الأحد 23 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أطفال العراق »

أمراض العقم.. كابوس يفاقم معاناة العراقيين

أمراض العقم.. كابوس يفاقم معاناة العراقيين

قسم التقارير – العراق

“أتمنى أن أصبح أبا” كلمات قليلة توضح لهفة الشاب العراقي “أحمد طارق” في أن يكون أبا بعد خمس سنوات من الزواج، فبعد خمس سنوات من الزواج وسلسلة مراجعات ما بين المراكز المتخصصة في معالجة العقم بين بغداد وأربيل وعمّان، ما زال “أحمد وزوجته “هدى” ينتظران اليوم الذي يصبحان فيه والدين، يقول “أحمد” لوكالة “يقين”:إنه منذ السنة الثانية لزواجه يتردد هو وزوجته باستمرار على مراكز معالجة العقم.

ويضيف “كنت في السنة الأولى من زواجي أظن أن مشكلة تأخر الإنجاب كانت في زوجتي، لكن وبعد مراجعة عدة مراكز، تبين أن المشكلة لدي، وأن الأطباء أخبروه أنه يجب أن يخضع لعلاج طويل الأمد”.

نسبة أمراض العقم في العراق

تتعدد أسباب العقم في العراق بالنسبة للرجال والنساء، وارتفعت نسبة العقم لدى الجنسين في البلاد بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، وازدادت إلى نسبة غير مسبوقة بعد عام 2003، وفقا للدكتور “أحمد صالح” أخصائي أمراض العقم في مستشفى الكَرَّادة في بغداد.

ويضيف “صالح” متحدثا لوكالة “يقين”: إن “أسباب العقم تنقسم إلى نفسية وفسيولوجية، وكلا النوعين ناتج عما مرت به البلاد من حروب وويلات خلال العقود الثلاثة الماضية”.

“النسب المسجلة لحالات العقم في العراق تعد الأعلى في منطقة الشرق الأوسط

ويتابع الدكتور “أحمد”، أن “النسب المسجلة لحالات العقم في العراق تعد الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن مركز معالجة العقم في مستشفى الكَرَّادة بات يستقبل أكثر من 60 مريضا يوميا مقارنة بعشرين مريضا قبل عام 2003″، موضحا أن عوامل عديدة نفسية وغذائية وبيئية تدخل ضمن المسببات الرئيسة لأمراض العقم في العراق.

مشاكل العقم في الأُسَر العراقية

مشاكل اجتماعية عديدة تسببها أمراض العقم داخل الأُسَر العراقية، يقول الأستاذ “حسين المفتي” المحاضر في قسم علم الاجتماع في جامعة بغداد لوكالة “يقين”: إن “أمراض العقم المستعصية تسبب في حالات عدة إلى انفصال الزوجين”، ويوضح “المفتي” أن “طرق تعامل العائلات العراقية مع هذه المشكلة تختلف بحسب المنطقة، وتعتمد فيما إذا كان المريض من أهل المدينة أو من الريف، حيث إن العائلات التي تعاني من هذه المشكلة تعتمد في أسلوب معايشتها لهذه المشكلة على مستوى الوعي لدى هذه العائلات، ويضيف المفتي أنه ومن خلال دراسة ميدانية أجريت في عام 2010 على 100 عائلة عراقية تعاني من هذه المشكلة، تبين من خلال الدراسة أن حالات العقم داخل المدن يتم التعامل معها من خلال المطاولة ومراجعة الأطباء حتى لو وصلت فترة العلاج لسنوات”.

ويضيف قائلا: “بينما حالات العقم في الريف غالبا ما تنتهي إما بالانفصال أو الزواج الثاني خلال السنتين الأوليين من الزواج، هذا في حال كانت المشكلة لدى المرأة”، موضحا أيضا أنه في حالة كانت المشكلة أو حالة العقم لدى الرجل، فإنه غالبا ما يتم التكتم عليها في الريف وعدم إفشائها لدى الأقارب.

“إقبال المرضى على مراكز العلاج يعتمد بالدرجة الأولى على الحالة المادية لدى العائلات”

وفي ذات الصدد، يقول الدكتور “عطوان علي” أخصائي الأمراض النفسية في مدينة الطب في بغداد: إن كثيرا من الحالات المصابة بالعقم تجد صعوبة في تقبل الأمر في أول سنتين من الزواج، ويضيف “علي” متحدثا لوكالة “يقين”:إن “المرضى بالعقم يعانون من صدمة نفسية في بادئ الأمر، قبل أن يتوجهوا إلى مراكز علاج العقم”.

ويوضح الدكتور، أن “إقبال المرضى على مراكز العلاج يعتمد بالدرجة الأولى على الحالة المادية لدى العائلات التي تعاني من هذه المشكلة، حيث إن تكلفة العلاج من العقم باهظة التكاليف في العراق، وتكاد تكون خيالية في دول الجوار”.

أسباب أمراض العقم

لم تكن ظاهرة العقم لدى الرجال والنساء معروفة في العراق، قبل عام 1991 و2003 على النحو الذي عليه اليوم، فالعراق الذي مر بحروب متواصلة منذ عام 1980 أثرت في النسل إلى الحد الذي باتت فيه هذه المشكلة من المشاكل التي تؤرق العراقيين، وهاجسا لكل مقبل على الزواج، “حيدر جواد” موظف في وزارة البيئة في حكومة العبادي، يقول متحدثا لوكالة “يقين”: إن “حربَي عام 1991 و2003 استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة الملوثة، ومن بينها الكيماوية والنووية، وخاصة اليورانيوم المنضب”.

ويضيف “جواد” أن “معدلات التلوث الكيميائي والنووي مرتفعة جدا في مناطق وسط العراق وجنوبه وغربه”، مبينا أن “المسوحات الميدانية أظهرت ارتفاعا قياسيا في معدلات التلوث مقارنة بالأرقام المسجلة في الأعوام التي سبقت حرب الخليج الثانية عام 1991، وأن مناطق البصرة والفلوجة والناصرية وحزام بغداد سجلت أعلى معدلات التلوث في البلاد”، بحسبه.

أسباب عديدة تقف وراء تفشي أمراض العقم في البلاد، الدكتور “عمر حامد” أخصائي أمراض العقم في مستشفى الرمادي تحدث لوكالة “يقين” قائلا: إن “الحروب التي مرت بالبلاد أثرت بصورة كبيرة في تفشي هذه الظاهرة خاصة في محافظة الأنبار“.

وأوضح “حامد” أن “حربَي الفلوجة الأولى والثانية والتي استخدمت فيها قوات الاحتلال الأمريكية وقتها شتى أنواع الأسلحة وخاصة الفوسفور الأبيض، ظهرت نتائجها سريعا، حيث وبعد عام واحد من معركة الفلوجة الثانية، سجلت المدينة عشرات حالات العقم والتشوهات الجنينيةلدى الأطفال حديثي الولادة وما زال العدد في ازدياد”.

أما مدينة البصرة، فهي الفيحاء التي عانت -وما زالت تعاني- من هذه المشكلة منذ عام 1991، بسبب ما شهدته المدينة من حروب واستخدام لأسلحة فتاكة أثرت في نسل أبناء هذه المدينة، حيث يقول الدكتور “ماجد النصراوي” -أخصائي أمراض العقم في مستشفى الصدر التعليمي في مدينة البصرة- متحدثا لوكالة “يقين”: إن “مدينة البصرة تكاد تكون المحافظة الأعلى تسجيلا لمعدلات الإصابة بالعقم في العراق لدى الرجال والنساء”، وأوضح أن “أمراض العقم في المحافظة ترجع أسبابها بالدرجة الأولى للحروب التي مرت على المدينة، فضلا عن مسببات أخرى، ترتبط بالغذاء الصحي والمياه وأسباب أخرى”.

من البصرة إلى الموصل، حيث يشير عدد من خبراء الصحة العامة في المدينة ومنهم “عمر نزار” إلى أن “ما عايشه الموصليون خلال العامين الأخيرين من ضغوط نفسية وحرب مستعرة استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة، ومنها:الفسفورالأبيض، قد تظهر تبعاتها قريبا على الموصليين من خلال أمراض العقم”.

ويضيف “نزار” لوكالة “يقين” في مجمل حديثه، أن”الولايات المتحدة وحلفاءها استخدموا في الموصل أسلحة جديدة ونوعية، وعدوا الموصل حقل تجارب، ما قد تظهر تبعاته قريبا لا قدر الله”، بحسب “نزار”.

النظام الغذائي أحد الأسباب

لا تقف مشكلة أمراض العقم وأسبابها عند الحروب وما سببته من تلوث، حيث يعزو أخصائيو التغذية في البلاد أسباب العقم كذلك إلى النظام الغذائي الذي بات يتبعه العراقيون خلال السنوات الماضية.

حيث يقول أخصائي التغذية في مركز جيهان للصحة العامة في أربيل “ربيع كمال”، متحدثا لوكالة “يقين” عن التغذية الصحية وعلاقتها بالحياة الجنسية، إن “العراقيين في السنوات الأخيرة شهدت حياتهم اليومية وتغذيتهم تغيرا جذريا، حيث بات كثير من العراقيين يعتمدون على الوجبات السريعة من دون أي مراعاة للصحة العامة ما رفع نسب الإصابة بالسمنة المفرطة،إضافةإلى ارتفاع نسب الإصابة بمرض السكر”.

“ليست الحروب والتغذية فحسب من تسبب أمراض العقم في العراق”

ويضيف، أن “افتقاد العراق لجهاز سيطرة نوعية يعمل بجد، أدى فيما أدى إليه إلى دخول بضائع غير صالحة للاستهلاك البشري إلى العراق،إضافةإلى مواد مسرطنة ومسببة لعقم، وكل هذه العوامل إضافة إلى انعدام ممارسة الرياضة، أدت -وتؤدي في كثير من الأحيان-إلى ظهور أمراض العقم وبدرجات متفاوتة”، بحسب “كمال”.

ليست الحروب والتغذية فحسب من تسبب أمراض العقم في العراق، يشير الدكتور “مهند الأومري” أخصائي الأمراض البولية والتناسلية في مستشفى السلام التعليمي في الموصل إلى أن الملابس الضيقة التي يرتديها الشباب تؤثر سلبا على حيوية السائل المنوي لدى الرجال، ويشير إلى أن دراسات حديثة أثبتت أن الملابس الضيقة جدا من الجينزات والشورتات تؤثر في حيوية السائل المنوي لدى الرجال، خاصة إن كانت الملابس غير قطنية، بحسب “الأومري”.

العلاج من العقم وتكاليفه الباهظة

لكل داء دواء، كما يقال، لكن أدوية أمراض العقم وتكاليف علاجها الباهظة ليست متاحة لكل العراقيين، “عثمان” شاب عشريني ميسور الحال من مدينة الموصل، تزوج قبل أكثر من سنتين ولم يرزق بطفل حتى الآن، يقول متحدثا لوكالة “يقين”: إنه وزوجته راجَعَا مراكز عديدة خاصة لعلاج العقم في الموصل وبغداد وأربيل.

ويضيف “عثمان”، أن المشكلة لديهم هي مشكلة هورمونات ليس إلا، لكنه -وبحسب “عثمان”- قد أنفق حتى اللحظة أكثر من خمسة ملايين دينار، موضحا أن تكلفة الفحص للهورمونات وحدها تكلف أكثر من مائة ألف دينار في كل مرة.

ويلجأ العديد من الميسورين في العراق إلى دول الجوار في علاج أمراض العقم، وخاصة الأردن وتركيا، لكن تكاليف العلاج في الخارج تبقى محدودة على من يمتلكون القدرة المادية على ذلك، “سمير فرحان” مواطن عراقي من مدينة بغداد، كان قد خضع للعلاج هو وزوجته في العاصمة الأردنية عمان قبل أكثر من سنتين، ورزقوا بطفل قبل أشهر في الأردن بعد أن اتجهوا نحو ما يسمى بـ”أطفال الانابيب“، يقول فرحان متحدثا لوكالة “يقين”: إن فترة علاجهم امتدت لسنتين، اتجهوا بعدها نحو أطفال الأنابيب، ويختتم “فرحان” حديثه لوكالتنا بالقول: إن تكلفة العلاج في الأردن من أوله حتى رزق بابنه الأول قد تجاوز السبعة عشر ألف دولار، بحسبه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات