الأربعاء 19 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

السلاح في العراق.. تستورده الحكومة وتستخدمه الميليشيات

السلاح في العراق.. تستورده الحكومة وتستخدمه الميليشيات

قسم التقارير – العراق

“خسرت اثنين من أقاربي، ومحلي وباب رزقي هُدِم”، كان هذا ما قاله “علي” أحد سكان مدينة الصدر، بعد انفجار الذخيرة التي كانت مخبأة في إحدى الحسينيات في المدينة في السادس من حزيران/ يونيو الجاري، يضيف “علي” في حديثه لوكالة “يقين” نخشى من حدوث انفجار آخر، الانفجار في الحسينية كان كبيرا، وكأن سيارة كبيرة مفخخة انفجرت في المنطقة، وعن التحقيق الذي وعدت حكومة العبادي بفتحه بشأن الحادثة، يضيف “علي” أن هذا الكلام للإعلام فقط، وأن المنطقة مليئة بالسلاح ولا أحد يجرؤ على التقرب منها، بحسبه.

ملف شائك في العراق شغل العراقيين منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، وما تبع ذلك من ظهور ميليشيات منفلتة وانتشار واسع للسلاح خارج إطار المؤسسات الأمنية، وكلما وقعت حادثة أمنية من اشتباكات مسلحة أو انفجار في مستودعات السلاح، يتصدر السياسيون العراقيون من مختلف مشاربهم ويطالبون بحصر السلاح بيد الدولة.

مصادر السلاح في العراق

تتنوع مصادر السلاح في العراق، الذي تعمل الحكومة على استيراده من مختلف البلدان، حيث تعد الولايات المتحدة الأمريكية أهم مورد للسلاح في العراق بعد 2003، تليها روسيا وبريطانيا وفرنسا وروسيا وإيران ودول أخرى، ويكلف ملف التسليح ميزانية العراق مليارات الدولارات في سبيل تغطية احتياجات البلاد من السلاح والذخيرة، لكن هذه الأسلحة لا تنحصر بيد القوات الحكومية فقط، بل يتسرب جزء كبير منها إلى ميليشيات عديدة تستخدمها في أعمالها الخاصة، وفي عمليات الانتقام الطائفي والابتزاز في عموم محافظات العراق.

ويقول المحلل العسكري العميد المتقاعد “فارس الصالح” في حديثه لوكالة “يقين”: إن العراق استورد كميات كبيرة من السلاح منذ عام 2003، ومن شتى الصنوف ابتداء بالطائرات ووصولا إلى بنادق الكلاشنكوف، وأن جزءا كبيرا من هذا السلاح صار بيد المليشيات الطائفية والأذرع العسكرية التابعة لأحزاب السلطة.

ويضيف قائلا: “هذه المليشيات باتت تمتلك دبابات أبرامز، ولعل السلاح الوحيد الذي لا تمتلكه بل تسخره لأجلها هو الطائرات المقاتلة والهليكوبترات فقط”، موضحا أن هذه الأسلحة باتت وبالا على العراقيين، بل إن هذه المليشيات باتت تفوق قدراتها العسكرية قوات الأمن النظامية عسكريا وتنظيميا، ولا تجرؤ أي جهة أمنية على نزع هذا السلاح أو مجرد محاولة ذلك.

واختتم المحلل العسكري حديثه لوكالتنا قائلا: “الانفجار الأخير في مدينة الصدر، والذي كان نتيجة انفجار أصابع “دينامينت” شديدة الانفجار، وحادثة استهداف مليشيا حزب الله العراقي مفرزة للقوات الحكومية في شارع فلسطين في بغداد قيل أيام، لهو خير دليل على انفلات الوضع الأمني داخل أروقة المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية”، بحسبه.

منظمات تحذر من انفلات السلاح

منظمات دولية كثيرة ودول عدة حذرت من تسرب السلاح من مستودعات القوات الحكومية إلى المليشيات الطائفية والعصابات المنظمة، منظمة العفو الدولية كشفت في تقرير لها في كانون الثاني/ يناير من العام الماضي عن مصادر ترسانة الأسلحة التي تستخدمها ميليشيات الحشد الشعبي الطائفية في العراق، وأوردت المنظمة في تقريرها أن الميليشيات التي تعمل بصورة اسمية ضمن القوات الحكومية في العراق تستخدم أسلحة من مخزون الجيش المقدمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وروسيا وإيران.

وأشارت المنظمة أن الدراسات الميدانية وتحليلات قام بها خبراء الأدلة من خلال الصور وأشرطة الفيديو، أظهرت أن هذه المليشيات قد استغلت عمليات نقل للأسلحة المستوردة، وحازت على دبابات ومدافع ميدان، وطيف واسع من الأسلحة الصغيرة وشتى أنواع الذخائر.

ويعلم القادة العسكريون عن ماهية هذه الأسلحة ومواقع تخزينها، لكن قرارا سياسيا يقف حائلا أمام التحرك بنزعها ومصادرتها، من جانبه “ن. ع” ضابط برتبة رائد في قيادة عمليات بغداد، تحدث لوكالة “يقين” عن الأسلحة المنتشرة في العاصمة بغداد وامتلاك مجموعات مسلحة وميليشيات منفلتة لأسلحة وذخائر كبيرة، حيث أشار إلى تشخيص قيادة عمليات بغداد غالبية المناطق التي تخزن فيها المليشيات سلاحها، وأن قيادة العمليات لديها مسح كامل عن مواقع انتشارها، لكن لا نستطيع التحرك مطلقا.

وأضاف الضابط -الذي رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية-، أن جميع هذه المليشيات لها ارتباطات بأحزاب سياسية فاعلة في الحكومة والبرلمان، ومهمة مصادرة هذه الأسلحة مهمة مستحيلة في ظل الوضع الراهن، مشيرا في حديثه للوكالة إلى أن قيادة عمليات بغداد كانت قد وضعت خطة قبل نحو ثلاثة أشهر لمداهمة ومصادرة أسلحة موضوعة في مستودعات في منطقة الطالبية في بغداد وتتبع مليشيا “لواء علي الأكبر”، لكن وبعد نحو يومين من وضع الخطة وردت تعليمات إلى قيادة العمليات من مستشارية رئاسة الوزراء تقضي بأوامر بمنع تنفيذ أي مداهمة لتلك المنطقة، معللين ذلك بقرب الانتخابات وعدم رغبة الحكومة في توتير الأوضاع الأمنية في العاصمة، بحسبه.

وعن كيفية وصول الأسلحة المستوردة إلى يد الميليشيات، تحدث مصدر في وزارة الدفاع في حكومة العبادي لوكالة “يقين” مشترطا عدم الكشف عن اسمه، يقول: أن مستودعات الذخيرة التابعة لوزارة الدفاع لا يمكن سحب أي قطعة سلاح منها، وأن وصول الأسلحة إلى الميليشيات غالبا ما يكون بعد توزيع الأسلحة على الفرق العسكرية والألوية، وأن السلاح الذي يصل إلى الميليشيات يسجل على أنه تالف، أو استخدم في عمليات عسكرية من قبل بعض الفرق العسكرية، بحسبه.

كما أوضح المصدر أيضا، أن طريقة أخرى تحصل من خلالها الميليشيات على السلاح من الدولة، ويتم ذلك عن طريق التلاعب بكميات السلاح المستوردة وتغيير الجرد عما هو عليه فعليا، وبذلك تكون كمية السلاح التي تصل إلى وزارة الدفاع مكتملة من دون أي نقصان، بحسب المصدر.

دعوات”حصر السلاح” تستثني الميليشيات

لا يفوت سياسيي السلطة والأحزاب الحاكمة أي فرصة في الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، ولعل أكثر من يدعو إلى ذلك هو رئيس الوزراء “حيدر العبادي” الذي لا تخلو كثير من خطاباته من الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد، ويقول المحلل السياسي العراقي “نضال الأسدي” في حديثه لوكالة “يقين”، أن جميع أحزاب السلطة والأحزاب المتنفذة تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة، من دون أن تقدم هذه الأحزاب أي بادرة تعزز من دعواتها تلك، خاصة أن غالبية هذه الأحزاب لديها مليشيات مدججة بالسلاح.

وأضاف “الأسدي” أن أكثر من يدعو إلى ذلك هو رئيس الوزراء الحالي “حيدر العبادي”، وهنا التناقض الواضح، حيث إنه أي العبادي رئيس الوزراء وأعلى سلطة تنفيذية في البلاد، وبالتالي فإن دعوته تلك تنم عن ضعف مطلق للحكومة، فالسلطة التنفيذية تباشر بالتنفيذ ولا تدعو، بحسب “الأسدي”.

تتعدد الميليشيات في العراق، ما بين مليشيا بدر التي تتبع “هادي العامري”، ومليشيا سرايا السلام التي تتبع “مقتدى الصدر”، ومليشيا عصائب أهل الحق، ومليشيا علي الأكبر، ولواء أبي الفضل العباس، والنجباء، وغيرها الكثير، هذه الميليشيات جميعها هي واجهات عسكرية لأحزاب سياسية متنفذة، الدكتور “محمود الجبوري” أستاذ العلاقات السياسية يقول في حديثه لوكالة “يقين”: “إن تصريحات زعماء الكتل السياسية عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة لا يخرج عن كونه مجرد حديث سياسي لا قيمة له، وكل هذه الأحزاب تدعم وتنظّر لتلك المليشيات متذرعة بأنها تتبع كيانا عسكريا قانونيا وهو الحشد الشعبي”.

وأضاف أن لا أمل يلوح في الأفق يفضي إلى نزع سلاح تلك المليشيات حاليا، فالحكومة ضعيفة وتحركات الجيش والقوات الحكومية مرتهنة بتلك الأحزاب التي تتبوأ مواقع المسؤولية في البلاد.

أما “عمار علي” وهو أحد مسؤولي الألوية في ميليشيا عصائب أهل الحق، يرى أنهم جزء لا يتجزأ من المنظومة العسكرية في العراق، وأنهم يتبعون “الحشد الشعبي”، وأضاف “علي” في حديثه لوكالة “يقين” أنهم ضامن للأمن في العراق وداعم أساسي للقوات الحكومية، ولولا مشاركتهم في حفظ الأمن لانهار الوضع الأمني في العراق، بحسبه.

في الشأن ذاته، أحد أبرز قيادات ميليشيا الحشد الشعبي والمنضوي في مليشيا بدر “كريم النوري”، كان قد دعا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي إلى حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء عسكرة الشارع وفرض هيبة الدولة، لكن هذه الدعوات لا تجد صداها على الأرض ولن ترى، بحسب الخبير الأمني العراقي “رياض العلي”، الذي أشار إلى أنه في حال تمكنت القوات الحكومية من نزع سلاح هذه المليشيات، فإن أحزاب السلطة لن تصمد طويلا في مواقعها.

وأضاف “العلي” في حديثه لوكالة “يقين” أن الأحزاب المتنفذة لن تسمح مطلقا بنزع سلاح الميليشيات التي تتبع لها، وأن وجود هذه الأحزاب مرتبط بوجود أذرعها العسكرية، كما أشار إلى أن فوضى السلاح في البلاد لا تقف عند المليشيات فقط، بل يمتد كذلك إلى ظاهرة امتلاك العشائر للسلاح المتوسط والثقيل خاصة في مناطق جنوب العراق، الذي يشهد بين الفينة والأخرى اندلاع اشتباكات عنيفة بين العشائر تستخدم فيها قذائف الهاون والرشاشات الثقيلة.

دعوات الكتل السياسية حصر السلاح بيد الدولة، والتي تقابلها تصريحات أخرى من الكتل ذاتها ترفض حل مليشيات الحشد الشعبي، تطرح عدة تساؤلات عن الغاية من هذه التصريحات المتناقضة، وفي هذا الشأن تحدثت وكالة “يقين” مع أستاذ العلوم السياسية وتحليل الخطابات الدكتور “قاسم صميم”، والذي يقيم في العاصمة الأردنية عمّان، حيث أشار إلى أن هذه الدعوات والدعوات المناقضة لها ما هي إلا “بروبوغاندا” سياسية تستخدمها الكتل في محاولة منها للتملص من المسؤولية الأمنية التي تقع على عاتقها نتيجة امتلاكها أذرعا عسكرية.

وأضاف، أن دعوات حصر السلاح غالبا ما تكون بعد أحداث أمنية سببها الميليشيات، وأن الدعوات الأخرى المناقضة التي ترفض المساس بميليشيا الحشد الشعبي غالبا ما تظهر بعد نشر تقارير دولية تشير إلى انفلات السلاح ووصوله إلى المليشيات، بحسبه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات