الأربعاء 24 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

تظاهرات جنوب العراق.. هل ستعيد القوات الحكومية سيناريو القمع؟

تظاهرات جنوب العراق.. هل ستعيد القوات الحكومية سيناريو القمع؟

 قسم التقارير – البصرة، المثنى

عزل كامل، وقطع لكافة الاتصالات، من انترنت وشبكات هاتف أرضي ومحمول، إنه جنوب العراق، فبعد نحو أسبوعين على بدء المظاهرات الشعبية المطالبة بتوفير فرص العمل والخدمات والبُنى التحتية، تصاعدت وتيرة المظاهرات في محافظات جنوب العراق لتأخذ بعدا آخر وهو البعد الأمني، إذ سقط عدة قتلى وجرحى يوم الأحد 15 تموز “يوليو” في كل من مدينة البصرة والسماوة وذي قار وميسان، في وضع يستدعي الذاكرة القريبة للعراقيين، عندما استخدمت القوات الحكومية القمع الممنهج ضد سكان المحافظات المنتفضة في كل من الأنبار والموصل وصلاح الدين وديالى، وليطرح تساؤل عن إمكانية تكرار القوات الحكومية ذات السيناريو الدموي.

الحكومة تعزل الجنوب عن العالم الخارجي

وسط تكتيم إعلامي كبير، وقطع كافة شبكات الهاتف المحمول والأرضي، وقطع خدمة الانترنت بصورة تامة عن محافظات وسط وجنوب العراق، يشتعل الجنوب العراقي بمظاهرات دامية مع سقوط عدة قتلى وعشرات الجرحى، الناشط “مهدي الحسيني” وهو أحد المتظاهرين الذين شاركوا خلال الأيام الماضية في مظاهرات مدينة الناصرية، يقول في حديثه لوكالة “يقين” بعد أن استطاع الوصول إلى العاصمة بغداد هربا من الملاحقة الأمنية: إن الوضع في الجنوب مشتعل، وإن المظاهرات اشتدت خلال الـ48 ساعة الماضية، وإن القوات الحكومية بدأت تستخدم القوة القاتلة في ملاحقة ومطاردة المتظاهرين، وإن المصابين الذين سقطوا خلال الايام الماضية خلال التظاهرات اعتُقِلوا من داخل المستشفيات، وأضاف “الحسيني”، أن جميع وسائل التواصل باتت مقطوعة عن مدن جنوب العراق، فلا هواتف أرضية ولا محمولة ولا انترنت، وأن ما يخرج من أخبار من المدن هي لناشطين يمتلكون هواتف تعمل عبر الاقمار الصناعية “الثريا” وهي قليلة جدا.

وأضاف، أن القوات الحكومية منعت الصحفيين منذ أربعة أيام من تغطية أي مظاهرة، وبالتالي فإن المتابع من خارج هذه المدن يظن أن المظاهرات قد خفت وتيرتها، لكن ما يجري هو العكس تماما، بحسبه.

“استخدمت القوات الأمنية الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع لتفريقهم”

عشرات القتلى والجرحى وتعزيزات عسكرية

شحة في الأخبار الواردة إلى وسائل الاعلام، والتي تتعلق بما يحدث في محافظات الجنوب العراقي، لكن ما هو مؤكد أن الـ48 ساعة الماضية شهدت سقوط قتلى وجرحى، مصدر في وزارة الداخلية العراقية في بغداد اشترط عدم الافصاح عن اسمه ومنصبه مقابل الحديث لوكالة “يقين”، يقول: إن ثلاثة متظاهرين لقوا مصرعهم في محافظة المثنى، وتحديدا في مدينة السماوة، فضلا عن متظاهرين اثنين في البصرة، مع إصابة ما لا يقل عن عشرين متظاهرا بالرصاص، عندما حاول متظاهرون اقتحام مبنى محافظة المثنى في مدينة السماوة.

وأضاف المصدر، أن القوات الحكومية أطلقت النار على المتظاهرين يوم الأحد 15 تموز “يوليو”، رد فعل بعد تعرضها لإطلاق نار من جهة المتظاهرين، وأشار المصدر إلى أن الوضع في السماوة متوتر للغاية، وأن إطلاقات نارية تُسمع في مدينة السماوة حتى ساعة إعداد هذا التقرير، بحسب المصدر.

وعن مدينة البصرة وآخر الأحداث الأمنية فيها، أضاف المصدر لوكالتنا: “مدينة البصرة تعد الاكثر اضطرابا من غيرها مع مظاهرات عدة شملت مختلف مدن البصرة، متظاهرون حاولوا اقتحام مبنى المحافظة، واستخدمت القوات الأمنية الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع لتفريقهم، ما أدى إلى إصابة خمسة متظاهرين، ومقتل آخر”، وكشف المصدر أن المتظاهرين أغلقوا الطرق المؤدية إلى ميناء أم قصر، كما أنهم حاولوا اقتحام حقل الزبير النفطي، بحسبه.

التصعيد الأمني تجاه المتظاهرين ليس في البصرة والسماوة وحدها، فمدينة الناصرية التي تعاني من شح كبير في مياه الشرب، جرح فيها أكثر من 15 متظاهرا، وعدد من أفراد القوات الحكومية بعد اشتباكات دامية بين الطرفين، بحسب الصحفي من مدينة الناصرية “ثائر عبد” الذي تحدث لوكالة “يقين” عقب وصوله إلى العاصمة بغداد.

سيناريو القمع .. هل سيتكرر

وتشير الأحداث المتسارعة في جنوب العراق إلى أن الأحداث تتجه نحو القمع الحكومي للمتظاهرين، وأن المتظاهرين هذه المرة لن يعودوا عن مطالبهم ما لم تتحقق، يقول الصحفي العراقي “عثمان المختار” في حديثه لوكالة “يقين”: إن استراتيجية الحكومة حاليا تتلخص في التعامل مع الاحتجاجات من خلال عدة إجراءات، أبرزها: قطع الاتصالات بالكامل، وتشمل الانترنت والهاتف الجوال ومنع التصوير من قبل الصحافيين والناشطين، وإيقاف ترخيص بعض القنوات المحلية، وتقييد حركة المحطات الأجنبية العاملة بالعراق، إضافة إلى الدفع بقوات كبيرة من الجيش والشرطة وتشكيلات أمنية أخرى، وإغلاق المناطق المهمة والحساسة بالمدن.

وأضاف “المختار”: “أعتقد أن خطة الحكومة لاحتواء الجنوب تسير وفق مسارين اثنين، الأول: المزيد من القرارات الإصلاحية، كتحسين الخدمات، وتخصيص أموال لتنمية البُنى التحتية، واقالة المتهمين بالفساد، وتغييرات على مستوى القيادات الأمنية، إضافة إلى خطة واسعة لتوظيف عشرات الآلاف من العاطلين هذا العام، أما المسار الثاني، فهو: التعويل على الوقت، بمعنى أن المظاهرات ستخف وتتلاشى بمرور الأيام، مع استمرار قطع الاتصالات”، بحسبه.

“المواجهات المسلحة بين الجانبين ما زالت مستبعدة”

وبشأن احتمالية اتساع المظاهرات إلى مواجهات مسلحة مع القوات الحكومية، أضاف “المختار” أن عقد الآمال على اتساع الحراك وتحوله إلى انتفاضة غير صحيح، كما أن التقليل من شأن ما يجري غير صحيح أيضا، مضيفا أن الساعات الـ48 المقبلة ستكون حاسمة في توضيح الصورة بشكل أفضل.

واختتم الصحفي العراقي حديثه لوكالتنا بالقول: إن المواجهات المسلحة بين الجانبين ما زالت مستبعدة، وإن حدثت فستكون محدودة وقصيرة، بفعل المراجع الدينية وإيران التي ستفعل جهدها في محاولة عدم خروج الاوضاع عن السيطرة، بحسبه.

خبير أمني: الحكومة تُصعِّد

مع تواتر الأخبار عن تعزيزات أمنية كبيرة بدأت تتجه إلى مدن جنوب العراق، يبدو أن الحكومة تخشى مما هو أكبر من المظاهرات، الخبير الأمني والضابط في الجيش العراقي السابق “حسين الكلاك”، يقول في حديثه لوكالة “يقين”: إن الوضع الأمني في جنوب العراق مرتبك جدا، وإن الحكومة تكاد تكون حتى اللحظة عاجزة عن التصرف.

“مناطق جنوب العراق مليئة بالسلاح، وأن تسليح العشائر يعادل تسليح قوات وزارة الداخلية”

وأضاف، أن الحكومة إن امتنعت عن صد المتظاهرين، فإن بعضهم سيصل لكل مفاصل ودوائر الدولة ويحرقونها، وقد يقتحمون الشركات النفطية والموانئ، وبالتالي ستكون هذه المدن بحكم الساقطة عسكريا، ومن ناحية أخرى، إن اندفعت القوات الحكومية في صد هؤلاء المتظاهرين، فإن ذلك سيؤدي إلى بدء نزاع مسلح بين الجانبين سيتطور سريعا، خاصة أن مناطق جنوب العراق مليئة بالسلاح، وأن تسليح العشائر يعادل تسليح قوات وزارة الداخلية، إن لم يكن أكبر منها، بحسب “الكلاك”.

وعن توجيه تعزيزات عسكرية كبيرة إلى مدن جنوب العراق، يقول: إن هذه التعزيزات غايتها عدم خروج الأوضاع عن السيطرة، خاصة أن القوات التي أُرسِلَت هي وحدات من القوات الخاصة، وفوجان من قوات جهاز مكافحة الارهاب، وهذه القوات أفضل من غيرها من حيث الالتزام والامتثال لأوامر قادتها، بحسبه.

واختتم الخبير الأمني حديثه لوكالتنا، أن تكرار سيناريو تعامل القوات الحكومية مع المتظاهرين على النحو الذي حصل في المحافظات المنتفضة في الأنبار ونينوى صلاح الدين ليس مستبعدا، خاصة إذا ما علمنا أن الطبقة السياسية الحاكمة لا يهمها الشعب، سواء كان من مذهبها أم لا، بقدر اهتمامها بالمنافع والعمولات التي تحصل عليها من المناصب التي تتبوأ، بحسب “الكلاك”.

سكوت أمريكي.. وكل شيء وارد

الأوضاع الاستراتيجية والأمنية في العراق، والتي تلت سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية عام 2014 على محافظات شمال العراق، تختلف كليا عن الاوضاع التي سبقتها، بحسب المحلل الأمني العراقي “مؤيد العبيدي”، الذي تحدث لوكالة “يقين” ما مفاده أن الولايات المتحدة وقواتها باتت منتشرة في مناطق شمال العراق على النحو الذي كانت عليه بُعيد الاحتلال، وأشار “العبيدي” إلى أن جميع القواعد العسكرية الأمريكية متمركزة بشكل كامل في المحافظات السنية المنتفضة، مع نقطة تسجل لصالح الولايات المتحدة، وهي تَقَبُّل السُنّةِ لهذا الوجود الجديد بديلا عن الوجود الايراني.

“في حالة اندلاع انتفاضة مسلحة في الجنوب، فإن هذه المليشيات  ستشهد اقتتالا داخليا”

وأضاف إلى أن الولايات المتحدة وبسماحها للأذرع الإيرانية التغلغل في مفاصل الدولة طيلة السنوات الماضية، وغض النظر عن تشكيل أكثر من خمسين فصيلا عسكريا شيعيا، قد تستغله الولايات المتحدة في الحد من هذه الجماعات والقضاء عليها مستقبلا، في حال عمت الفوضى مناطق جنوب العراق، موضحا أن وجود آلاف الجنود الأمريكيين في محافظات الموصل وصلاح الدين والأنبار بقواعد عسكرية كبيرة، يشكل ضامنا لجهة عدم انتشار الفوضى في هذه المناطق مرة أخرى، في حال تدهورت الأوضاع في الجنوب العراقي، وأنه في حالة اندلاع انتفاضة مسلحة في الجنوب، فإن هذه المليشيات الشيعية التي تتبع أجندات متباينة ستشهد اقتتالا داخليا فيما بينها في سبيل السيطرة على الموارد والسلاح، ما يشكل فرصة مواتية للأمريكيين في الحد من النفوذ الايراني قُبَيل بدء تطبيق العقوبات الأمريكية القاسية على إيران، والتي ستدخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني “نوفمبر” المقبل.

وعن احتمالية نشوب الفوضى في العاصمة بغداد؛ اختتم المحلل الأمني حديثه لوكالتنا بالقول: “لا أعتقد أن بغداد ستشهد اضطرابات أمنية كبيرة، وأن الولايات المتحدة لن تسمح مطلقا بسقوط العاصمة وانتشار الغوغاء فيها، وذلك إن حصل، فيعني عودة الولايات المتحدة إلى المربع الاول، وهذا ما لا طاقة لها به الآن”، بحسبه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات