السبت 20 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

بورصة المناصب.. أرقام فلكية ووجه آخر لصراع الأجندات بالعراق

بورصة المناصب.. أرقام فلكية ووجه آخر لصراع الأجندات بالعراق

قسم التقارير – العراق

لم يفاجئ الكثير من العراقيين بالتصريحات التي أطلقها النائب ووزير الدفاع السابق “خالد العبيدي” عن شراء رئيس مجلس النواب الجديد “محمد الحلبوسي” منصبه، فقضية شراء المناصب في العراق صار أمرا معروفا على نطاق واسع، لكن الجديد أن الاتهام يتعلق بأرفع منصب تشريعي في العراق.

القصة بدأت بُعيد انتهاء التصويت على رئاسة البرلمان وخسارة العبيدي لسباق التنافس على رئاسته أمام الشاب القادم من محافظة الانبار، فقد اتهم رئيس كتلة “بيارق الخير” المنضوية داخل تحالف النصر الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي منافسه بشراء المنصب بمبلغ قدره ثلاثين مليون دولار، سبق ذلك ما كشفه ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي عما سموه “صفقة” تمت بين الحلبوسي والنائب أحمد الجبوري  تقضي بتراجع الجبوري عن ترشحه لرئاسة البرلمان مقابل الحصول على مبلغ 15 مليون دولار من الحلبوسي.

لكن الواقع يقول أن جذور القصة تعود لأبعد من ذلك بكثير، ولعلها ترجع الى بواكير العملية السياسية، والسُنة القبيحة التي سنها سيء الذكر “بول بريمر” باختلاس المليارات عندما كان على رأس الادارة المدنية في العراق.

مزاد غير معلن مع كل موسم انتخابي

وبهذا الخصوص يقول الكاتب السياسي “عادل الشمري”في حديثه لوكالة “يقين” إن سوق بيع المناصب يعقد غالبا عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية ومعرفة أحجام الكتل والاحزاب وبالتالي تبدأ عملية توزيع المناصب ابتداء من الرئاسات الثلاث ثم تشكيل الحكومة وتعيين الوزراء، ووكلاء الوزراء والمدراء العامين ووكلائهم وهكذا نزولاً.

ويضيف الشمري أن هناك اعتبارات عديدة لاختيار هذه الشخصية أو تلك، منها مدى نفوذ هذه الشخصية، وقوة الحزب أو الكتلة التي تنتمي اليها، وحجم التوافقات السياسية التي تبرم بين الكتل، ثم تأتي عملية ضخ الاموال لحسم الامور باتجاه هذا الشخص أو ذاك، لإقناع بعض الاطراف الرافضة، أو للوصول الى تسوية مع اطراف اخرى لديها مرشح بنفس القوة.

“عمليات شراء المناصب تبدأ حتى قبل يوم الاقتراع في الانتخابات، عبر تقديم الرشى للمنافسين في بعض الدوائر الانتخابية”

بينما يرى الناشط الحقوقي”سيف الدين زكي”خلال حديثه لوكالة “يقين” أن عمليات شراء المناصب تبدأ حتى قبل يوم الاقتراع في الانتخابات، عبر تقديم الرشى للمنافسين في بعض الدوائر الانتخابية من أجل دفعهم إلى الانسحاب، كما أن عمليات شراء المقاعد الانتخابية تجري على قدم وساق من حين انتهاء عمليات التصويت وحتى اعلانها من قبل مفوضية الانتخابات.

ويضرب “زكي” مثلا بالانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرا والتي شهدت مقاطعة واسعة في مختلف مناطق العراق، لكنها شهدت في الوقت ذاته مهزلة بإعلان المفوضية النتائج الاولية، ثم بتأخرها بإعلان النتائج النهائية والتي أثارت زوبعة من التصريحات والتصريحات المضادة، واتهامات متبادلة بالتزوير، مما أدى إلى إقالة مفوضية الانتخابات وتكليف فريق من القضاة في إعادة العد والفرز اليدوي الذي لم شهد تغييرا هامشيا، بسبب تحذيرات الكتل القوية من المساس بمرشحيها، فضلا عن ضخ الملايين من الدولارات من أثرياء العملية السياسية لضمان بقاء مقاعدهم النيابية أو اكتساب مقاعد بديلة.

ومن الواضح أن هذا الامر لم يكن خافيا لدرجة كبيرة، فالكثير من الساسة قد خرج بتصريحات  تؤكد وجود عمليات بيع وشراء للمناصب، من بينهم النائب عن تحالف الفتح التابع لميليشيات الحشد الشعبي “رحيم الدراجي”، والذي كشف عن وجود مزادات لبيع الوزارات والمناصب الحكومية، فيما كتب القيادي في تيار الحكمة “محمد جميل المياحي” في تغريدة عبر منصة تويتر، أن مرشحاً لرئاسة البرلمان صرف لغاية الآن نحو 10 ملايين دولار للظفر بالمنصب، في إشارة إلى ما أشرناه إلى في بداية التقرير عن انسحاب “أحمد الجبوري” لصالح الحلبوسي.

كما أن الامر صار معروفا على المستوى الدولي مع التقارير المتتالية التي تصدرها منظمات دولية وصحف عالمية عن حجم الفساد المستشري في العراق.

محاربة الفساد؟ فاقد الشيء لا يعطيه

وعلى الرغم من أن حكومة العبادي رفعت في السنتين الماضيتين شعار مكافحة الفساد، بدعم من مجلس النواب، إلا أن مكافحة الفساد ظلت حبيسة الشعار من دون أن تترجم على أرض الواقع.

ويعزو الكاتب السياسي”عادل الشمري” ذلك إلى أسباب عديدة، من بينها أن الحكومة نفسها جاءت نتيجة لتوافقات وصفقات تكرست منذ سنين وفق مبدأين أساسيين: الاول هو مصلحة الاطراف السياسية والمكاسب التي تخرج بها من أي صفقة سياسية، والثاني هو مدى تلبية الصفقة لمصلحة اللاعبينِ الرئيسيينِ في العراق وهما الولايات المتحدة وايران.

ويضيف الشمري في حديثه لوكالة “يقين” أن بعض الدول العربية كالسعودية والامارات وقطر حاولت أن تجد لها موطئ قدم في العراق من خلال تمويل انشاء كتل سياسية، أو شراء ولاءات بعض الشخصيات المعروفة، لكن تأثيرها –مع تركيا– ظل أقل بكثير من واشنطن وطهران، سيما الاخيرة التي تمسك بخيوط اللعبة من خلال شبكة من الحلفاء التاريخيين.

على الصعيد ذاته أكد لوكالة “يقين” موظف في مجلس النواب رفض الكشف عن اسمه، أن ما يجري في أروقة المجلس من عمليات بيع وشراء للمناصب- وللمواقف أيضا- يشيب لهوله الولدان، مؤكدا أن ما يصرف من أموال سيسترجع النائب ريعه فيما بعد من خلال العمولات والمقاولات أو عمليات بيع الصوت وغيرها من أساليب الفساد السياسي.

ويضرب الموظف مثلا في شخصية معروفة داخل المجلس صرفت مليارات في سبيل حصولها على مقعد في الانتخابات الاخيرة لكنها فشلت في ذلك، مضيفا أن هذه الشخصية وقعت في الخديعة مرتين، الاولى في عملية الاقتراع والعد الالكتروني، والثانية في اعادة العد والفرز اليدوي حيث صرفت الكثير من الاموال في المرتين من دون أن تتمكن من ضمان مقعد في البرلمان.

بينما تمكنت شخصية أخرى من الاستحواذ على منصب هذه الشخصية من خلال التضحية بمقعد أحد أفراد قائمته لقائمة أخرى دعمته في عملية التصويت. ويشير هذا الموظف إلى أن كبار موظفي مفوضية الانتخابات يأتون  إلى عملهم وهم حفاة، ويخرجون منه وقد ضمنوا مستقبل أحفادهم!

الرجل المناسب.. بالسعر المناسب!

وبالانتقال إلى المناصب الاخرى التي تبتعد عن أروقة اصحاب الحصانة من النواب واصحاب المعالي من الوزراء، فان مزاد البيع والشراء يشمل المواقع الاخرى، ويرتفع السعر حسب اهمية المنصب وقدرته على جلب المنافع.

وفي هذا الصدد يقول الصحفي “حيدر حامد”لوكالة “يقين” إننا صرنا نسمع بين فترة واخرى عن بيع المنصب الفلاني بمبالغ تصل أحيانا إلى أرقام خيالية، وما يجري هو جزء من سياسية توزيع المناصب على أقطاب العملية السياسية.

“عمليات بيع وشراء المناصب تجري على قدم وساق في المؤسسات المدنية والعسكرية على حد سواء”

ويضيف أن عمليات البيع تلك تأتي كحلقة اخيرة بعد الاتفاق على ان يكون المنصب بهذه الجهة او تلك، ثم يرسي المزاد على الشخصية المستعدة اكثر للدفع”.

وعن دور الإعلام في فضح هذه الممارسات، أشار حامد إلى أن القضية معروفة ومنتشرة، لكن أي عمليات نشر بالأسماء والوقائع قد تعرض الصحفي أو الجهة التي ينتمي اليها إلى متاعب جمة، من دون أن يكون هناك محاسبة حقيقية للقضاء على هذه الظاهرة.

وإذا نزلنا أكثر فإن عمليات بيع وشراء المناصب تجري على قدم وساق في المؤسسات المدنية والعسكرية على حد سواء، حتى ان الحصول على منصب أمر السيطرة الفلانية أو المنفذ الحدودي الفلاني أصبح يكلف مبالغ طائلة، لكن ذلك لا يمنع من البذل، ما دام المبلغ سيتم إعادته من جيوب الشعب، بطرق ملتوية تبدأ من استيفاء المبالغ في نقاط تفتيش شاحنات الحمل، ولا تنتهي عند الرشوة حين يضطر المواطن أن يدفع المقسوم لذلك الموظف الفاسد الذي يمارس كل انواع الروتين الملتوية للوصول إلى غرضه، ولا محاسبة لأن الكل لصوص، وبالتالي فإن بقاء الامر على ما هو عليه ينذر بكارثة تقرب البلد من الهاوية التي يسير اليها بكل ثبات.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات