الجمعة 20 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

الطارمية.. تصفيات واعتقالات وتغيير ديموغرافي مستمر

الطارمية.. تصفيات واعتقالات وتغيير ديموغرافي مستمر

قسم التقارير – العراق

يُحتجز قضاء الطارمية شمالي بغداد، بين أسوار حولته إلى سجن لسكانه الذين يعانون الأمرّين بسبب الانتهاكات التي تمارسها القوات الحكومية والسياسة التعسفية التي تنتهجها الحكومات المتعاقبة تجاه سكان القضاء، والحجة دائما تتمحور حول اتهامات بوجود عناصر مسلحة تحاول العبث بأمن البلاد، في وقت لم تخلُ فيه أي مدينة عراقية من العناصر المسلحة والميليشياوية التي انتشرت بفعل غياب القانون وسيطرة الأحزاب المتنفذة المدعومة من إيران على الشارع، وامتلاكهم السلاح الذي يسلط على المدنيين، من دون أن يتهمهم أحد بالإرهاب ويمارس بحقهم الانتهاكات الواحدة تلو الأخرى.

اعتقالات عشوائية وتجريف أراضٍ

يطارد شبح الاعتقال كل شاب يعيش ضمن قضاء الطارمية، من دون وجود مبررات لاعتقاله غير أنه ينتمي لمنطقة وُضعت في خطة التغيير الديموغرافي التي تصبو إليها أطراف متنفذة في العراق، وهي ضمن مناطق حزام بغداد المستهدفة من الميليشيات ضمن خطط التغيير الديموغرافي فيها.

المواطن “نواف المشهداني” 53 عاما، تحدث لـ”وكالة يقين” حول تجربته التي وصفها بالمريرة “كنت أملك أرضا ورثتها عن والدي، هي مصدر الرزق الرئيسي لعائلتي وعائلة أخي الشهيد الذي استشهد أثناء حرب 2003، وأثناء الاجتياح الأمريكي للعراق فقدنا الدعم الحكومي لقطاع الزراعة، الأمر الذي راجع من وارداتنا، لكننا بقينا نحاول الاهتمام بأراضينا تمسكا بمهنة آبائنا، ومع تصاعد حدة الصراع بين قوات الاحتلال الأمريكي وعناصر المقاومة العراقية، عاشت مناطقنا كابوس الاعتداءات الأمريكية المتواصلة، تضمنت اعتقالات عشوائية وانتهاكات وقتل”.

وأضاف، “لم تسلم المدينة من الانتهاكات حتى بعد انسحاب قوات الاحتلال من العراق عام 2011، حيث باشرت القوات الأمنية والميليشيات التي طالما تأتي بسيارات حكومية بالقيام بانتهاكات أفسدت فرحة الأهالي بانسحاب قوات الاحتلال من العراق”.

وأردف المشهداني قائلا: “مزرعة والدي تعرضت للتجريف بعد أن تعرضت نقطة تفتيش كانت بجوارها إلى هجوم مسلح قتل فيه أربعة من عناصر القوات الحكومية التي كانت في النقطة، الأمر الذي أدى إلى اعتقال ابني الكبير وثلاثة من أبناء أخي بسبب تواجدهم في المزرعة أثناء الحادث، فيما تم تجريف المزرعة التي كانت في موسم حصادها، وبعد سنة ونصف أطلق سراح ابني وواحد من أبناء أخي، بينما بقي اثنان من أبناء أخي مجهولي المصير لغاية اللحظة، حيث تم اعتقال الجميع بشكل منفصل، ولم يتمكن أحد منهم معرفة مصيرهم حتى الآن.

مطاردة السكان خارج القضاء

لم يسلم سكان قضاء الطارمية من المضايقات والانتهاكات حتى خارج مدينتهم، حيث تعرض عدد كبير إلى الاعتقالات والمضايقات أثناء وجودهم خارج القضاء، الأمر الذي منع عددا منهم من مغادرة أسوار مدينته المحاصرة بالإجراءات التعسفية، تفاديا لتعرضه للاعتقال.

“محمد الفرّاجي” 39 عاما، صاحب محل للملابس في سوق قضاء الطارمية، تخرج من الجامعة ولم يجد فرصة عمل بسبب المحسوبية التي تعاني منها المؤسسات في العراق، فاضطر للعمل بالملابس لكسب قوت يومه وتغطية نفقات عائلته المكونة من أب مقعد وأم وزوجته وثلاثة أبناء، وأثناء توجهه إلى بغداد في إحدى المرات لجلب بضاعة لمحله، تعرض للاعتقال من قبل ميليشيات كانت ترتدي الزي الرسمي بعد أن وضعوا نقطة تفتيش وهمية في منطقة اليرموك في بغداد، حيث قامت هذه المجموعة بإيقاف سيارته وتفتيشها، وبعد إظهاره لهويته تم اقتياده إلى جهة مجهولة.

“حسام” الأخ الأكبر لـ”محمد” تحدث لـ”وكالة يقين” عن تفاصيل اختطاف أخيه أثناء توجهه إلى بغداد: “قبل سنتين ونصف توجه أخي إلى بغداد لجلب نواقص لمحله، وكان برفقته صديقه الذي تم اختطافه هو الآخر، لكن سرعان ما تم إطلاق سراحه لأنه من سكنة بغداد، وقامت عائلته بالتدخل ودفع الأموال، لكن “محمدا” اختفى تماما، حتى صديقه لا يعرف مصيره، رغم أنه تم اختطافهم سويا”.

وأردف قائلا: ” لا نعرف مصير أخي الذي تفتقده عائلته وعمله، ولم نعثر حتى على جثة له رغم بحثنا المستمر عنه في مستشفيات العاصمة، ولم يكن أخي الحالة الوحيدة في القضاء؛ بل تعرض عدد كبير من الشباب للانتهاكات والاعتقالات والإخفاء القسري، عثر على بعض منهم مقتولين واختفى البعض الاخر”.

لم يكن “محمد الفراجي” الضحية الأولى لهذه الممارسات، بل تعيش عشرات العائلات من سكان القضاء لوعة انتظار أبنائهم الذي غابوا واختفوا قسريا أثناء ذهابهم إلى عملهم داخل القضاء أو خارجه، أو أثناء اصطحاب أحد أفراد عائلتهم لتلقي العلاج خارج الطارمية، وهذه كانت قصة “حمود المشهداني” 48 عاما، حيث اختفى بعد إيقافه في إحدى السيطرات الوهمية التي نصبتها الميليشيات المسلحة، وكانت والدته وابنه معه، حيث كان يصطحب والدته المصابة بمرض السرطان لتلقي العلاج في بغداد نظرا لانعدام الخدمات الصحية في القضاء، وكانت حجة هذه الميليشيات هو التحقيق معه لوجود تشابه في الأسماء، ووعدوا والدته التي توسلت بهم بعدم اعتقاله أنه سيتناول معها العشاء في تلك الليلة، لكن والدة “حمود” بقيت تتناول العشاء وحدها لمدة خمسة أشهر، حيث توفيت قبل عام ونصف، ولم يأتِ منه أي خبر، سوى جثة وجدوها ملقاة على قارعة الطريق وسط العاصمة بغداد تحمل هويته.

“حمزة حمود المشهداني” 25 عاما، روى لـ”وكالة يقين” تفاصيل اختطاف والده، قائلا: “كنا نصطحب جدتي للعلاج في بغداد، والتي كانت مصابة بالسرطان، والقضاء يخلو من علاجها، أوقفتنا سيطرة بزي عسكري، وسيارات حكومية، أخذوا هوية والدي وطلبوا منه النزول من السيارة، بعد ذلك طلبوا منه أن يأتي برفقتهم، وحين علمت جدتي بذلك بدأت تتوسل بهم أن لا يعتقلوه، لكنهم وعدوها أنه سيعود الليلة ويتناول معها العشاء، عدنا أنا وجدتي وكنا واثقين أن والدي سوف لن يعود، كأمثاله من باقي رجال القضاء الذين تم اعتقالهم ولم يعودوا”.

أردف قائلا: “حجة تشابه الأسماء اعتدنا عليها، هي وسيله للاعتقال والإخفاء القسري، توفيت جدتي بعد خمسة أشهر من اعتقال والدي، حيث اعتبرت نفسها سببا باعتقاله، وبعد وفاتها بشهرين اتصل بنا شخص مجهول الهوية، كان يخاف أن يصرح باسمه، أخبرنا أن جثة والدي في الطب العدلي ببغداد، خفنا الذهاب لجلبها، لأنها كانت مصيدة للناس.

وأضاف، “اتصلنا بأحد الأصدقاء في بغداد والذي كان له صديق داخل الطب العدلي، دفعنا له النقود لتهريب الجثة، واصطحبناه إلى القضاء ودفناه، الجثث تباع في الطب العدلي، هناك جثث مجهولة الهوية تباع لشراء أعضائها، إذا كانت جثة جديدة، والعشرات من الأهالي اشتروا جثث أبنائهم، لأنهم يخشون الدخول إلى مبنى الطب العدلي الذي تحول إلى سوق لبيع الجثث”.

محاصرة القضاء والهجمات المتكررة عليه

وتفرض القوات الحكومية بصحبة ميليشيات أصبحت تعتبر جزءا منها، طوقا امنيا خانقا على سكان قضاء الطارمية، بحجة حماية القضاء من الهجمات المسلحة التي تطاله بين الحين والآخر، في وقت يتعرض فيه سكان هذا القضاء لشتى أشكال الانتهاكات سواء كان من القوات الأمنية أو من قبل العناصر التي تصاحبها، وما الاعتقالات القسرية التي يتعرض لها سكان هذه المدينة والمضايقات والابتزاز المادي لهم، والاختطاف، إلا دليل واضح على استهداف هذا القضاء وحرمان سكانه من العيش بأمان.

وهذا ما أكده النائب (أحمد المساري) في تصريحه لـ”وكالة يقين” بقوله: “عمليات خطف أهالي الطارمية مستمرة، جهات مجهولة تهاجم القضاء وتقوم بعمليات خطف بحق أبنائها واقتيادهم إلى جهة مجهولة أو تصفيتهم في بيوتهم، نحمّل قيادة عمليات بغداد مسؤولية حماية الأهالي في القضاء، والتحقيق بشأن هذه الممارسات وإطلاق سراح المختطفين”، مضيفا “إذا كان أحدهم يملك ملفا جنائيا فمن حق أسرته معرفة تفاصيل ذلك، وإخضاعه لتحقيقات ومحاكمة عادلة”.

من جانبه عضو مجلس النواب (أحمد المشهداني) تحدث بتصريح خص به “وكالة يقين” عن الانتهاكات التي يتعرض لها قضاء الطارمية قائلا: “نطالب من الجهات المعنية التحري بملف هذا القضاء، الذي يعاني سكانه من انتهاكات مستمرة حتى تحول إلى مدينة أشباح، القوات التي تدخل القضاء كانت بملابس رسمية وسيارات تابعة للدولة، تقوم بالاعتداء على الأهالي واعتقال الرجال”.

وكان لوجهاء المدينة شهادتهم في هذا الملف، حيث تحدثوا لـ”وكالة يقين” عن العشرات من شباب القضاء الذين تم اعتقالهم واختطافهم من داخل القضاء وفي وضح النهار، مؤكدين أن القوات المداهمة تدخل بزي رسمي وتتعرض للنساء بالشتائم والترهيب، وإطلاق الرصاص بالهواء، واعتقال الرجال على مرأى من عوائلهم، الأمر الذي ترك ردود فعل غاضبة، وآثارًا نفسية كبيرة في نفوس السكان.

وما الاعتداء الأخير الذي تعرض له القضاء من قبل عناصر مسلحة مجهولة إلا دليل واضح على استخفاف الحكومة بأمن المدينة، حيث هاجم مسلحون المدينة قبل إجراء الانتخابات النيابية بعشرة أيام، موقعين 31 ضحية بين قتيل وجريح، 14 شخصا منهم تم إعدامه ميدانيا، كانوا ينتمون لعائلة واحدة، واتهمت الحكومة “تنظيم الدولة” بقيامها بهذا الهجوم، لكنّ سكان القضاء تحدثوا عن سيارات حكومية كانت تقل المهاجمين، مرجحين أن تكون ميليشيات وليست عناصر التنظيم، كون قضاء الطارمية محاصرا بالنقاط العسكرية والقوات الحكومية.

حيث أفاد “حسين الفراجي”، أحد شيوخ عشائر قضاء الطارمية لـ”وكالة يقين” بأن “مسلحين هاجموا منطقة 14 رمضان في القضاء، وقتلوا 21 شخصًا، وأصابوا 10 أشخاص في هجوم هو الأعنف خلال السنوات القليلة الماضية”، مؤكدا أن “المهاجمين الذين لم يتجاوز عددهم الـ10 أشخاص اقتحموا المنطقة ودخلوا إلى منزل أحد المحامين في البلدة، وبعد سماع إطلاقات النار هبّ أقرباء المحامي (رحيم المرزوك) إلى بيته ليفاجؤوا بوجود مسلحين وقناص فوق المنزل.

وأضاف، أن “المسلحين أعدموا 14 شخصًا من عائلة المرزوك، بينهم المحامي وزوجته وأطفاله الثلاثة، بالإضافة إلى أشقائه وأبناء أشقائه”.

مجزرة تضاف إلى سلسلة المجازر والانتهاكات التي تطال قضاء الطارمية، وسط صمت حكومي واضح، على الرغم من المناشدات التي يطلقها سكان المدينة وعدد من المسؤولين، لكن لعنة الانتهاكات الميليشياوية بقيت مرافقة لسكان هذه المدينة المنكوبة ولا حلول تطرحها الحكومة أو الجهات الأمنية لتخفيف معاناة الأهالي أو التفكير بحمايتهم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات