السبت 20 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمات الاقتصاد العراقي »

كيف اتفقت طهران مع بغداد لمواجهة العقوبات الامريكية؟

كيف اتفقت طهران مع بغداد لمواجهة العقوبات الامريكية؟

قسم التقارير – بغداد

تحاول إيران بشتى الطرق التخفيف عن كاهلها، ونفض ما تتحمله من أعباء داخلية وخارجية جراء العقوبات الأمريكية التي فرضت عليها، تزامنا مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع طهران، وأثّر ذلك على عملتها وعلاقاتها الاقتصادية وتصديرها للنفط الذي انخفض إلى مستويات كبيرة.

فضلا عما تعانيه طهران من احتجاجات وانتفاضات شعبية بين الفينة والأخرى تقوض أمنها وتهدد استقرارها، كان آخرها نهاية شهر حزيران المنصرم عندما أعلن آلاف التجار الإضراب والنزول إلى الشارع احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية، بعدما طال ترنّح العملة الوطنية أمام الدولار، وما يترتب عليه ذلك من اهتزازات تصيب قلب الاقتصاد الإيراني ومحدّدات استقراره.

إيران تستنجد الدول لإنقاذها

ومع إعلان واشنطن انسحابها من الاتفاق النووي وتطبيقها عقوبات على طهران، سارعت الأخيرة للتخفيف عن أزمتها والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه، لاسيما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، حيث أعدّ مركز البحوث التابع لمجلس الشورى “البرلمان” الإيراني خطة لمواجهة تلك العقوبات، وأفادت وكالة “مهر” للأنباء بأن الخطة عنوانها “برامج فاعلة ضد العقوبات”، أعدّها المركز بالتعاون مع خبراء واختصاصيين وأساتذة جامعيين، مشيرة إلى عرضها على النواب ورؤساء السلطات الثلاث لدراستها.

وأضافت، أن الخطة تستهدف “تعزيز الاقتصاد الإيراني، وتشمل المصارف، والعملة، وإدارة السيولة المالية، والبضائع الاستراتيجية، والطاقة، والتجارة، والثقافة، والاجتماع، والإعلام، والبُنية التحتية، والملفات الحقوقية”.

من جهته أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني “ولي الله سيف” إبرام اتفاقيات نقدية مع العراق وروسيا وأذربيجان وتركيا، للتعامل بالعملات الوطنية، وإقصاء الدولار عن التجارة المتبادلة، مما يمثل تحديا للعقوبات الأميركية على طهران.

وقال “ولي” في تصريح صحفي: إن “البنك المركزي الإيراني على دراية بالاتفاق النقدي الثنائي متعدد الأطراف، وهذا النوع من الاتفاق عقد من قبل مع دول عدة”، مبينا أن “تفعيل الاتفاق النقدي بين إيران وتركيا للتعامل بالريال والليرة، وفتح عدة اعتمادات مصرفية في هذا الإطار”.

نفط العراق يتدفق إلى إيران

يمثل النفط في إيران عمودا رئيسا لاقتصادها، والتأثير عليه يشكل تهديدا حقيقيا لمكانتها الاقتصادية داخليا وخارجيا ويهدد استقرارها وديمومة استمرارها، وفي ظل ترنح طهران بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي؛ فإن انخفاض انتاج إيران للنفط وتأرجح أسعاره يؤدي إلى مسك لإيران من يدها التي تؤلمها، والضغط على ذلك الوجع يؤدي لتفاقم الأزمة بشكل مباشر، ولهذا رفع الرئيس الإيراني “حسن روحاني” سقف التحذيرات بالقول: إنه “في حال عدم تمكن بلاده من تصدير نفطها، فإن الآخرين في المنطقة لن يكون بمقدورهم فعل ذلك أيضا”، مشيرا بذلك إلى إمكانية إغلاق مضيق “هرمز” أمام الصادرات النفطية الخليجية.

في السياق ذاته أكد وزير النفط العراقي “جبار اللعيبي” في تصريح صحفي: إن “العقوبات الأمريكية على إيران لن تؤثر على الاتفاق معها لمبادلة النفط الخام، مبينا أن الخام الذي يجري شحنه لإيران حتى الآن يسدد ثمنا للكهرباء التي يحصل عليها العراق، بدلا من مبادلة النفط، ولفت إلى أن العراق بدأ بإرسال كميات صغيرة إلى مصافي إيران، ليس على أساس المبادلة.

واتفق العراق العام الماضي على شحن الخام من حقول كركوك في الشمال إلى إيران لاستخدامه في مصافيها، على أن تسلمه إيران بعد ذلك كمية مماثلة من النفط في مرافئ العراق الجنوبية.

حكومة بغداد تنجد طهران

وفي حديثه لـ”وكالة يقين” أكد المحلل الاقتصادي “عادل البصري” أنه “ليس من المستغرب أن تقف حكومة بغداد مع طهران في أزمتها لمواجهة العقوبات الأمريكية، وهي مستعدة لتجاوز كل الخطوط لإنقاذ جارتها، لما تربطهما من علاقات وثيقة بعد عام 2003”

ويضيف، “نحن كشعب لا ننكر الدور السيء الذي لعبته إيران في العراق منذ خمسة عشر عاما، في تمزيق وحدته، وبث الطائفية التي لم نكن نعرفها ما قبل عام 2003، ولكن المريب في الأمر -ومن وجهة نظر اقتصادية- هو الارتفاع التصاعدي في التبادل التجاري بين البلدين رغم تأرجح أسعار النفط، حيث وصل حجم التبادل بين العراق وإيران إلى 14 مليار دولار في السنوات الأخيرة، في وقت كان حجم التبادل في أدنى مستوياته قبل عام 2003، إذ بلغ ما يقارب مليار دولار سنويًا عامي 2004 و2005، ثم ما لبث أن ارتفع إلى 4 مليارات دولار عام 2008، ولكنه ارتفع بصورة كبيرة عام 2013 ليبلغ ما يقارب من 12 مليار دولار، ويأتي ذلك في ظل العجز الكبير بالموازنة العراقية لعام 2018، ووجود تحذيرات محلية ودولية من إفلاسها”.

وتابع “البصري” حديثه قائلا: “بحسب مسؤولين إيرانيين؛ فإن قيمة صادرات إيران غير النفطية إلی العراق بلغت 6 مليارات دولار سنویًا، وأن 80% من الخدمات التقنية والهندسية في العراق تقوم بها شركات إيرانية، وأن قيمتها بلغت 4 مليارات و200 مليون دولار”.

وعن أسباب ذلك التزايد في التبادل التجاري؛ أوضح الخبير الاقتصادي، أنه “يوجد سببان، أحدهما: اقتصادي متعلق بارتفاع الواردات النفطية بين العراق وإيران في السنوات الأخيرة، وزيادة الصادرات والمنتجات الاستهلاكية، وعلى رأسها الغذائية والطبية والتقنية، والتي غزت السوق العراقية، واستحسانها لرخص ثمنها، أما السبب الثاني: فهو سياسي يتلخص بأقل تعبير وأوضحه، وهو: الولاء الطائفي من قبل حكومة بغداد لطهران”، بحسب “البصري”.

بغداد تغرق لتنجو طهران

أدى اتفاق “لوزان” الذي تم بموجبه رفع العقوبات عن إيران إلى عودة الغاز والنفط والسجاد وغيرها من المنتوجات الإيرانية إلى الأسواق العالمية، وبلا قيود دولية أو إقليمية، وكذلك جرى تدفق الأموال الإيرانية المتجمدة في المصارف العالمية، والتي تقدر بـ”50″ مليار دولار إلى الخزانة الإيرانية، وإلغاء معظم القيود على القطاع البنكي والتأمينات، الأمر الذي أسهم بشكل كبير في انتعاش الاقتصاد الإيراني.

إلا أن العقوبات الأخيرة التي فرضت على طهران والانسحاب من الاتفاق النووي أحبط طموحات إيران وتطلعاتها، كما يرى الخبير الاقتصادي “ماجد الكعبي” في حديثه لـ”وكالة يقين” والذي أكد أن “انتعاش إيران بعد رفع العقوبات أثر سلبا في تهاوي أسعار النفط إذ وصل إلى مستويات متدنية، وأدخل اقتصاديات الخليج والعراق وبعض الدول النفطية في دوامة”.

وأضاف “على الرغم من أن إيران دولة قوية ولها كيانها وتعرف كيف تجد لها مخرجا من أزماتها، إلا أنها تعتمد في ذلك على الدول التي في متناول يدها، والعراق على رأسها، حيث إن طموحاتها أن تصل بالتبادل التجاري مع العراق إلى نحو 20 مليار دولار نهاية العام 2018، وهو ما سيرفد الاقتصاد الإيراني بموارد كبيرة على حساب الاقتصاد العراقي المعدوم أصلا، خصوصًا أن ميزان التبادل يميل لكفة إيران بواقع 1 مقابل 10، أي أن كل عشرة دولارات من إيران يقابلها تصدير بدولار واحد من العراق، ولا شيء أحيانا”

وتابع “الكعبي” في حديثه للوكالة، قائلا: “على الرغم من أن البضائع التركية وغيرها تغزو الأسواق العراقية، إلا أن العراق يصر في اعتماده بشكل كبير جدا على إيران في تأمين الكثير من السلع والخدمات، مثل المحاصيل الزراعية والسلع الاستهلاكية وبعض الخدمات في القطاع الخاص، أما الحكومي فيشمل استيراد المشتقات النفطية التي يحتاجها العراق والطاقة الكهربائية قطاعين رئيسَيْن، بالإضافة إلى السيارات والمكائن والكثير من السلع الأخرى، فضلا عن التبادل في المجال العسكري الذي بات حجمه بمليارات الدولارات، في ظل الاضطرابات الأمنية التي يشهدها العراق، وهذا ينهك العراق الكثير على حساب انتعاش الاقتصاد الإيراني في ظل ما يواجهه من تردٍ ملحوظ”، بحسبه.

الاعتماد الاقتصادي على إيران انعكس سلبا على العراق

أما المزارع من جنوب العراق  “باسم الخزعلي” أكد في حديثه لـ”وكالة يقين” أن “اعتماد العراق بشكل كبير على استيراد المنتوجات الزراعية الإيرانية، أدى إلى تدني الزراعة في العراق، نظرا لرخص ثمن المنتوج الإيراني ووفرته، مع رداءته طبعا، ونحن المزارعين أُصِبْنا بإحباط شديد جراء تلك التصرفات الحكومية، فبدل أن تشجع على الانتاج المحلي وتدعم المزارعين، تذهب لتنمي الاقتصاد الإيراني واستيراد منتوجاته”.

من جانبه “أبو سعد” صاحب محل في منطقة البياع ببغداد تحدث لـ”وكالة يقين” قائلا: “الناس في منطقتنا هنا باتوا يفضلون الصناعة الإيرانية، لاسيما الألبان ومشتقات الحليب، لا لجودتها وإنما لرخص ثمنها قياسا مع المنتوجات التركية أو السعودية أو الكويتية، وذلك لطبيعة منطقتنا وفقر حال أهلها، وهذا قد لا نجده في مناطق يتمتع أهلها بدخل جيد، حيث يفضلون المنتوجات التركية والسعودية على الإيرانية”.

ويرى مراقبون أنه وإن لم يوجد اتفاق معلن بين بغداد وطهران على مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، فإن واقع الحال يشير إلى مدى انحناء بغداد وقبولها عروض إيران بأبخس الأثمان، واستيراد أردأ السلع، في سبيل إنعاش الاقتصاد الإيراني على حساب العراقي، وبالتالي فهو وجه من أوجه مواجهة طهران للعقوبات المفروضة عليها من قبل واشنطن.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات