الإثنين 12 نوفمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الخُلاصَة »

منفذ طريبيل.. شريان تجاري يعاني الفشل وسيطرة الميليشيات

منفذ طريبيل.. شريان تجاري يعاني الفشل وسيطرة الميليشيات

قسم التقارير – الأنبار 

بعد قرابة عام كامل على افتتاح منفذ طريبيل الحدودي مع الأردن، والذي تم افتتاحه رسميًا في ٣٠ آب ٢٠١٧، لم يتغير مشهد سيطرة الميليشيات المتنفذة في ظل غياب السلطة الكاملة للحكومة عليه، وحرمان مدن الانبار من واردات هذا المنفذ الذي يمثل شريان حياة لمحافظة الانبار والسوق العراقية في العموم، حيث حرمت منه السوق العراقية قرابة عامين، وأغلقت الحكومة المعبر أمام الشاحنات والمسافرين في تموز ٢٠١٥، وشهدت الصادرات الأردنية للعراق تراجعًا كبيرًا خلال الأعوام الماضية وصلت نسبتها إلى 40%، إذ بلغت 695 مليون دولار في 2015، بينما كانت تبلغ 1.2 مليار دولار في 2014.

“وجود شرطة الجمارك والجيش في طريبيل شكلي فقط ولا يملكون أية سلطة أو صلاحيات”

“جبار العيساوي” -45 عامًا- تاجرٌ من محافظة الانبار، ترتكز تجارته على جلب البضائع من الاردن، وفي بعض الأحيان من مصر لكن عن طريق الاردن، تحدث لـ”وكالة يقين” عن حجم معاناته في معبر طريبيل قائلا: “هذا المعبر أصبح نقطة تسليب والحصول على الإتاوات، وجود شرطة الجمارك والجيش شكلي فقط ولا يملكون أية سلطة أو صلاحيات، هذا المعبر أصبح مورد رزق إضافي للأحزاب المتنفذة والميليشيات، لم تكتف هذه الأحزاب بسرقة العراق بأكمله”.

وأضاف العيساوي، أننا “أصبحنا نضيف الرشاوى والنقود التي لابدّ لنا أن ندفعها في المعبر على تكلفة البضاعة، نعتبرها أجورًا ثابته لا تختلف عن أجور النقل والتكاليف الاخرى للبضاعة، ذلك لأن البضاعة لا تُمرر عبر المنفذ من دون دفع الاموال والرشاوى والابتزاز، والعمل أصبح صعبًا للغاية، هذا المنفذ سيفقد أهميته التجارية إذا بقي الحال على ما هو عليه”.

وأردف المواطن الأنباري قائلًا: “رفعنا شكاوى إلى مجلس محافظة الأنبار، ونقل تجار عديدون معاناتهم والحوادث التي حصلت معهم في هذا المنفذ، لكن من دون جدوى، ففي هذا البلد لا يوجد أي صاحب قرار غير تلك الميليشيات للأسف، التي أصبحت تسيطر على كافة مفاصل الدولة والحياة”.

 

الميليشيات تساوم التجار في منفذ طريبيل

عشرة آلاف دولار، هي قيمة حماية البضائع الثمينة التي تمر بالمعبر، حيث تطلب ميليشيا “حزب الله” التي تسيطر على المعبر بشكل كامل هذا المبلغ من التجار مقابل تأمين سيارات حماية ترافق البضاعة لحين وصولها إلى بغداد، ولم يتجرأ أحد من التجار رفض دفع هذا المبلغ، خوفًا من تعرض بضاعته لسطو مسلح من قبل هذه الميليشيات.

“ميليشيا حزب الله تدير ملف الأمن داخل معبر طريبيل، بدءًا من نقطة دخول الشاحنات وانتهاءً بانتقالها إلى ساحة التبادل”

وتحدث أحد ضباط حرس الحدود في المعبر لـ”وكالة يقين” عن تفاصيل ما يحدث فيه، لكنه طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية قد تهدد حياته، وقال: “ظاهر الأمر إنك ترى القوات الحكومية الرسمية منتشرة في المعبر، ولكن في حقيقة الأمر ليس لنا أية سلطة على المعبر، فأيُّ عنصر من الميليشيا تستطيع اعتقال حتى الآمر، هذا الملف فُضح أمره ويعلم به حتى رئيس الوزراء حيدر العبادي، لكن لا يوجد أية حلول أو تغيير، الأمر الذي يجعل هذه الميليشيا تتمادى في سيطرتها وفرض الاموال على من يمر عبر المنفذ”.

وأضاف المصدر، أن “ميليشيا حزب الله تدير ملف الأمن داخل المعبر، بدءًا من نقطة دخول الشاحنات ومرحلة التفتيش اليدوي وانتهاءً بانتقالها إلى ساحة التبادل أو الانتظار قبل أن تتوجه الشاحنة إلى بغداد، وهم متورطون حتى بتمرير شحنات وبضائع فاسدة أو منتهية الصلاحية، وأخرى غير قانونية، مقابل مبالغ مالية كبيرة دفعها متنفذون في بغداد لها لتخليص تلك البضائع من جهاز السيطرة النوعية في المعبر”، بحسبه.

ويتابع المصدر حديثه للوكالة قائلًا: “في إحدى المرّات تدخلت تلك الميليشيا بتمرير أربع شاحنات محملة بمادة الأسبستوس، التي تدخل في صناعة المنازل منخفضة الكلفة، رغم منع العراق استيرادها، كما في دول أخرى، بعد توصيات منظمة الصحة العالمية بأن المادة تسبب سرطان الرئة والجلد، لكن الميليشيا قامت بالإفراج عن هذه الشحنة بعد مصادرتها من قبل جمارك المنفذ ولم يتمكن أحد من منع هذا الاجراء الذي قامت به التي حصلت على الاموال من قبل الجهة المستوردة لهذه المادة الممنوعة”.

الجهات الرسمية عاجزة عن إيجاد الحلول

إلى ذلك فلم تتمكن صرخات التجار وعناصر حرس الحدود داخل منفذ طريبيل من إيصال صداها في بغداد، فرئيس الوزراء طالب الاردن بإغلاق منفذ الكرامة “منفذ طريبيل من الجانب الاردني” بسبب الممارسات التي يشهدها المنفذ من قبل الميليشيات المسيطرة عليه، الأمر الذي يدل على عجز الحكومة العراقية عن مسك حدودها وإعادتها الى سلطة الدولة، هذا ما تحدث عنه الخبير القانوني “معاذ السعدون”، حيث قال: إن “الحكومة العراقية اليوم عاجزة عن السيطرة على حدودها بشكل كامل، فكل حزب وميليشيا تسيطر على منفذ حدودي، وليس للدولة أي سيطرة على هذه الظاهرة، المنافذ الحدودية هي جزء من الكعكة التي تقاسمتها تلك الاحزاب في العراق”.

وعن مطالبة العبادي الجانب الاردني بغلق منفذ الكرامة قال السعدون في حديثه لـ”وكالة يقين”: “هذا دليل واضح على خوفه من تلك الاحزاب، وعجزه عن إيقافهم عند حدهم والقضاء على سلطتهم التي تطغى على سلطة القانون، وهذا يتنافى كليًا مع مطالباته بحصر السلاح بيد الدولة، والقضاء على وجوده بيد الميليشيات، فكيف تمكنت تلك الميليشيات من السيطرة على أهم مفاصل الدولة لولا وجود السلاح بيدها، والذي تعجز الدولة عن وضع حد له”.

“من غير الممكن لمنفذ طريبيل أن يعود إلى سابق عهده قبل المضي بمشاريع إعادة الإعمار للبنى التحتية”

وأضاف، أن “رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية في البرلمان المنتهية ولايته حاكم الزاملي، تحدث عن انتشار المخدرات والممنوعات داخل البلاد، عازيًا ذلك إلى سيطرة الميليشيات على عدد من المنافذ الحدودية العراقية، فهذا تصريح خطير من مسؤول بهذا المستوى، يدل على عجز واضح عن السيطرة على نفوذ هذه الميليشيات، ومنفذ طريبيل يسيطر عليه حزب الله العراقي، كما تسيطر حركة النجباء على منفذ القائم مع سوريا، عدا منافذ الجنوب والوسط التي تسيطر عليها الاحزاب المسؤولة عن إدخال الممنوعات الى العراق”.

ولفت السعدون في حديثه إلى أن “انتشار المخدرات وسيلة ليست ربحية فقط، بل سيطرة المخدرات على أذهان الشباب يشغلهم عن المطالبة بحقوقهم التي سلبتها تلك الاحزاب منهم، وهذه وسيلة لتغييب العقل العراقي وشل وعيه الذي قد يرفض الممارسات الايرانية، وممارسات السلطة والاحزاب، للمخدرات مهام متعددة تخدم الاحزاب ومن يدعمها”.

وتابع الخبير القانون حديثه قائلًا: “من غير الممكن لمنفذ طريبيل أن يعود إلى سابق عهده قبل المضي بمشاريع إعادة الإعمار للبنى التحتية فضلًا عن مسك الطريق الدولي الرابط بين العراق والأردن بالكامل من قبل القوات الحكومية، وضمان عدم تعرض الجماعات المسلحة لمستخدمي الطريق الدولي، افتتاح المنفذ يعود بفائدة على الجانب الاردني حصرًا، بسبب ما تتمتع به الاردن من استقرار وسلطة قانون، لكن العراق لم ينعم بموارد أي منفذ حدودي سواء كان بريًا أو جويًا أو بحريًا؛ لأن واردات هذه المنافذ تعود إلى الاحزاب المتنفذة والميليشيات، كما أن الحركة التجارية بدأت تتراجع بسبب المشاكل التي اصبح التجار يتعرضون لها اثناء استيرادهم لسلعهم”، بحسب السعدون.

 مشاكل اقتصادية تسببها سيطرة الميليشيات

ولم تقتصر الأهمية الاقتصادية لمنفذ طريبيل الحدودي على سكان محافظة الانبار فحسب، بل تتعداها إلى كافة انحاء العراق، حيث يعتبر الممر الذي تسلكه البضائع القادمة من مصر وسوريا ودول عدة لاسيما بعد الحرب السورية وعرقلة مرور البضائع عن طريق سوريا، وما سيطرة الميليشيات على هذا المنفذ إلا حجرة عثرة أمام مرور هذه البضائع التي تعد مصدر رزق لدى الكثيرين، هذا ما صرح به استاذ الاقتصاد الدكتور “فارس المحلاوي”، وقال: “التجار يضطرون لدفع الرشاوى للميليشيات المسيطرة على المنفذ، الأمر الذي يدفع التاجر إلى رفع قيمة البضاعة على المستهلك لتعويض ما دفعه من مال، هذا اضافة إلى الرسوم الجمركية التي تفرضها الحكومة بين الحين والآخر على التجار، الأمر الذي جعل الاسواق العراقية غالية والوضع الاقتصادي للسكان خانق”.

“الحكومة عاجزة عن ردع هذه الممارسات لأن عددا كبيرا من رجال الدولة متورطون بهذه الممارسات”

ولفت المحلاوي في تصريحه لـ”وكالة يقين” إلى أن “المخاطر التي يتعرض لها السائق أثناء مروره من طرق غير مؤمنة ولا تصلها سلطة الدولة وتسيطر عليها الميليشيات، يرفع أجور النقل، ويدفع شركات النقل إلى استغلال هذا الواقع لرفع الأسعار الامر الذي ينعكس بالتالي على سعر السلعة التي تصل إلى المستهلك”.

وأضاف أن “الحكومة عاجزة عن ردع هذه الممارسات لأن عددا كبيرا من رجال الدولة متورطون بهذه الممارسات ولديهم اتصال مباشر مع هذه الميليشيات التي تأخذ الإتاوات من المواطنين، كما أن تأمين الطريق خرج من إطار القوات الحكومية، فتورط عدد من الضباط مع الميليشيات يسبب عجز هذه القوات عن الخروج من عباءة هذه الميليشيات، الامر الذي جعل الطرق الخارجية تقع بيد الميليشيات”، بحسب المحلاوي.

العراق بلد غير آمن للتجارة والاستثمار

وأوضح أستاذ الاقتصاد في حديثه لـ”وكالة يقين” أن “العراق يعاني من فوضى أمنية كبيرة بمختلف المقاييس، الامر الذي ينعكس بالتالي على الواقع الاقتصادي الذي يرتبط ارتباطًا مباشرًا مع الوضع الامني، فتحول الدولة إلى دولة ميليشيات يجعلها غير مهيأة لجذب الاستثمارات الأجنبية فضلا عن المحلية، فرجل الاعمال أصبح يخشى على أمواله بسبب الفوضى العارمة التي يعيشها العراق، الامر الذي دفع عددًا ليس بالقليل من رجال الاعمال إلى إخراج أموالهم خارج البلد واستثمارها في بيئة استثمارية آمنة، حيث تسبب هذا بقلة المشاريع التي توفر اليد العاملة وتنشط الاقتصاد وتقضي على الركود الاقتصادي، فالبطالة التي يعاني منها المواطن هي نتاج عن هذه الممارسات والقضاء تمامًا على القطاع الخاص المهدد دوما بتعرضه للإتاوات والابتزاز من قبل الميليشيات المتنفذة سواء كانت من خلال المنافذ أو حتى داخل المدن وداخل مؤسسات الدولة”.

حكومة الأنبار: هناك حالات ابتزاز

من جهته العضو في مجلس محافظة الأنبار “نعيم الكعود” قال في حديثه لـ”وكالة يقين”: إن “منفذ طريبيل اليوم ليس كما كان في السابق، فالتبادل التجاري فيه تراجع كثيرًا بسبب العمليات العسكرية التي أدت إلى إغلاقه قرابة السنتين، وتخوف التجار لعدم السيطرة على الأمن بشكل محكم”.

“المنافذ الحدودية هي أحد أبرز مصادر جمع الاموال للميليشيات، وليس من السهولة التخلي عنه”

وعن وجود ميليشيات تسيطر على المنفذ؛ أضاف الكعود: “تردنا شكاوى بهذا الخصوص، ولكن الأمر يحتاج إلى تثبت وتحقيق، والوضع حاليًا مسيطر عليه تمامًا من قبل القوات الحكومية، لكن توجد حالات ابتزاز للتجار هنا وهناك يقوم بها بعض ضعاف النفوس من عناصر القوات، فضلًا عن وجود موظفين فاسدين ومرتشين في منفذ طريبيل“، بحسبه.

ويشير الواقع إلى أنه أصبح من الطبيعي في العراق -في ظل غياب الحكومة القوية- أن تسيطر الميليشيات على المواقع والأماكن التي تدر أموالًا؛ وذلك لتمويل نفسها ودفع رواتب منتسبيها غير المسجلين رسميًا تحت مسميات ميليشيات الحشد وغيرها، والمنافذ الحدودية هي أحد أبرز مصادر جمع الاموال، وليس من السهولة التخلي عنه بالنسبة لتلك الميليشيات، لتبقى المنافذ الحكومية إحدى الكعكات التي تتقاسمها الميليشيات والأحزاب المتنفذة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات