الأربعاء 17 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

العراق.. إيران تسعى لترسيخ الواقع الطائفي في التحالفات السياسية

العراق.. إيران تسعى لترسيخ الواقع الطائفي في التحالفات السياسية

قسم التقارير – العراق

بعد أشهر من الوعود التي أطلقها المرشحون في الانتخابات النيابية، وإصرار معلن على تشكيل حكومة عابرة للطائفية، عادت الطائفية لتطغى على المشهد السياسي وتجلب معها حقبة جديدة من التصدعات داخل المجتمع الذي حولته الطائفية إلى ساحة صراعات فكرية واثنية، أدت إلى اقتتال دام سنوات.

إيران لاعب أساسي في تشكيل التحالفات

وكانت “إيران” وما تزال هي اللاعب الأساسي في تغذية الطائفية وزرعها في العراق، وها هي يدها اليوم تتدخل بشكل سافر لتشارك في صنع قرار “عراقي” مستورد لم تكن لأطراف العملية السياسية في العراق يد طولى أو كلمة مسموعة فيه، وما التحالفات بين رئيس الوزراء “حيدر العبادي” وزعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” من جهة، وتحالف الصدر مع هادي العامري من جهة اخرى، إلا دليل على هذه التدخلات التي توضح طبخة سياسية سرية تُطبَخ في طهران، تدس سم الطائفية في عسل الإصلاح الذي يدّعيه رموز السلطة في العراق.

“كانت “إيران” وما تزال هي اللاعب الأساسي في تغذية الطائفية وزرعها في العراق”

وما شعارات كتلة “سائرون” بإنشاء كُتَل برلمانية عابرة للطائفية إلا حبرًا على ورق الانتخابات التي شهدت تزويرا وتلاعبا واضحا، حيث عاد البيت الشيعي ليجمع قواه بتكتلات طائفية بحته، في وقت رعت إيران وجود تكتلات سنية تجمع أبناء الطائفة الواحدة لمنع الاندماج السني الشيعي، الذي يهدد في طبيعة الحال المصالح الايرانية في العراق، المتمثلة بتصدير الثورة وإنشاء الهلال الشيعي الذي حذرت منه تقارير غربية كثيرة.

وبحسب مراقبين فإن تحركات “قاسم سليماني” ما بعد الانتخابات، وفي فترة تشكيل التحالفات آتت أُكلها، وأثمرت في إرغام “مقتدى الصدر” الداعم لتحالف “سائرون” على التحالف مع “هادي العامري” زعيم قائمة الفتح، وبعدها تحالف “الصدر” مع “حيدر العبادي” رئيس الوزراء وزعيم ائتلاف النصر، والذي لم يجد نفسه إلا وهو يستجدي التحالف مع “الصدر” و”الفتح” ليجد له مكانا في الحكومة القادمة.

ضعف الدور العربي الإقليمي

وبعد عام 2003 ساهمت القوى الاقليمية وعلى رأسها إيران، والعالمية وعلى رأسها أمريكا في تعزيز الاقتتال الداخلي والصراع في العراق، وكان المستفيد الأكبر هو إيران لأن خراب العراق يخدم مصالحها من جهة؛ ويمثل ورقة ضغط وابتزاز على القوى الاقليمية والعالمية التي تتصارع معها منذ عقود من جهة أخرى، وانعكس ذلك بطبيعة الحال على الانتخابات العراقية التي شهدت تجاذبات بين القوى المتصارعة التي تحاول كل منها استمالة الكفة إليها.

“أصبح التنافس الحقيقي في هذه الانتخابات بين إيران والولايات المتحدة”

لكنّ انتخابات 2018 كان لها مشهد خاص، حيث غاب الدور العربي فيها، واكتفت الدول الاقليمية المتصارعة مع إيران بتسليم راية الصراع إلى أمريكا، لتكون واشنطن في مواجهة طهران، هذا ما أكده الخبير في شؤون الشرق الاوسط “محيي الدين جواد” لـ”وكالة يقين” بقوله: “هناك نوع من الاستسلام أو الفتور العربي في انتخابات 2018 بالعراق، على العكس من موقف إيران التي قاتلت سياسيا وإعلاميا وماليا لإنجاح القوى الموالية لها داخل العراق للسيطرة على نتائج هذه الانتخابات، باعتبار أن العراق يمثل الدرع الخلفي للأمن، وللمصالح القومية، وللمشروع الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط”.

وأضاف قائلا: “أما الدول العربية المعنية بالشأن العراقي -خاصة الخليجية منها- وإن كانت قد حاولت الانتصار لقوى عراقية ترى أنها موالية لها، سواء كانت من العرب السُنة أو من الأكراد؛ فإنها تركت أمر التنافس الانتخابي مع إيران في العراق للولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم أصبح التنافس الحقيقي في هذه الانتخابات بين إيران والولايات المتحدة، وليس بين إيران والدول العربية، وربما يرجع ذلك إلى تصاعد الخلافات بين الدول العربية في الآونة الأخيرة، وبالذات في سوريا، والأزمة الخليجية مع قطر”.

وتابع “جواد” في حديثه للوكالة، “تتأكد هاتان الحقيقتان فيما ورد بالبيان الصادر عن اجتماع لوزراء الخارجية العرب في ديسمبر 2017، وتضمن “التصدي للتدخلات الإيرانية في الدول العربية وتقويضها للأمن والسلم العربي”، لكنه حصر هذا التصدي في ساحات ثلاث بعينها: اليمن، “حيث تدعم إيران الحوثيين“، ولبنان، “حيث تتحالف إيران مع حزب الله”، والبحرين، “حيث تدعم إيران قوى المعارضة الشيعية للنظام”، وغابت سوريا والعراق، حيث تتأكد عندها -وبالذات في الأشهر الأخيرة- هامشية الدور العربي، بقدر ما تتأكد قوة الوجود والنفوذ الإيراني في الأزمة السورية وفي التطورات العراقية”.

ولفت الخبير في شؤون الشرق الاوسط خلال حديثه، أن “إيران لعبت دورا قويا في الحرب ضد تنظيم الدولة في العراق، من خلال ميليشيات الحشد الشعبي التي تدعمها طهران، إلى جانب الجيش الحكومي في العراق والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وحيث تقاتل إيران إلى جانب الجيش السوري بالتحالف مع روسيا، هذا ما منحها قوة سيطرت بها على الارض، ومكنتها من تنفيذ خطط التغيير الديموغرافي في العراق، الذي كانت تطمح له منذ سنوات”، بحسبه.

تحالف الأضداد

في ضوء تلك المعطيات طغت على الساحة العراقية تحالفات أنتجتها لقاءات مستمرة في أعقاب الانتخابات النيابية، عرفت بتناقضها مع المواقف السياسية لبعض القوى، حيث أذابت هذه التحالفات الجليد عن علاقة زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” برئيس الوزراء السابق “نوري المالكي”، والذي قام باعتقال عشرات القيادات من التيار الصدري أثناء توليه منصب رئاسة الوزراء، وحارب ميليشيا “جيش المهدي” التابعة للصدر، والتي تحولت بعدها لاسم “سرايا السلام”، الأمر الذي خلق عداوة كبيرة بين الغريمين “الصدر” و”المالكي”، وكان عرَّاب هذا المشروع التصالحي الأمين العام لميليشيا بدر وقائد ميليشيا الحشد الشعبي “هادي العامري”، الذي يقود تحالف “الفتح” الذي تحالف مع كتلة “سائرون” المدعومة من “الصدر” بعد الانتخابات النيابية، ولم يكن “العبادي” الذي يقود قائمة النصر بعيدا عن هذا، حيث اتجه بدوره للتحالف مع “الصدر” لتكوين الكتلة الأكبر داخل قبة البرلمان.

“التحالفات التي ترعاها إيران، تأخذ شكلا إصلاحيا في الظاهر، وأبعادا طائفية في الباطن”

كان هذا في وقت تقف فيه الكتل السياسية السنية بعيدا عن مسلسل التحالفات التي ترعاها إيران، والتي تأخذ شكلا إصلاحيا في الظاهر، وأبعادا طائفية في الباطن، وكان لـ”وكالة يقين” لقاء خاص مع الأستاذ في العلوم السياسية والمحلل السياسي “معاذ الشمري”، تحدث فيه عن التناقضات والأسباب الخفية لمثل هذه التحالفات: “كان الصدر في وقت سابق قد عارض تحالف العبادي، مع مليشيات “الحشد الشعبي”، معتبرا إيّاه تحالفًا “طائفيًا بغيضًا”، وتمهيدًا لعودة الفاسدين إلى السلطة ورفض الانضمام إليه، معبرا عن رفضه هذا بتعزية وجهها إلى الشعب العراقي بعودة الذين وصفهم بالفاسدين والطائفيين، الذين دمروا البلاد، معتبرا هذه الخطوة خيانة للدماء العراقية والتضحيات التي قدمت للقضاء على الفساد، لكن الإصلاح الذي كان يدعو إليه الصدر، والخوف من عودة الفاسدين لم يطبق على التحالفات التي قام بها بعد الانتخابات”.

ولفت “الشمري”، إلى أن “تحالف الصدر مع العامري دفع العبادي إلى الانضمام إلى هذا التحالف فيما بعد، ربما بسبب ضغوطات مارستها إيران عليه، وربما لشعوره بالتهميش والعزلة، وخصوصا بعد طرح اسم نوري المالكي لولاية جديدة لرئاسة الوزراء، ومحاولات العامري الاصلاح بين التيار الصدري وبين المالكي، وأدت هذه التحالفات إلى إقصاء الدور السني في الحياة السياسية الجديدة، الأمر الذي يصب في مصلحة إيران، ويعزز دورها في العراق، كل هذا يتم تحت العباءة الأمريكية وضمن اتفاقيات سرية أمريكية إيرانية، غابت عنها مصالح العراق، وطغت عليها المصالح الاقليمية والدولية”.

وتابع المحلل السياسي في حديثه، قائلا: “وما الشرط الذي وضعه الصدر على العبادي بالاستقالة من حزب الدعوة، مقابل تسلمه ولاية ثانية لرئاسة الوزراء، إلا ورقة تضع العبادي في خيار صعب بين التخلي عن الحزب الذي دخل من خلاله إلى الحياة السياسية، والذي يعتبر من كبار قياداته، وبين التخلي عن منصب رئاسة الوزراء، الذي يرى مراقبون أنه نجح في قيادة البلاد أثناء توليه للمنصب، الأمر الذي سيفقده وجوده السياسي بعد انتهاء ولايته، أي بعد أربعة أعوام”.

إجبار الكتل السنية على التخندق

لم يكن للكتل السنية دور يُذكَر في التحالفات السياسية التي أفرزتها فترة ما بعد الانتخابات، الأمر الذي قد يعيد هذه الطائفة إلى مرحلة التهميش والإقصاء التي عانتها طوال السنوات السابقة، والتي أدت إلى خسارة كبيرة منيت بها هذه الطائفة بالأرواح والأموال، وحتى خسارة مدن بأكملها، هذا ما سعت إليه طهران طوال الأشهر التي سبقت الانتخابات، وما حصدت ثماره بعد الانتخابات بتزوير وتلاعب في النتائج, وتحالفات جاءت على هوى إيران تصب بمصلحتها، ورغم الطروحات التي أعلنتها الكتل السنية حول تشكيل حكومة تعددية عابرة للطائفية، وإنشاء تحالفات مشتركة تمتاز بالتعددية للتغلب على فترة الطائفية التي أوصلت البلاد إلى نقطة حرجة، إلا أن الكتل السنية وجدت نفسها خارج اللعبة والسياق العراقي إن لم تتكتل في تحالف يوحدها، الأمر الذي يضرب موضوع مناداتها بالوطنية والحكومة التعددية العابرة للطائفية.

“ليس من مصلحة إيران أبدا تشكيل حكومة عابرة للطائفية في العراق”

 وهذا بالضبط ما تريده إيران، فبعد أن استطاعت توحيد البيت الشيعي وتحالفاته؛ توجهت لتأسيس البيت السني ترسيخا لمبدأ المحاصصة والطائفية في العراق، حيث دفعت إيران الكتل السنية بصورة غير مباشرة، وأجبرتها من خلال فرض الأمر الواقع على تشكيل تحالف “المحور الوطني”، هذا ما أكده لـ”وكالة يقين” مصدر من داخل تحالف “القرار العراقي” رفض الكشف عن اسمه، والذي أوضح أنه “ليس من مصلحة إيران أبدا تشكيل حكومة عابرة للطائفية في العراق، وتنادي بالوحدة، وتذويب التخندقات الطائفية، وعندما وجدت طهران توجها وطنيا عابرا للطائفية -في التصريحات والبيانات على الأقل- من قبل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر؛ سارعت إلى ليّ ذراعه وتهديده بعدم دعمه وتركه يواجه مصيره من دون دعم أو إسناد، وأجبره هذا الواقع للتحالف مع هادي العامري زعيم تحالف الفتح، ثم لحقهم حيدر العبادي “.

وتابع المصدر، “إزاء تلك التطورات وجد السنة أنهم وحيدون ومهمشون، فالصدر الذي صدع رؤوسهم بالتحالف ونبذ الطائفية عبر تغريداته الرنانة على تويتر، ها هو يخونهم ويخلف وعوده التي قطعها معهم سرا أو علانية، وبهذا تكون طهران قد ألجأت الكتل السنية بشكل غير مباشر للتكتل الطائفي والائتلاف في تحالف “المحور الوطني”، والذي يضم أكثر من 45 نائبا برلمانيا، ويترأسه خميس الخنجر، ويحوي قيادات سنية كبيرة، كأسامة النجيفي وجمال الكربولي وسليم الجبوري”.

“التدخل الايراني في العراق يصب بمصلحة واشنطن”

من جهته يرى الباحث في الشأن العراقي “محمد جواد”، أن “التكتلات الشيعية أثارت قلقا كبيرا لدى الاوساط السنية، وقد تعيد العراق إلى فترة الطائفية، وتعلم الكتل السنية أن إيران هي اللاعب الاساسي في التحالفات الشيعية، ولكنهم تغافلوا الدور الامريكي في هذه اللعبة، التي تعزز الدور الامريكي في العراق، وتخلق البيئة الحاضنة لعودة الوجود الامريكي فيه، مما قد يعيد للأذهان سيناريو الدبابات الامريكية، التي كانت تنتشر في شوارع المدن العراقية بحجة القضاء على الإرهاب”.

وأضاف “جواد” في حديثة لــ”وكالة يقين”، أن “التدخل الايراني في العراق يصب بمصلحة واشنطن، فوجود إيران داخل العراق يعزز الإرهاب فيه، الأمر الذي يعطي لواشنطن الحجة القوية للتدخل في شؤون البلاد ونشر قواتها فيه، وأن إيران حتى لو رفعت يدها عن العراق إزاء الضغط الأمريكي؛ فإن ذيولها موجودون داخل العراق ويملكون القرار فيه، وما التزوير والتلاعب في نتائج الانتخابات إلا دليل قاطع على عجز الدولة بالوقوف بوجه التدخلات الإيرانية في العراق”.

من خلال ذلك يتوضح أن ما كانت تنادي به الكتل الشيعية وقياداتها، وعلى رأسهم “الصدر” و”العبادي” من الابتعاد عن الطائفية وتأسيس دولة مدنية، أو ما كانت تنادي به الكتل السنية من نبذ الطائفية والمحاصصة؛ ما هو إلا خطاب إعلامي استعطافي، وحتى لو كانوا صادقين في نواياهم وجادين في التأسيس للمواطنة الحقيقية، فإن إيران قالت كلمتها في التحالفات، وتحقق هدفها -حتى الآن- في ترسيخ مبدأ الطائفية في العراق.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات