الأربعاء 12 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الشتات العراقي.. الهجرة والنزوح »

الميليشيات والعصابات تمنع عودة آلاف الأطباء إلى العراق

الميليشيات والعصابات تمنع عودة آلاف الأطباء إلى العراق

قسم التقارير – العراق

لم يكن الطبيب “حسين الشاوي” يعلم أن دخول الدبابات الأمريكية إلى العراق؛ سيؤدي إلى خروجه هو وعدد كبير من الكفاءات الطبية والعلمية الأخرى خارج البلاد، “الشاوي” طبيب جرّاح في إحدى مستشفيات محافظة البصرة، حاصل على بورد في الجراحة من إحدى الجامعات البريطانية، لم تدفعه النكبات التي عاشها العراق لمغادرة بلده، رغم الفرصة التي يملكها لذلك، ولم تجعله حالة الفوضى التي عاشها العراق بعد عام 2003؛ يستسلم ويغادر بلدا طالما حلم أن يتغير حاله، لكنّ رصاصة استقرّت في العمود الفقري لأحد عناصر الميليشيات في المحافظة، كانت سببا لمغادرة الطبيب الشاب بلده، حيث تمكّن “الشاوي” من إخراج الرصاصة، لكنّ المريض أُصيب بشلل تام؛ وهذه نتيجة طبيعية بسبب خطورة إصابته، عشيرة المُصاب هدّدت “الشاوي”،واتهمته بأنه كان سببا في إصابة ابنهم بالشلل، رغم أن الطبيب أبلغ عائلته بما سيحدث لابنهم، وكتبت على باب منزله عبارة “مطلوب عشائريا”، حتى غادر “الشاوي” بلده، لتغادر معه جميع الأحلام بحياة أفضل ربما يعيشها سكان هذا البلد.

دمي مهدور ظلما.. لا يمكنني العودة!

“خسارة الكفاءات والمجتمع الذي عرف بتماسكه وثقافته؛ كانت هي الخسارة الأكبر”

الطبيب “حسين الشاوي” الذي يسكن بـ”دبي” حاليا، ويعمل في المستشفى الأمريكي هناك، تحدث لـ”وكالة يقين” قائلا: “حاولت قدر المستطاع إنقاذ الشاب، لكن وفاته كانت محققه، وإصابته بالشلل كانت معجزة، وعائلته لم تستوعب حجم الإصابة، ولم تتمكن من تصديق واقع ابنهم الذي كان عنصرا في منظمة بدر، وأُصيب برصاصة استقرت في عموده الفقري بسبب خلاف عشائري، تم تهديدي بالقتل قبل إجرائي للعملية، وتم هدر دمي بعدها، خرجت من العراق بأعجوبة، غادرت إلى بغداد لأنقذ عائلتي خطوة أولى، وبعد أسبوع تمكنت من الحصول على فيزا إلى الأردن، وبقيت هناك سبعة أشهر، لحين قبولي بالمستشفى الأمريكي في دبي، لم أكن أرغب مغادرة بلدي بهذا الشكل، شعرت بالإهانة الشديدة أمام عائلتي، شعرت أنني لص أو مجرم لأنني غادرت هاربا، منزلي الذي بنيته مجددا تركته، أقاربي يخافون الذهاب إليه أو متابعته؛ خشية تعرضهم للأذى من قبل عشيرة المصاب”.

وأضاف “الشاوي”: “أعيش حلم العودة، لكن عائلتي ترفض ذلك، وهم يتمنون الذهاب إلى لندن للابتعاد تماما عن العراق، وفعلا أحاول الذهاب هناك والحصول على الجنسية؛ لأن عودتي إلى العراق أصبحت مستحيلة، أعلم أن العراق يعاني نقصا شديدا من الأطباء، العراقيون يأتون إلى مستشفيات الخارج لنعالجهم نحن، كان الأولى بنا خدمة إخواننا وأهلنا ونحن في العراق، من دون أن يتكلفوا معاناة السفر ومصاريفه، لكن الواقع الأمني وضعف الدولة وتسلط الميليشيات وسلاحها يمنعنا من ذلك.. مع الأسف”.

قصة تحدثنا عن خسارة كبيرة مُني بها العراق بعد 2003، فخسارة هذا البلد لم تقتصر على البُنى التحتية، والنظام السياسي الذي فقد بالكامل، بل خسارة الكفاءات والمجتمع الذي عرف بتماسكه وثقافته؛ كانت هي الخسارة الأكبر.

المستشفيات العراقية تبكي أطباءها!

أما الدكتورة “شهلة حميد” طبيبة التخدير في إحدى مستشفيات بغداد؛ فلها قصة أخرى، حيث فَقَدَ مريض حياته أثناء خضوعه لعملية قلب، وبعد التحقيق اكتشف أن المخدر الذي حصل عليه غير جيد، لكن ذوي المريض حمّلوها المسؤولية المباشرة عن موت والدهم، البالغ من العمر 68 عاما، وتعرضت للتهديد بالقتل، الأمر الذي دفعها إلى مغادرة بغداد متجهة إلى أربيل، وأطْلَعت الدكتورة شهلة “وكالة يقين” على مزيد من التفاصيل، وتقول: “الأدوية التي تصل إلى المستشفيات مغشوشة، لا يمكن تمييزها من الخارج أو من غلافها، فتاريخ صلاحيتها ساري المفعول، وموثقة ومختومة من وزارة الصحة، ولكن على ما يبدو فإن صفقات الفساد وغياب الرقابة وملء الجيوب أهم من صحة المواطن العراقي، فلا رقابة عليها،أو أنها تدخل بمساعدة مسؤولين في الوزارة، يتقاضون الرشوة من الشركات التي تتعامل بهذا النوع من الأدوية، وما شحنات الأدوية المنتهية الصلاحية التي يتم ضبطها بين الحين والآخر في الميناء أو على الحدود؛ إلا دليل على ذلك”.

“الأدوية التي تصل إلى المستشفيات مغشوشة، لا يمكن تمييزها من الخارج أو من غلافها، فتاريخ صلاحيتها ساري المفعول”

وتضيف طبيبة التخدير في حديثها لوكالة “يقين”: “أنا شخصيا أبلغت مدير المستشفى عدة مرات بعدم فاعلية مواد التخدير التي كانت تجلبها الدولة لنا، وكل هذا موثق بالتقارير، قمت بكتابة أكثر من ثمانية تقارير بهذا الشأن، ورفعتها إلى مدير المستشفى، لكن من دون جدوى، وحين توفي المريض وخضعت للتحقيق، أثبت التحقيق أن المخدّر كان غير فعال وغير صالح، لكن إدارة المستشفى تخلت عن مسؤولياتها، واكتفت بالقول:إن سبب الوفاة هو التخدير من دون ذكر تفاصيل، الأمر الذي دفع أهل المريض ملاحقتي، والهجوم على منزلي بالرشاشات، وتكسير زجاج المنزل، وإصابة ابني البالغ من العمر 15 عاما برصاصة في الكتف أثناء وجوده في حديقة المنزل، الأمر الذي دفعني للسفر سريعا إلى أربيل، وترك منزلي من دون تصفيته”.

وتابعت حديثها: أنا “بعت منزلي، والآن أعمل في أربيل، لكنني أتطلع للخروج من العراق تماما، هذا البلد غير آمن، ابنتي تدرس الطب، وأخاف عليها من مصير مماثل لمصيري، العراق لا يحمي كفاءاته، ورجال الدولة يعيشون في أبراج عاجية لا يهمهم مصير مؤسسات الدولة، مؤسسات الدولة خالية من الكفاءات، المستشفيات خالية من الأطباء الجيدين، والجامعات تخلو من الكفاءات العلمية القادرة على تربية أجيال حقيقية تبني البلد، وتخلصه من الظلام الذي يعيشه، معظم زملائي خرجوا من العراق، ولم ينوِأحدهم العودة، لأن الدول في الخارج تؤمن بالعقل العراقي والكفاءة العراقية”.

ضعف الدولة مانع لعودة الأطباء

مستشفيات تخلو من أطبائها الجيدين، وأطباء طاردتهم رسائل التهديد، وعبارة “مطلوب عشائريا“، وطاردتهم الميليشيات والعصابات ليرون أنفسهم في المنفى، تستقبلهم مستشفيات أجنبية تقدر كفاءتهم العلمية، في وقت يعيش بلدهم واقعا صحيا مريرا، هذا ما أكده لـ”وكالة يقين” مصدر طبي في وزارة الصحة رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، حيث قال: “نعاني نقصا حادا في الكادر الطبي، المستشفيات تعتمد اليوم على المتدربين من الأطباء الجدد قليلي الخبرة، عدد كبير من الأطباء غادروا العراق، وعدد آخر اكتفى بوجوده داخل العيادات الخاصة ولم يأبه لمستشفى، الأمر الذي جعل المريض الفقير يواجه شبح الموت؛ بسبب افتقاره للمال، الذي يمكنه من السفر خارج العراق لتلقي العلاج المناسب”.

وفيما يخص الواقع الصحي لمستشفيات المناطق التي كانت تخضع لسيطرة “تنظيم الدولة”؛ أكد المصدر أنها “تفتقر للكادر الطبي بسبب عزوف الممرضين والأطباء عن العودة، ذلك لأن هذه المناطق تعاني واقعا خدميا مترديا جدا، لا يشجع الأهالي على العودة، فضلا عن عدم وجود المعدات الطبية في المستشفيات، الأمر الذي يجعل الكادر الطبي عاجزا عن أداء مهامه، كما أن فرص العمل التي وجدوها أثناء خروجهم من مدنهم؛ تشجعهم على البقاء في بغداد،أو الاقليم،أو حتى خارج العراق، يتزامن ذلك مع عدم توفير الحكومة أي ضمانات لهؤلاء تشجعهم على العودة، وتجعل مدنهم وسكانها يستفيدون من خبراتهم”.

وأردف المصدر قائلا: “هناك عدد من الأطباء غادروا بسبب تهديدات تلقوها من داخل المستشفيات، بسبب كشف تلاعب أو رفضهم للقيام بأعمال غير إنسانية وغير مشروعة كانت تطلب منهم من قبل إداراتهم، الأمر الذي عرّض عددا منهم إلى تهديدات من قبل الميليشيات، التي تسيطر على المستشفيات وجميع مفاصل الدولة، فهناك حالات بيع جثث داخل المستشفيات، وهناك حالات تجارة أعضاء أيضا، فوجود طبيب يرفض هذه الأعمال ويكشفها؛ تجعله عرضة للخطر هو وعائلته”.

عمليات ممنهجة لهجرة العقول ومنع عودتها

وتعرضت الكفاءات لتصفيات ممنهجة بعد عام 2003، حيث بدأت ميليشيات مجهولة بتصفية عدد كبير من أساتذة الجامعات والأطباء، في وقت يعاني العراق نقصا حادا في الكوادر التعليمية والأطباء، الأمر الذي دفع عددا كبيرا من العراقيين لطلب العلاج والتداوي في مستشفيات الخارج، وعند أطباء عراقيين غالبا في الدول المجاورة، وتحمّل تكاليف باهظة، ولكنها عندهم أرحم أحيانا من تكاليف العلاج في الداخل، والتي قد تؤدي لفقد الحياة لسوء الواقع الصحي وغياب الأطباء الأكفياء.

تقارير دولية تحدثت عن قوائم كانت الميليشيات تعتمدها لتصفية الكفاءات، وبتخطيط وإشراف إيراني، كما حمّلت رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مسؤولية هذه العمليات؛ لحدوث أغلبها في فترة إدارته للعراق، والتي أودت بحياة العشرات من الأطباء وأساتذة الجامعات، وهرب عدد كبير منهم خوفا من مصير مشابه لزملائهم.

“تقارير دولية تحدثت عن قوائم كانت الميليشيات تعتمدها لتصفية الكفاءات، وبتخطيط وإشراف إيراني”

من جانبه الطبيب الأكاديمي “زياد مرتضى” تحدث لـ”وكالة يقين” عن الوضع الذي دفع هذه الكفاءات لمغادرة العراق، وانعكاسات ذلك على واقع البلاد، حيث يقول: “تعرضت الكفاءات في مختلف أنحاء العراق إلى عمليات تصفية ممنهجة، تركزت في بغداد والبصرة، حيث شهدت هاتان المحافظتان أكبر عمليات لتصفية الأطباء وأساتذة الجامعات، في بعض الأحيان تكون الحجة ارتباط هؤلاء بحزب البعث، وأحيانا أخرى تكون الدوافع عشائرية، لكن الواقع هو إفراغ العراق من كفاءاته التي يشهد لها العالم، والتخلص من الطاقات الفكرية فيه، التي تشكل تهديدا واضحا على الخطط التي تنوي إيران تنفيذها في العراق، والسيطرة على عقول الناس بالأفكار الرجعية المتخلفة”.

ويضيف “مرتضى”، أن “وجود الكفاءات في العراق يهدد هذه الأهداف، لأن هؤلاء لم يسمحوا بغزو الأفكار المتخلفة، والتحكم بسلوك الناس بطريقة متطرفة ورجعية، لذا فهي أكبر تهديد لإيران والقوى التابعة لها، وهذه الكفاءات تُمنع من العودة للعراق بشتى الطرق، ما دام المشروع الإيراني قائما ومتحكّما بمقدّرات العراق وسياساته”.

ولا يختلف اثنان على أهمية الكفاءات الطبية العراقية وبراعتها، تشهد لها مستشفيات الشرق والغرب، في وقت طرد العراق أطباءه، وتركهم من دون رعاية داخل بلدهم، يعبث بهم سلاح الميلشيات وتهديدات العشائر، من دون قانون يحميهم، ومن دون تفكير جاد لوضع خطة تضمن عودتهم وتؤمّنهم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات