحصلوا على أبسط حقوقهم.

الدولة تحارب فقراءها:

وفي بغداد اندلعت احتجاجات، وحرق إطارات، وهتافات منددة بدور الحكومة بتضييق الخناق على الفقراء، من دون توفير البديل لهم، متناسين أن العراق يعاني مشاكل أكبر بكثير من وجود البسطات في منطقة “بغداد الجديدة” أو “الكرادة” أو غيرها، حيث تظاهر أصحاب البسطات في منطقة “بغداد الجديدة” وسط العاصمة؛ بسبب إقدام قوة من عمليات بغداد على تدمير بسطاتهم وتدمير بضاعتها.

المواطن “حيدر جبار”- 24 عاما، لديه بكالوريوس آداب تاريخ، تخرج ولم يجد عملا يتناسب مع شهادته، والده المقعد وأمه المريضة وأخته التي تدرس في اللغة العربية في جامعة بغداد؛ بحاجة لمن يعيلهم ويقوم بواجبهم، عمل “حيدر” سائق تكسي في سيارة جيرانه، لكن تردي الوضع الأمني في بغداد اضطره لترك العمل الذي كان يعرضه لمشاكل كبيرة ومخاطر، وبعدها اضطر للعمل ببسطة لبيع الملابس.

“إزالة البسطات كانت تشبه الاجتياح الذي حول السوق إلى خراب

وتحدث “حيدر” لــ”وكالة يقين” قائلا: “هجمت علينا قوة تابعة لعمليات بغداد، وبدأوا بإزالة البسطات بما فيها من بضاعة، غير آبهين بثمنها، ومدى حاجة أصحاب البسطات إلى هذه المبالغ التي ينفقون بها على عوائلهم”.

وأضاف “طريقة إزالة البسطات كانت تشبه الاجتياح الذي حول السوق إلى خراب، وكأن تسونامي قد أصابه، طالبنا بتعويض عن البضاعة التي دمرت ولم يسمعنا أحد؛ لأننا خالفنا القانون بزعمهم، ومالنا من سبيل إذا كانت الدولة عاجزة عن توفير فرص عمل”.

وتابع “حيدر”، “أنا خريج جامعة، لكنني لا أملك واسطة كي أتوظف، حاولت بكل الطرق الحصول على عمل، لكن من دون جدوى، إيجارات بيوتنا غالية ولا نملك ثمنها، ما الذي نفعله؟ وكيف نعيش في ظل هذه الظروف؟”.

وهكذا تطبق الحكومة القوانين على الفقراء، وتتغاضى عنها مع أصحاب النفوذ والواسطة، فيتحول القانون إلى شيء انتقائي لا يحترمه المواطن ولا يقدس بنوده، فيلجأ -بطبيعة الحال- إلى التحايل عليه، والالتفاف على مواده، ليتمكن من العيش في بلد انتشر فيه قانون الغاب.

دور وزارة العمل

نفذت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قانون الحماية الاجتماعية عام 2015، والذي يتضمن مساعدة العوائل تحت خط الفقر، لكن الفقر لا يزال شبحا يهدد عائلات، ويحول حياتهم إلى كابوس يهربون منه بعمالة الأطفال والنساء، وانتشار ظاهرة التسول، وغيرها من الآفات التي تهدد النسيج الاجتماعي، وتنشر فيه الفساد والتخلف والجوع والظلم.

“مبالغ تخصصها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لِأُسَر تحت خط الفقر لا تكفي لدفع إيجار منزل”

وفي تصريح خصّ به “وكالة يقين”؛ أكد “نجم العقابي” معاون مدير إعلام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، أن الوزارة خصصت استمارات للراغبين بالحصول على مساعدات اجتماعية، حيث تقدم نحو أكثر من مليون أسرة للحصول على المساعدات، كاشفا عن شمول ما يقرب من 300 ألف عائلة بالمساعدات، مشيرا إلى أن هذه المساعدات تدفع كل شهرين لهذه الأُسَر بعد أن كانت تدفع لهم كل ثلاثة أشهر، مؤكدا أن الوضع الاقتصادي للبلد لا يسمح بشمول الأُسَر المتبقية، آملا حصول الوزارة على مزيد من التخصيصات لمساعدة الأُسَر المتبقية”.

وأضاف قائلا: “إن الوزارة تقوم بتكليف باحثين اجتماعيين لدراسة حالة المتقدم بالمساعدات، لمعرفة استحقاقه للحصول على المساعدات، حيث تُحَوَّل نتيجة هذه الدراسة إلى وزارة التخطيط لتقييم الحالة، وصرف المبالغ لهذه الأُسَر”.

ويؤكد “العقابي”، استلام مليون و200 ألف أسرة مستفيدين من الإعانات الاجتماعية في عموم العراق عدا إقليم كردستان، معلنا وجود خطة لدعم الأُسَر التي تضم أطفالا في سن الدراسة بمبالغ إضافية لتشجيعهم على مواصلة الدراسة.

وعن مبالغ الإعانات، تحدث “العقابي” أن المبلغ بصورة عامه هو 175 ألف دينار شهريا “145 دولارا”، لكل أسرة تحوي أربعة أفراد فما فوق، أما المرأة فتتسلم مبلغ 225 ألف دينار شهريا “نحو 190 دولارا”، في حال أن عائلتها تضم أربعة أفراد فما فوق”.

مبالغ تخصصها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لِأُسَر تحت خط الفقر لا تكفي لدفع إيجار منزل، أو العيش بصورة كريمة، بينما يتمتع النواب والمسؤولون برواتب خيالية حتى بعد خروجهم من الوظيفة، لينشأ مجتمع قائم على الطبقية، وخالٍ من العدالة الاجتماعية.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات