الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

سياسيو السنة.. من فقدان القرار والتأثير إلى فقدان الهوية

سياسيو السنة.. من فقدان القرار والتأثير إلى فقدان الهوية

قسم التقارير – العراق 

كان من أبرز الأسس التي قامت عليها العلمية السياسية في العراق بعد الاحتلال الامريكي عام 2003، نظام المحاصصة الطائفي الذي انقسم بموجبه ممثلو الشعب العراقي إلى سنة وشيعة وأكراد، وقد انعكس هذا التقسيم السياسي مجتمعيا وكانت له نتائج كارثية على الأمن والاقتصاد وباقي مرافق الحياة، فضلا عن تأثيره السياسي بتكوينه حكومات هشة، وبرلمانات منقسمة على نفسها.

اليوم وبعد 15 عاما من بدء هذه العملية السياسية تبدو فيه جميع الأطراف متمسكة بمعظم الوجوه التي مثلتها منذ الوهلة الأولى، مع تغييرات “ديكورية” بسيطة، لكن الأدوار اختلفت عمّا كانت عليه في السابق لاسيما في الضلع السني من مثلث السياسة العراقي، فساسة السنة اليوم كما يرى المتابعون للشأن العراقي لم يفقدوا عنصر التأثير فحسب، بل باتوا يعاونون من الذوبان في الآخر، والتماهي مع الكتل للحصول على المكاسب الشخصية التي تتعلق بتقاسم السلطة والنفوذ.

فقدان القواعد الشعبية

وفي هذا الصدد يرى الباحث في الشأن العراقي “سالم الجبوري” في حديثه مع وكالة “يقين”  أن السياسيين السنة بدأوا في فقدان قواعدهم الشعبية منذ عدة سنوات، بعد أن أطاحت السياسات الطائفية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي بعدد من القادة المؤثرين مثل عدنان الدليمي وطارق الهاشمي ورافع العيساوي وأحمد العلواني، والذين كانت لهم قواعد جماهيرية كبيرة وتأثير في الشارع.

ويضيف الجبوري أنه كان الجيل الثاني الذي جاء بعدهم من السياسيين أقل منهم تأثيرا، كما أن بعضهم لم يستفد من دروس اللعبة السياسية في العراق، ورغم أنهم حازوا في وقت ما بعض التأثير والجماهيرية، إلا أنهم خسروها مؤخرا مثل النجيفي الجبوري وغيرهم.

“فساسة السنة اليوم كما يرى المتابعون للشأن العراقي لم يفقدوا عنصر التأثير فحسب، بل باتوا يعاونون من الذوبان في الآخر”

وجهة نظر الجبوري يختلف معها آخرون، ممن يرون أن أياً من ساسة السنة لم يحظَ بإجماع أو تأييد معظم الجماهير السنية، لكن الحديث هنا ربما عن الساسة الذين ما زالوا يرفعون شعارات تمثيلهم للمكون السني بصورة واضحة، وهو ربما الأمر الذي جعل النجيفي –على سبيل المثال- يستبعد من سباق الرئاسة البرلمانية، بعدما تماهى الآخرون أو اندمجوا في مشاريع أخرى لا تمثل  مصلحة المكون ولا حتى مصلحة الوطن ككل.

ويتابع الجبوري حديث لوكالة “يقين” قائلًا: “إننا الآن أمام طبقة جديدة من السياسيين السنة تفتقد إلى الحضور جماهيري، ولا يوجد من بات مقتنعا بتأثيرهم أو جدواهم، أو من يؤمن بوجود قضية تجعلهم يسيرون خلفهم، وإنما مصالح استفاد منها البعض مثل التعيينات في الدوائر الحكومية وتقديم خدمات لبعض المناطق”.

كما أن شكل وحجم الحضور السني- وفقا للجبوري- في العملية السياسية اليوم بات يفتقر إلى وجود رؤية أو برنامج واضح بالإضافة إلى عدم وجود عناصر مؤثرة تمتلك كاريزما تستطيع من خلالها قيادة الجمهور وتشكيل أوراق ضغط على القوى الأخرى من أجل المطالبة بحقوق الشارع من إطلاق لسراح المعتقلين الأبرياء أو تقديم الخدمات فضلا عن محاربة الفساد الإداري الذي بات مستشريا في جميع الأوساط تقريبا.

لذا فإن وجود هذه الوجوه التي تمثل العرب السنة حاليا في العملية السياسية لن يغير من مسار الأحداث شيئا، ولن يمثل ضغطا وتهديدا للقوى الأخرى، فضلا عن أن يستطيع أن يكون واجهة للسنة يتعامل العالم ودول الإقليم معهم من خلالها، بعدما ثبت فشل محاولة جمع العرب السنة ضمن تحالف سياسي واحد والذي سعت إليه بعض الدول قبل الانتخابات مثل السعودية وقطر وتركيا والأردن.

ساسة السنة..ديكور شكلي!

وعلى صعيد ذي صلة يقول الصحفي”حيدر حامد” في حديثه لوكالة “يقين” إن واقع سياسيي السنة اليوم يمثل ما يسميه “ميك آب” للعملية السياسية هم جزء شكلي من المشهد، فقد أصبحوا لاعبين غير مهمين.

ويرى حامد أن هناك فجوة واضحة بين كل الطبقة السياسية ومكوناتها في العراق، والسياسيين السنة لا يشكلون استثناء في ذلك، بل ربما هم الأكثر فشلا في تمثيل أهلهم.

ولعل قضية التمثيل الحقيقي هنا لا تقتصر على مسألة الوصول النزيه إلى مقاعد السلطة، بل يتمثل بمصداقية ما تحمل الطبقة السياسية السنية من أهداف وبرامج لخدمة ممثليها، لا شك أن الأمر يشمل جميع المكونات الاخرى، وبدرجات متفاوتة، فالفشل الذي رافق العملية السياسية يضرب بأطنابه على معظم مفاصل الحياة في العراق، بيد أن الشارع السني ربما هو الأكثر تضررا في السنوات الأخيرة، لاعتبارات كثيرة، مما يعني أن الفجوة كانت كبيرة بين حجم المشكلات الموجودة وبين الإنجازات التي ليس لها أثر واضح على أرض الواقع.

الساسة.. النسخة الأسوأ منذ عام 2003

من جانبه يشدد الشيخ “عادل الراوي”إمام وخطيب أحد المساجد في العاصمة بغداد على أن العملية السياسية التي بنيت بعد الاحتلال بنيت على أسس باطلة وخاطئة، وبالتالي فلا يمكن أن يستقيم البناء والأساس أعوج.

ويضيف الراوي أن الساسة السنة أوهموا جماهيرهم حينها بأن مشاركتهم في العملية السياسية تأتي لاستحصال الحقوق، ودفع المظالم، وأنه لا بد من وجود من يمثل المكون السني أسوة بباقي المكونات، حتى لا يهمش دورهم.

ويتابع حديثه قائلًا: “لكن ما حصل كان على العكس تماما، فقد تحولت المناطق السنية إلى خراب بفعل السياسيات الفاشلة للحكومة العراقية من دون أن يكون هناك للقادة السنة أي دور في تجنيب تلك المناطق العمليات الانتقامية التي شنتها جهات تسير وفق أجندات إقليمية معروفة”، بحسب الشيخ الراوي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحراك الذي شهدته المحافظات السنية الست للاحتجاج على سياسيات المالكي، كانت نقطة فارقة في القطيعة بين العديد من القيادات وقواعدهم الشعبية في تلك المحافظات، فقد ركب الكثير من “القادة” السنة موجة التظاهرات، وكان أكثرهم يريد الحصول على مكاسب سياسية، مستخدما ورقة الجماهير الغاضبة لمساومة هذا الطرف أو ذاك.

“فإن الأخطاء الكارثية، والتشظي في المواقف، وفقدان المبدأ، وسوء الادارة، كلها علامات بارزة في سيرة سياسيي السنة”

لكن ما إن وصلت المظاهرات إلى النقطة الحرجة، حتى انكشف زيف أولئك القادة، لينتهي الأمر إلى اندلاع الحرب، التي دفع فيها أهل المناطق المنتفضة أثمانا باهظة من الأرواح والدماء والتشرد، فيما اختفى أولئك القادة، ثم ظهروا مرة أخرى بعد إنجلاء العاصفة، لينضموا إلى التحالف الذي يقودوه من كان يهتفون يوما بسقوطه.

ويختم الشيخ الراوي كلامه بالقول: “إن الساسة الذين دخلوا العملية السياسية جرفهم التيار إلى البحث عن المصالح الشخصية”، مؤكدا “أننا وصلنا اليوم إلى أسوأ نسخة من السياسيين السنة منذ عام 2003”.

الشارع السني غاضب من سياسييه

آراء الشارع السني تبدو هي الأخرى محبطة تماما لدرجة اليأس من أي فائدة قد يجنونها ممن يدعون تمثيلهم، فعلى سبيل المثال يقول المواطن “شعيب عامر”-الذي يعمل مدرسا- في حديثه لوكالة “يقين”، أنه لم يعد هناك ما يسمى ممثلي السنة، فجميعهم بات يلهث وراء مصلحته، ولا يفكر بالناس الذين يمثلهم إلا عندما تدور الدائرة عليه، مضيفا أن هذا الفشل يندرج على باقي الساسة، إلا أن ما يميز ساسة السنة أنهم أصبحوا أتباعا للآخرين من دون أن تكون لهم رؤية واضحة ومستقلة.

أما “قاسم أبو محمد”، صاحب محل كهربائيات فقد بدى منزعجا من مجرد الحديث عن السياسة، حيث يقول لوكالة “يقين”: “إننا خدعنا لسنوات طويلة على أمل إصلاح الحال، لكن الواقع يسوء يوما يعد يوم، فمناطقنا منكوبة، وممثلينا السياسيين لا يعرفون سوى الشعارات الفارغة، والكلام الرنان عبر وسائل الاعلام”.

وعلى ما يبدو فإن الأخطاء الكارثية، والتشظي في المواقف، وفقدان المبدأ، وسوء الادارة، كلها علامات بارزة في سيرة سياسيي السنة، علامات كانت نتيجتها ضياع الهوية وفقدان البوصلة، ليصبح واقع مجتمعهم أشدّ قتامة، ومستقبلهم أكثر ضبابية.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات