الثلاثاء 17 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

العراق يغص بالأطباء الجُدد ومرضاه يتسابقون للعلاج في الخارج

العراق يغص بالأطباء الجُدد ومرضاه يتسابقون للعلاج في الخارج

قسم التقارير – العراق

يشهد العراق سنويًا -ومنذ الاحتلال الأمريكي عام 2003- افتتاح أعداد متزايدة من كليات الطب الحكومية ونظيراتها الأهلية، حتى وصل العدد إلى رقم ينافس أكثر الدول المتطورة في هذا المجال، ولكن المفارقة تتمثل في إصرار المريض العراقي على السفر إلى الخارج من أجل العلاج، وهو أمر يفسره المختصون بأنه عدم ثقة بالمستوى الطبي الحالي في البلاد، خصوصًا وأن أغلب الدارسين لهذا التخصص يطمحون بالدرجة الأساس في التعيين المركزي ليس إلا.

وطيلة الفترة المحصورة بين تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 وحتى الاحتلال الأمريكي عام 2003؛ لم يشهد العراق سوى افتتاح 12 كلية حكومية لتدريس الطب موزعة بين المحافظات، ولم تسمح الحكومات المتعاقبة بتأسيس أي كلية طب أهلية، غير أن الحال اختلف بعد الاحتلال، حيث تم افتتاح أكثر من 15 كلية أهلية لتدريس الطب وطب الأسنان، فضلًا عن تدشين 5 كليات حكومية إضافية.

12 ألف طبيب سنويًا

“عائدات الكلية الأهلية من تدريس الطب لوحده؛ يكفي للإنفاق على مصاريفها، وبقية التخصصات الموجودة فيها”

وفي هذا الصدد يوضح التدريسي السابق في كلية الطب بالجامعة المستنصرية الأستاذ الدكتور “صائب حسين العلاق” بأن العراق كان يشهد تخريج أعداد معقولة من الأطباء، وتطورت هذه الأرقام في عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات، ولم تتجاوز دفعات السنة الواحدة عن 3 آلاف دكتور في أحسن الأحوال، يتجه أغلبهم للعمل في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، بينما يفضل النخبة منهم استكمال الدراسة والتخصص في التعليم الجامعي.

ويتابع “العلاق” في تصريح لــ”وكالة يقين” بأن هذه الأعداد ساهمت -والى حد معين- في تغطية حاجة العراق من التخصصات الطبية المختلفة وبكفاءة عالية، وصل صداها إلى دول العالم المتقدم، مبينًا أن أكثر من 2000 طبيب عراقي درسوا في الداخل كانت تعتمد عليهم المستشفيات البريطانية، وعدد آخر مماثل موزع على أشهر المستشفيات العالمية.

ويعرب الدكتور “العلاق” عن صدمته من الواقع الحالي في مستوى الدراسة الطبية، والأعداد التي تتخرج سنويًا، والتي يعتقد بأنها لا تقل عن 12 ألف طبيب، وربما أكثر في ظل وجود عشرات الكليات الحكومية والأهلية، مستغربًا من كيفية تدبير كوادر تدريسية لكل هذه الكليات، فضلًا عن مستشفيات تعليمية لتدريب الطلبة.

الطب الأهلي تجارة غير مسبوقة

من جهته يوضح مصدر في نقابة الأطباء العراقيين؛ أن تأسيس الكليات الحكومية الطبية الجديدة، ومنح الإجازات لافتتاح كليات مماثلة أهلية، يأتي في ظل الطلب المتزايد على هذا النوع من التخصصات الدراسية من جهة، ووجود المستثمرين من جهة أخرى، والذين سارعوا إلى إنشاء أعداد كبيرة من الكليات الأهلية التي بدأت بتخصصات إنسانية محدودة، وتحولت لاحقًا إلى العلمية، وفي مقدمتها الدراسات الطبية.

“التخصص الطبي في السابق كان من نصيب الطلبة المجتهدين وحدهم، وعلى خلاف الواقع الحالي “

المصدر الذي تحدث لــ”وكالة يقين” مشترطًا عدم ذكر اسمه؛ بين أن عدد الكليات الأهلية التي تقوم بتدريس التخصصات الطبية تجاوز الـــ15 كلية في عموم العراق، وهناك أخرى بصدد التأسيس، موضحًا أن سعر القسط السنوي لهذه الكليات لا يقل عن 12 مليون دينار لدراسة الطب، و10 ملايين لطب الأسنان، و9 ملايين للصيدلة، و 5 ملايين لتقنيات الأجهزة الطبية، و4 ملايين لدراسة التحليلات المرضية.

ويتابع المصدر أن عائدات الكلية الأهلية من تدريس الطب لوحده؛ يكفي للإنفاق على مصاريفها، وبقية التخصصات الموجودة فيها، والتي ستكون إيراداتها بمثابة الأرباح الصافية للمستثمر، ويشجع الآخرين على الاقتداء به في تأسيس المزيد من الكليات المربحة، مستدركًا بأن هذه التجارة جعلت القائمين عليها يحصلون على تسهيلات غير مسبوقة في مجال منح إجازات التأسيس، وتخفيض معدلات القبول لتشجيع الطلبة على الالتحاق بهذه الكليات.

برلماني: كليات غير مؤهلة لتخريج أطباء

ويعتقد عضو لجنة التعليم في البرلمان العراقي “عبد الهادي الحكيم”؛ أن الكليات الطبية الأهلية لا تمتلك اليوم كوادر متخصصة كافية، ولا إمكانيات حقيقية تؤهلها لتخريج أطباء بمهنية عالية، ويمكنهم مزاولة عملهم من دون أخطاء بحق المريض.

وأشار “الحكيم” في بيان صحفي أطلعت عليه “وكالة يقين”، إلى أن الكليات الطبية تختلف عن غيرها من التخصصات، بحكم حاجتها إلى إمكانيات وكوادر على مستوى عالٍ من الكفاءة، ولكون خريج هذه الكليات يتعامل مع موضوع خطر وحساس؛ وهو صحة المواطن.

وكشف البرلماني “الحكيم” عن وجود كليات طبية فتحت أبوابها، واستقبلت المتقدمين للدراسة فيها من دون علم وزارة التعليم العالي، أو توفير الضوابط والشروط الخاصة بتأسيس الكليات الأهلية، محذرًا من خطر مثل هذه الكليات على الواقع التعليمي في العراق.

التعليم العالي: شروطنا صارمة

إلى ذلك أكد المتحدث باسم وزارة التعليم العراقية الدكتور “حيدر العبودي” أن وزارتهم لديها معايير عالية وصارمة، بخصوص أي موافقة يتم منحها لمشروع استحداث الكليات الطبية، ولا تتم الموافقة أبدًا من دون تنفيذ هذه المعايير.

وقال “العبودي” في حديث لــ”وكالة يقين” أن وزارة العليم العالي لن تمنح أي موافقة لغرض استحداث الكليات الطبية قبل التأكد -وبشكل كامل- من توفير كل المستلزمات المطلوبة لافتتاح الكلية، ومنها: الكوادر العملية الرصينة، وتوفير مستشفى تعليمي مع الكلية المقترح تأسيسها؛ وذلك لغرض ضمان أن تقوم الكلية بتخريج أطباء ناجحين ومؤهلين للعمل في القطاعين الحكومي والخاص.

وأضاف الدكتور “العبودي” أن تأسيس هذه الكليات يأتي بموجب قانون التعليم العالي الأهلي، والذي أقره البرلمان العراقي، وتكون الموافقة عليها من قبل مجلس الوزراء بعد تقديم الطلب عبر وزير التعليم العالي، مبينًا أن هذه الكليات تكون خاضعة إلى إشراف وتقويم وزارة التعليم؛ بهدف المحافظة على مستوى كفاءة الأداء المطلوب.

وظيفة مضمونة ومكانة اجتماعية

وبشان الإقبال الكبير من الطلبة على دراسة الطب بِفَرعَيْة الحكومي والأهلي؛ يبين الدكتور “معاذ نزهان الجبوري” بأن هذا الأمر يعود إلى الرغبة بالحصول على الوظيفة الجاهزة المخصصة لخريجي المجموعات الطبية، ووفق نظام التعيين المركزي، منتقدًا المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، التي تعج بالأطباء الذين لا يقدم أكثرهم أي خدمة تُذْكر للمواطن؛ متعللين بغياب المواد والأجهزة اللازمة للفحص والتشخيص، فضلًا عن الأدوية.

“انعكس الواقع الحالي بشكل ايجابي على مهنة “السياحة العلاجية”، التي بدأت مكاتبها بالانتشار المتزايد في عموم المحافظات ومناطق بغداد”

وفي مثال على الحالة من واقع المشاهدات اليومية؛ فإن “الجبوري” يوضح لــ”وكالة يقين” أن مركزًا حكوميًا متخصصًا بطب الأسنان في أحد الأحياء الغربية للعاصمة بغداد يضم أكثر من 40 طبيب وطبيبة، من المفترض أنهم يقدمون العلاج للمراجعين، ولكن الحقيقة هي أنهم لا يقومون بأي عمل يُذْكَر، والعذر موجود دائمًا بأن المواد غير موجودة، مشددًا على أن هذا العدد الكبير من الأطباء استلزم تقسيم دوامهم إلى أيام محددة في الأسبوع، وهو شكل صارخ للبطالة المقنعة في المجال الطبي -بحسب تعبيره-.

ويضيف الدكتور “الجبوري”، أن التخصص الطبي في السابق كان من نصيب الطلبة المجتهدين وحدهم، وعلى خلاف الواقع الحالي الذي يمكن صاحب المال والنفوذ من إلحاق ابنه بكلية الطب الأهلية لضمان الوظيفة الجاهزة والمكانة الاجتماعية، متابعًا بأنه وفي ظل جيوش الأطباء الذين يتخرجون سنويًا في العراق؛ فإن النتائج كانت عكسية تمامًا، حيث يتسابق المرضى على طلب العلاج، وإجراء العمليات الجراحية في الخارج، أو مراجعة الأطباء الأجانب الذين يتوافدون على العراق، وفي مدن أربيل والسليمانية على وجه الخصوص.

المريض يفضل الخارج على جيوش الأطباء المحليين

وانعكس الواقع الحالي بشكل ايجابي على مهنة “السياحة العلاجية”، التي بدأت مكاتبها بالانتشار المتزايد في عموم المحافظات ومناطق بغداد، وتحديدًا في أحياء الحارثية والمنصور والكرادة، والتي تؤمن للمريض تذاكر السفر، وحجوزات المستشفيات، وخدمات التنقل والترجمة.

“لم تعد تقتصر رغبة العلاج بالخارج على المقتدرين ماديًا فقط؛ وإنما بدأ الفقراء يتدبرون أمورهم”

وبحسب “أحمد برهان المندلاوي” وهو صاحب مكتب الرحمة للخدمات العلاجية في حي الكرادة؛ فإن الهند هي الواجهة المفضلة لمعظم المرضى العراقيين الراغبين بالعلاج في الخارج؛ بسبب كفاءة الخدمات الطبية من جهة، والأسعار المناسبة من جهة أخرى، مبينًا أن تخصصات الأورام السرطانية والمفاصل والعيون هي الأكثر طلبًا من زبائنهم.

ووفقًا للأرقام التقريبية التي ذكرها “المندلاوي” لــ”وكالة يقين”؛ فإن الهند وحدها تصدر أكثر من 300 تأشيرة دخول شهريًا لمرضى عراقيين يرغبون بالعلاج في المستشفيات الهندية، بينما تتنافس على المرتبة الثانية كل من دول الأردن وتركيا وإيران، وبحسب التخصصات الطبية المشهورة في هذه الدول.

وعن معدلات الراغبين بالسفر؛ يؤكد “المندلاوي” أن الأرقام في تزايد مستمر، وواضح منذ افتتاح مكتبه قبل 5 سنوات، ولم تعد تقتصر رغبة العلاج بالخارج على المقتدرين ماديًا فقط؛ وإنما بدأ الفقراء يتدبرون أمورهم من أجل الحصول على العلاج، وإجراء العمليات في الخارج، لافتًا إلى أنه لا يوجد مريض مستعد لتسليم نفسه إلى طبيب مبتدئ، أو حاصل على شهادته بالمال، أو غيرها من الطرق الملتوية، على حد قولة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات